سلطت أسوأ أزمة مالية منذ الكساد العظيم الضوء على مخاطر انهيار المؤسسات المالية المهمة بالكامل. وتم القيام بعمليات الإنقاذ الكبيرة انطلاقاً من أن الخوف من انهيار مثل تلك المؤسسات من الممكن أن يتسبب في فوضى عارمة، مع إلحاق الضرر بالاقتصاد الحقيقي. وتشمل الأمثلة مؤسسات مثل بير شتيرنز، فاني، فريدي، المجموعة الدولية الأمريكية AIG، سيتي جروب، صناديق تأمين أسواق المال، برامج الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الجديدة للبنوك ومؤسسات الوساطة المالية. وكان لترك ليمان براذرز ينهار تأثيرات شاملة حادة جعلت النظام المالي العالم يسير نحو حالة من السكتة القلبية، وما زال يعالج آثار الكارثة.
إننا نقترح طريقة لقياس هذه المخاطر الشاملة والحد منها، وتقليص الخطر الأخلاقي وتكلفة عمليات الإنقاذ. ومقترحنا هو فرض متطلبات رأسمالية شاملة وبرنامج تأمين شامل.
الوضع الحالي يترك النظام معرضاً للعدوى المالية حين تُفلس البنوك الكبرى (وكذلك العديد من البنوك الصغرى). وجذور المشكلة تكمن في أن البنوك ذات حافز ضئيل للأخذ في الاعتبار الثمن الذي تفرضه على الاقتصاد الكبير، إذا أدى الفشل إلى حفز حلقة لولبية من إخفاق السيولة على صعيد النظام ككل. ويشبه ذلك عندما تتسبب شركة في التلوث كجزء من إنتاجها، دون تحمل أعباء كامل تكاليف هذا التلوث. ولمنع ذلك، يتم فرض ضوابط على التلويث، وكذلك الضرائب.
ولسوء الحظ، ضوابط البنوك، مثل اتفاقية بازل، تتجاهل المخاطر التى تواجه النظام بأكمله طالما أنها تحلل خطورة فشل كل بنك على حدة. وهي تسعى إلى تحديد احتمال الفشل لدى كل بنك بمعالجة الإخفاقات المنفردة، وكذلك الإخفاقات الشاملة بالطريقة نفسها (وتجاهل مدى خسارة البنك إذا فشل). لكن حركة العديد من البنوك الكبرى الهادفة إلى زيادة ميزانياتها العمومية بسندات مماثلة مدعومة بالرهون العقارية، أمر أخطر مما لو قامت البنوك بإصدار القروض لمقترضين متنوعين.
والأسوأ من ذلك أن الأزمة الشاملة التي تتغذى على نفسها أكثر خطورة من الفشل المنفرد لبنوك أصغر. فعلى الأرجح أن يتم الاستيلاء على بنك صغير من خلال إجراءات سلسلة من العمليات دون أن يعمل ذلك على انهيار الاقتصاد.
هناك تحديان مرتبطان بتقليص مخاطر أزمة السيولة. فلابد من قياس المخاطر الشاملة أولاً، ومن ثم إداراتها. ونحن نقترح تحديد مخاطرة البنك الشاملة، وذلك بالمدى الذي على الأرجح أن يساهم به في الأزمة المالية العامة. ويمكن تقدير هذا المقياس باستخدام أساليب معيارية لإدارة المخاطر يجري استخدامها فعلياً داخل البنوك ـ لكن ليس بين البنوك، كما نقترح ـ لقياس مدى مساهمة كل وحدة تداول أو قسم في المخاطرة العامة للبنك. ونبيّن هذا الأمر في مشروع شتيرن لجامعة نيويورك، فيما يتعلق باستعادة الاستقرار المالي.
ومع توافر هذا المقياس للمخاطرة الشاملة، يمكن للجهة المنظمة أن تدير الأمر. ونحن نقترح طريقتين لإدارة المخاطرة الشاملة. أولاً، يمكن للجهة المنظمة تقييم المخاطرة الشاملة لكل بنك. وكلما كانت أعلى، كان حجم رأس المال الذي يجب أن يمتلكه البنك أكبر. وسيعمل ذلك على السعي للتأكيد على أن النظام المصرفي ككل يمتلك ما يكفي نسبياً من رأس المال لمواجهة المخاطر التي تنتشر على نطاق النظام بأكمله. وهذا الأمر أشبه بأن يقوم البنك الرئيسي بفرض غرامة على كل مكتب تداول، أو قسم، مقابل استخدام رأس المال الاقتصادي قياساً بمساهمته في المخاطر الكلية للشركة.
ثانيا، يُطلب من كل مؤسسة شراء تأمين مقابل مخاطرتها الشاملة ـ مقابل خسائرها الخاصة بها ضمن سيناريو يمكن أن يظهر فيه أداء القطاع المالي بأكمله هزيلاً. وفي حالة سداد التأمين، فلا ينبغي أن تُقدم المدفوعات للشركة، لكن للجهة المنظمة المسؤولة عن استقرار القطاع المالي. وسيعمل ذلك على تقديم حوافز للبنك من أجل الحد من المخاطرة الشاملة (من أجل تخفيض قسط التأمين)، وكذلك تقديم تقدير للمخاطرة يعتمد على السوق (تكلفة التأمين)، وتقليص التكاليف المالية والخطر الأخلاقي لعمليات الإنقاذ من جانب الحكومات (لأن الشركة لا تسترد أموال التأمين بنفسها). وطالما أن القطاع الخاص قد لا يكون قادراً على وضع رأس مال كافٍ جانباً من أجل كافة تأمينات المخاطرة الشاملة، يمكن للحكومات أن تقدّم جزءا منه. وتقدّم الحكومات فعلياً مثل هذه المشاركة في مجال التأمين ضد الإرهاب.
إننا نعتقد أن مقترحنا يقدّم مزايا عدة عن طريق المعالجة الواضحة للمخاطرة الشاملة بالارتكاز على أدوات مستخدمة فعلياً من قبل شركات خاصة لإدارة المخاطر الداخلية. إن مقترحنا يمثّل أفضل طريقة للتعامل مع المقايضة بين السماح لعدد كبير من المؤسسات بالإفلاس (مثل ليمان)، والتسبب بسكتة قلبية عالمية في النظام المالي، أو الخضوع لضرورة إنفاق تريليونات من الدولارات من أموال دافعي الضرائب من أجل إنقاذ مؤسسات مهمة على وجه العموم.
ـــــــــــــ
الكاتبان أستاذان من مدرسة شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، والنظام المقترح للمخاطرة الشاملة جزء من مشروع شتيرن في جامعة نيويورك لإعادة الاستقرار المالي Restoring Financial Stability: How to Repair a Failed System (John Wiley & Sons, 2009)
