كشف تقرير اقتصادي صدر أمس، أن مشروع" اتفاقية مبادلة" الذي أقر أخيرا في السعودية لم ينجح في جذب المستثمرين الأجانب، حيث لم تتعد تداولاتهم في كانون الثاني (يناير) ما نسبته 0.2 في المائة من قيمة تداولات سوق الأسهم.
وقال التقرير الذي أعده براد بورلاند رئيس الدائرة الاقتصادية والأبحاث في "جدوى للاستثمار"، إنه وعلى الرغم من حصول عدد من شركات الاستثمار المحلية على الموافقة اللازمة التي تتيح لها إشراك المستثمرين الأجانب في الاستثمار في سوق الأسهم السعودية إلا أن حالة تفادي المخاطر التي تفشت بصورة كبيرة بين المستثمرين على مستوى العالم حدّت من حجم الأموال المرصودة لهذا الغرض (رغم أن رغبة المستثمر الأجنبي لا تزال قوية). ولا يزال المستثمرون الأفراد السعوديون يهيمنون على السوق، حيث شكلت تداولاتهم نسبة 93 في المائة من إجمالي قيمة التداولات في الشهر الماضي.
في مايلي مزيداً من التفاصيل:
كشفت أرباح الفصل الرابع للشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية بوضوح, التأثير المباشر للأزمة المالية العالمية وما ترتب عليها من تراجع في أداء تلك الشركات، حيث انخفضت ربحية السهم لمجمل السوق في ذلك الفصل بنسبة 56 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2007، مقابل تدن في النمو السنوي لربحية السهم في الفصل الثالث نسبته 7 في المائة وارتفاع من خانتين مئويتين للفصلين الأول والثاني.
وأوضح تقرير أعده براد بورلاند رئيس الدائرة الاقتصادية والأبحاث في "جدوى للاستثمار"، أن أقل القطاعات أداء كانت قطاعي الاستثمار المتعدد والتأمين حيث سجل كلاهما خسارة وكان السبب في الحالتين هو خسارة المحافظ الاستثمارية. كما هبطت ربحية السهم في قطاع البتروكيماويات بنسبة 99 في المائة وقد شهدت أرباح عملاق صناعة البتروكيماويات "سابك" هبوطاً حاداً بلغت نسبته 95 في المائة في الفصل الرابع نتيجة للتكاليف المرتفعة لعمليات الشركة في أوروبا والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وقد ضاعف من تراجع الأرباح بعض المصروفات غير المتكررة التي تحملتها الشركة في مشاريعها في الولايات المتحدة.
يوضح تقرير "جدوى للاستثمار" أن أربعة قطاعات في سوق الأسهم السعودية حققت نمواً في ربحية السهم خلال الفصل الرابع تصدرها قطاع النقل (بنسبة 30 في المائة) تلاه قطاع التطوير العقاري (بنسبة 22 في المائة)، وما يميز هذه القطاعات أن المحرك الرئيسي لنشاطها هي المعطيات الاقتصادية المحلية عدا أنها لم تتأثر بحالة شح التمويل على المستوى المحلي. أما في قطاع البنوك فقد ارتفعت ربحية السهم بواقع 2.6 في المائة وإن كانت جميع هذه الأرباح تعود إلى البنك السعودي الهولندي الذي استعاض نشاطه عقب تعرضه لخسائر ائتمانية ضخمة خلال الفصل الرابع من عام 2007. فإذا استبعدنا البنك الهولندي نجد أن ربحية السهم في قطاع البنوك قد انخفضت بنسبة 25 في المائة في الفصل الرابع.
بالنسبة للعام ككل تراجعت ربحية السهم بنسبة 6.6 في المائة مقارنة بعام 2007. أما الملامح المستقبلية للاقتصاد السعودي هذا العام فتعتبر جيدة بصورة عامة، حيث اكتملت عديد من المشاريع وبدأ إنتاجها مع تواصل جني فوائد سياسة التحرير الاقتصادي وسياسة التخفيف من الأنظمة المقيدة للأعمال التجارية. ولكن في ظل الاحتمالات القوية لتدهور الأوضاع الخارجية على نحو استثنائي نتوقع تراجع ربحية السهم بنسبة 3.2 في المائة هذا العام.
#2#
موجز سوق الأسهم
بصفة عامة لم تتأثر أسعار الأسهم كثيراً بالنتائج الضعيفة لأداء الشركات خلال الفصل الرابع والتي تم إعلانها في كانون الثاني (يناير) حيث ظل مؤشر تاسي طوال الشهر مستقراً بصورة واضحة (ارتفع بنسبة 0.1 في المائة) ويبدو أن المستثمرين قاموا بدفع أسعار الأسهم إلى الأسفل خلال الفصل الرابع مستبقين نتائج الأداء الضعيف. وتتسم الحالة النفسية للسوق بالحذر الشديد بسبب الضبابية المتواصلة إزاء التوقعات بشأن الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وكيفية تأثير ذلك في الشركات السعودية، وهو حذر أدى إلى تناقص مستمر في حجم التداول حيث تراجع عدد الصفقات المنفذة خلال كانون الثاني (يناير) إلى 70 في المائة فقط من متوسط عددها للنصف الأول من العام الماضي كما أن عدد الصفقات اقترب خلال الشهور الأخيرة من أدنى مستوى له منذ أربع سنوات.
