عندما يحين الوقت لكتابة تاريخ الأزمة المالية الحالية، فإن معركة قيود المؤشر سيفوز بها دون أدنى شك المصرفيون المركزيون وليس السياسيون. وسوف يظهر اسم بن برنانكي على المزيد من الصفحات، وليس اسم جورج بوش، واسم دارلينج كينج أكثر من اسم جوردون براون، وسوف يُسقِط اسم جان كلاود تريشت اسم نيكولا ساركوزي. ولجانب كبير من الوقت، عملت البنوك المركزية بجهد لكي تكون أماكن مبهمة، فالأشخاص الذين يديرونها يستمتعون بكونها غامضة. ولكن عندما تضرب الأزمة، فإن الضوء الخافت سوف يشع.
حدثت آخر أزمة كبيرة هزت النظام المالي العالمي، قبل 94 عاماً، في نهاية شهر تموز (يوليو) 1914. وعملت على شل سوق المال الشاملة، وأغلقت أسواق البورصة العالمية لعدة شهور، وخلقت الحاجة إلى تدخل حكومي غير مسبوق في النظام المصرفي. وبشكل مناسب، من هنا يبدأ لياقت أحمد كتابه.
بدأ أحمد، وهو مدير استثماري شبه متقاعد، برواية قصة أربعة مصرفيين مركزيين بارزين في فترة ما بين الحربين العالميتين. ولم يكن باستطاعته أن يتوقع كيف أن كتابه جاء في الوقت المناسب تماماً. وعلى النقيض من معظم الكتابات حول أصول الكساد الكبير، فإن أسياد التمويل Lords of Finance، جدير بالقراءة إلى حد كبير- وهو مفعم بالحياة بوجود تفاصيل حية تتعلق بالسيرة الذاتية لأشخاص، ولكنها تعتمد بشكل سليم على الكتب. وحيث إن الكتاب ظهر في الوقت الحاضر، في الوقت الذي يهدد فيه التاريخ بتكرار ذاته، فإن من شأن ذلك أن يضيف إلى جاذبيته.
الشخصيات الأربع الرئيسة التي تناولها أحمد هي إميل موريو، محافظ بنك فرنسا، ومونتا ونورمان، محافظ بنك إنجلترا، وهجلمار ساشت، رئيس بنك الرايخ الألماني، وبناجمين سترونج، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وبحلول عام 1926، شكل الأربعة "النادي الأكثر حصرياً في العالم"، ولكن في عام 1914، لم يكن أحد يسمع بهم إلى حد كبير.
كان نورمان شريكاً في الفرع البريطاني للبنك التجاري الأمريكي "براون براذرز"، وحيث إنه كان شخصية عصابية ، ومعرضا لنوبات من الانهيار العقلي، فإنه عاش في بيت كبير كئيب في هولاند بارك، وهو محاط بأثاث من تصميمه الخاص، ويستمع إلى موسيقى براهمز، ويلهو في الروحانيات. وكان يبدو وهو يحمل خبزه الطويل المصنوع من الزنجبيل، وكأنه يكثر التردد على الجادات، وليس مصرفياً.
كان في الطرف الآخر ساشت، من مدينة هامبورغ، وكان يميل إلى المشية المتصلبة التي تشبه مشية ضابط احتياط من روسيا البيضاء، ويكتمل وجهه بشارب خشن، وقبة عالية من السيليويد، ونظرة قاسية. وفي عام 1914 كان يرتقي درجات بنك درزدنر.
من بين الشخصيات الأربع، كان بنجامين سترونج هو الأكثر تقدماً: رئيس شركة ترست بانكرز القوية، وهي فرع من الإمبراطورية المالية "جيه بي مورجان". وكانت مشكلاته شخصية بشكل محض: زوجة أولى قامت بالانتحار، وبداية إصابته بمرض السل الذي قضى عليه في نهاية المطاف. وفي حين أن موريو كان شخصاً سعيداً، وموظفاً حكومياً يتمتع بالصحة، إلا أن حياته المهنية اتخذت منحىً خاطئاً. وبعد أن عمل رئيساً لشؤون الموظفين لوزير المالية الذي كان عرضة للفضائح، موريس روفيير ، قام موريو بعمل إضافي للبنك المركزي الجزائري.
غيرت الحرب وآثارها الكارثية المدمرة سيرهم المهنية جميعاً. ولأنه كان مهندس النظام الاحتياطي الفيدرالي، وافق سترونج على إدارة الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في عام 1914. وانضم نورمان إلى بنك إنجلترا في عام 1915، وأصبح محافظاً للبنك بعد خمس سنوات.
واجه ساشت حرباً غير مناسبة، ولكنه انطلق مجدداً في مهنته في عام 1923، عندما جعل التضخم المفرط العملة الألمانية مجردة من القيمة: بعد أن أدخل بنجاح عملة رينتنمارك الجديدة، تم تعيينه رئيساً لبنك الرايخ قبل انتهاء العام. وبعد عامين ونصف العام، دفعت الأزمة السياسية بموريو إلى أعلى وظيفة في بنك فرنسا.
