يتزامن تناول موضوع "استثمار رأس المال الوطني والأجنبي في المملكة" مع ما يشهده العالم ويعايشه من أزمة مالية أضحت المادة الدائمة الحاضرة على صفحات ونشرات وسائل الإعلام، التي تنشر وتبث أخباراً تترى، ما بين إشهار إفلاس لمؤسسات اقتصادية عالمية، وإعلان خسائر لأخرى، وتسريح لآلاف العاملين، وغيرها من الأخبار التي تصف حجم الأزمة وتأثيراتها لمرحلة زمنية آنية تعيش في ظل تكهنات متفاوتة لم تتشكل ملامحها النهائية بعد، وما إذا كانت ستنتقل من مرحلة الركود الاقتصادي إلى المرحلة الأسوأ نحو الكساد.
ويبدو أن الخارطة المالية العالمية تأخذ شكلاً جديداً، فدوام الحال من المحال، لذلك تتسابق وتتنافس كثير من دول العالم نحو تحسين مواقعها لجذب الاستثمارات المحلية والوطنية. وضمن هذا الإطار اتخذت المملكة خطوات مبكرة تهدف إلى تهيئة البيئة الاستثمارية بإصدارها لنظام الاستثمار قبل ثلاثة عقود من الزمن، ومن ثم تطويره في نظام جديد يُشرف على الانتهاء من عقده الأول، إلا أن رأس المال، بجناحيه الوطني والأجنبي، والذي يوصم بالجبن، يحتاج إلى الكثير من التطمينات التي تشجعه على خوض غمار الاستثمار، فكلا النوعين يجتمعان في مطالب تمثل قواسم مشتركة يجب توافرها، ومن أهمها اعتماد مبدأ الشفافية، والسرعة في البت في القضايا المعلقة التي تؤثر بشكل سلبي في بيئة الاستثمار، فما أفصحت عنه وزارة التجارة والصناعة، على سبيل المثال، من بلوغ القيمة الإجمالية للمساهمات العقارية المتعثرة 928,6 مليار ريال، والتي تُشكل ما نسبته10في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، يؤكد أهمية إنهاء جميع العوامل المسببة لعزوف أصحاب الأموال عن الاستثمار.
فالمدى الزمني الطويل الذي تستغرقه قضايا المساهمات العقارية وتوظيف الأموال يحتاج إلى معالجة وجدولة زمنية تضمن إنهاء جميع القضايا ضمن إطار زمني محدد، وبما يكفل حفظ الحقوق لجميع الأطراف.
كما أن آلية إسناد إنهاء القضايا لمكاتب المحاسبة والمصفين القانونيين تحتاج إلى تقييم، للوقوف على مدى الاستفادة الفعلية التي تحققت، وسلامة مثل هذا الإجراء. ولعل من المناسب أن يتدارس ذوو الشأن والاختصاص طرح فكرة التعويض على من يثبت إدانته في القضايا المالية، فتعطيل الحقوق لفترة زمنية له تبعاته الضارة بالحقوق المالية، ما يستوجب التفكير في أهمية تبني التعويض عن استثمار المال للمتضررين الذين يحصلون في نهاية المطاف، وفي أحسن الحالات، على إعادة رؤوس أموالهم. وفي ذات الوقت تسهم هذه الفكرة، متى ما تم تبنيها، في ردع المتلاعبين والمستغلين للثغرات من إطالة أمد القضايا لأطول فترة ممكنة، إذا ما علموا أن هناك فاتورة إضافية يجب دفعها.
إن العمل على تعزيز عناصر القوة، وتلافي مواطن الضعف، وتذليل العقبات والمعوقات التي تشوب مناخ الاستثمار، كفيل - بإذن الله - بإيجاد بيئة استثمارية آمنة تتميز بالكفاءة والفعالية والشفافية، وإحداث قفزة نوعية تُعيد الأموال المحلية التي عبرت الحدود، وتجذب الأموال الأجنبية التي تُغني عن الاعتماد على النفط الذي مصيره النهائي النضوب، ويُعاني حالياً تذبذبا يتجه به نحو الهبوط.
ويجدر التأكيد على أن المملكة، كدولة لها ثقلها الاقتصادي المهم على المستوى الدولي، تتميز عن غيرها بانتفاء الحاجة الماسة التي تدفع الدول الأخرى نحو تقديم التنازلات في مقابل الحصول على الاستثمارات الأجنبية، التي تسعى فقط إلى تحقيق الأرباح على حساب التنمية الاقتصادية المتوازنة. فالاستثمار الأجنبي الذي ينبغي الترحيب به هو ما يحافظ على هوية الوطن وقيمه، ويُسهم في تنويع القاعدة الاقتصادية، والاستفادة من التقنيات المتقدمة، والخبرات الدولية في الإدارة والتشغيل، وتوظيف مساهمة المستثمرين الأجانب في تسويق المشاريع لدى بقية دول العالم.