لم تكن المهمة التي كانت تواجه هؤلاء الرجال الأربعة بسيطة. وبعد الحرب العالمية الأولى، حمل المنتصرون والخاسرون على سواء ديون أجنبية هائلة، وتم تخفيض قيمة جميع العملات الأوروبية بدرجات متفاوتة. وجعلت العوائق التجارية الجديدة الكثيرة الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للدائنين في أن يحصلوا على عملات صعبة من الصادرات.
ظاهرياً، كما يبين أحمد، بدا أن المصرفيين المركزيين يتعاونون. واجتذب ترحالهم المتكرر عبر القنال والأطلسي التخمينات الصحافية المحمومة. (كان المرسلون في غاية الانتباه بحيث إن نورمان كان يسافر بحراً تحت اسم مفترض، "الأستاذ كلارنس سكينر".) وتطورت الصداقة بينهم (تحولت عبارة "عزيزي سترونج"، و"عزيزي نورمان" إلى "عزيزي بن " و "عزيزي مونتي"، وأثبت نورمان قدرته على تهذيب ساشت. وكان الاستثناء هو موريو، الذي لم يقاوم نورمان إهانته، وتخلف عن الحضور عندما دعاهم سترونج جميعاً إلى نيويورك في عام 1927، قبل عام من موته.
لكن، رغم جميع اتصالاتهم، فشل الأربعة في التوصل إلى حل مثالي بشأن مشكلات العالم المالية. وشجع سترونج الاعتقاد شبه الديني لنورمان في إعادة تجديد معيار الذهب، وساعد في تمويل العودة البريطانية إلى سعر صرف الدولار قبل الحرب. ورغم ذلك لم يسمح سترونج لمعيار الذهب بأن ينجح كما كان يفترض أن يفعل، مناقضاً بشكل منهجي (معقماً) تأثير التدفقات الداخلة من الذهب إلى العرض النقدي الأمريكي. وفي غضون ذلك، تدخل موريو ضد الفرنك بحيث تم تخفيض قيمة العملة الفرنسية، وضمن بذلك فوائض الصادرات، والنمو السريع لاحتياطيات بنك فرنسا. وفي المقابل، كان ساشت مهووساً بشأن تدفقات الأموال الساخنة إلى ألمانيا، والعبء المتواصل للتعويضات على ميزان المدفوعات الألماني.
كانت النتيجة هي أن ما يمكننا أن نطلق عليه في الوقت الحاضر "الاختلالات العالمية"، لم تقل، حتى عندما كانت الظروف الاقتصادية جيدة نسبياً. وعندما تكونت فقاعة "وول ستريت"، ثم انفجرت في عامي 1928 و 1929، قلل الأوربيون تماماً تقدير انكشافهم. ورأى نورمان في انهيار "وول ستريت" فائدة للإسترليني، وزعم "الفضل" له لأنه السبب في البيع السريع لنيويورك عندما رفع معدلات الفائدة البريطانية في الشهر السابق.
بحلول صيف عام 1931، على أية حال، بدأ الأمر يتضح حتى بالنسبة لنورمان، بأن الاقتصاد العالمي كان يهوي. ومع الإخفاقات الهائلة للبنوك على جانبي الأطلسي، أصبح من الواضح أن أسياد التمويل أفسدوا الأمور. وكتب للشخص الذي سيخلف موريو في بنك فرنسا قائلاً: "ما لم تتخذ إجراءات جذرية لإنقاذه، فإن النظام الرأسمالي في شتى أرجاء العالم المتحضر سينهار خلال عام من الزمن". (ومضى يكتب بتباه مميز: "أود أن يتحقق هذا التوقع من أجل المرجعية في المستقبل").
لم تكن مثل هذه المخاوف التنبؤية أمراً جديداً. وفي أوائل شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1918، قام سترونج بتحذير نورمان من "الفترة الاقتصادية البربرية المقبلة التي سوف تهدد ازدهارنا". وكانت المفارقة هي أن تنبؤاتهم المفضلة جعلت في مجملها الرؤية أكثر احتمالاً. وبحلول عام 1931، كان النظام الرأسمالي يجثو على ركبتيه، وكانت تجثو معه الديمقراطية. وكان ساشت يلهو سريعاً مع النجم الصاعد لليمين الألماني، أدولف هتلر، وشغل لاحقاً منصب وزيرة للاقتصاد.
في الوقت الذي يتأرجح فيه العالم على شفير هاوية مالية كبيرة أخرى، فليس بإمكاننا سوى أن نأمل أن يتعاون أسياد التمويل في يومنا المعاصر بشكل أفضل. وأشك في أن أحداً لديه الكثير من الوقت للقراءة قبل النوم في هذه الأيام. ولكن إذا احتاج السادة بيرنانكي، وكينج، وتريشت، إلى تذكير بالخطأ الذي يمكن أن يحدث عندما يحقق المصرفيون المركزيون الشكل الظاهري فقط، وليس الواقعي، للتعاون، فإن أسياد التمويل هو الكتاب الذي يجب عليهم أن يقرأوه.
وكمسألة ملحة، يجب إرسال ترجمة صينية إلى زهو زياوشوان، محافظ بنك الشعب في الصين.
أسياد التمويل: المصرفيون الذين سببوا انهيار العالم
تأليف : لياقت أحمد
الناشر: بينجوين برس
Lords of Finance: The Bankers Who Broke the World
By Liaquat Ahmed
Penguin Press