وحتى الآن لم ينتج عن دخول المستثمرين الأجانب ترك أثر واضح في سوق الأسهم السعودية منذ أن سمحت لهم الجهات المختصة في أيلول (سبتمبر) الماضي بالاستثمار في السوق من خلال اتفاقيات مبادلة، حيث لم تتعد تداولاتهم في كانون الثاني (يناير) ما نسبته 0.2 في المائة من قيمة تداولات سوق الأسهم. وعلى الرغم من حصول عدد من شركات الاستثمار المحلية على الموافقة اللازمة التي تتيح لها إشراك المستثمرين الأجانب في الاستثمار في سوق الأسهم السعودية إلا أن حالة تفادي المخاطر التي تفشت بصورة كبيرة بين المستثمرين على مستوى العالم حدّت من حجم الأموال المرصودة لهذا الغرض (رغم أن رغبة المستثمر الأجنبي لا تزال قوية). ولا يزال المستثمرون الأفراد السعوديون يهيمنون على السوق حيث شكلت تداولاتهم نسبة 93 في المائة من إجمالي قيمة التداولات في الشهر الماضي.
وكانت النقطة المضيئة في سوق الأسهم السعودية هي اكتمال أول عملية اكتتاب في المملكة بنجاح منذ آب (أغسطس) الماضي حيث أغلق في الثاني من الشهر الجاري الاكتتاب في شركة "اتحاد عذيب للاتصالات" وهي واحدة من ثلاث شركات حصلت أخيراً على تراخيص للعمل كمشغل للهاتف الأرضي وقد تجاوزت قيمة مبالغ الطلبات حد الاكتتاب بواقع مرتين. وعلى الرغم من طرح الأسهم بالقيمة الاسمية البالغة عشرة ريالات كانت هناك بعض الشكوك حول مدى استجابة المستثمرين لذلك الاكتتاب في ظل أداء السوق في الآونة الأخيرة، خاصة إذا علمنا أن قيمة اثنين من أكبر ثلاثة اكتتابات جرت خلال الأعوام الأربعة الماضية (صدر جميعها العام الماضي) هما بنك الإنماء وشركة زين ارتفعت بنسبة 14 في المائة فقط لكل منهما بينما انخفضت قيمة الشركة الثالثة وهي شركة معادن بنسبة 36 في المائة. وتظل الاكتتابات في شركات القطاع الخاص معلقة انتظاراً لحدوث تحسن في أوضاع السوق.
#3#
هيئة سوق المال
يبدو أن هيئة سوق المال عازمة على التشديد في تطبيق لائحتها الخاصة بقواعد الإفصاح حيث فرضت في الشهر الماضي غرامات على شركتين لخرقهما قواعد الإفصاح بعد أن كانت قد طبقت العقوبة نفسها على شركتين أخريين لذات المخالفة في كانون الأول (ديسمبر). وتعتبر الشركة مخالفة لقواعد الإفصاح في حالة كشفها عن النتائج المالية أو الكشف عن أي معلومات جوهرية قد يكون لها تأثير في سعر سهمها قبل نشرها على موقع سوق الأسهم السعودية. ومما لا شك فيه أن الصرامة في تطبيق اللوائح تفيد كثيراً في تحجيم عمليات المضاربة في السوق، ولكن يبدو أن هناك عدم وضوح فيما يختص بقواعد الإفصاح لدى الشركات مما جعل بعضها حذراً في تقديم المعلومات إلى المحللين.
تراجع التضخم
من المتوقع أن تتسارع وتيرة تراجع التضخم التي بدأت قبل عدة شهور حيث يعزز عاملا انخفاض أسعار السلع وارتفاع قيمة الريال من هبوط أسعار البيع للمستهلك. كذلك تشهد الضغوط التضخمية الناجمة عن الإيجارات والتي تعتبر المصدر الرئيسي للتضخم في المملكة بعض التراجع، رغم أن النقص في المساكن سيبقي التضخم في هذه الفئة عند مستوى خانتين. وعليه فإننا نتوقع انخفاض متوسط التضخم هذا العام إلى 6.7 في المائة مقارنة بنسبة 9.9 في المائة عام 2008.
هبط معدل التضخم إلى 9 في المائة خلال كانون الأول (ديسمبر) مسجلاً أدنى مستوى له خلال عشرة أشهر نتيجة لتراجع التضخم في أسعار الغذاء من 14.4 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر) إلى 11.3 في المائة كعامل رئيسي. وكانت أسعار مواد الغذاء العالمية قد بدأت في التراجع منذ منتصف 2008 حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن أسعار الغذاء تدنت الآن بمعدل 12.1 في المائة عما كانت عليه قبل عام وبمعدل 34 في المائة مقارنة بأعلى مستوى لها سجلته في حزين (يونيو) الماضي. وعلى الرغم من أن تباطؤ الطلب جاء في بعض الحالات نتيجة للركود العالمي إلا أنه يعود بدرجة كبيرة إلى خفة حدة المخاوف بشأن المعروض من المواد الغذائية وهي مخاوف أدت إلى دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة خلال النصف الأول من العام الماضي.
يوضح الرسم البياني المرفق العلاقة الوثيقة بين أسعار الغذاء في السعودية وأسعارها عالمياً كما يشير إلى احتمال حدوث مزيد من التراجع في تضخم أسعار المواد الغذائية في المملكة على المدى القريب. كذلك تعتبر الملامح المستقبلية للفترة المتبقية من العام مشجعة حيث يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض أسعار السلع غير النفطية عالمياً بمتوسط قدره 29 في المائة هذا العام مقارنة بالعام السابق. وحتى في حالة بقاء أسعار الغذاء العالمية عند مستواها الحالي خلال عام 2009 سيأتي متوسطها أقل بنسبة 24 في المائة عن العام الماضي.
كذلك تشير حركة سعر الصرف أخيرا إلى انخفاض مستوى التضخم المستورد، حيث زادت قيمة الريال بنسبة 8 في المائة مقابل اليورو (العملة التي يستخدمها الشركاء التجاريون الرئيسيون للمملكة) منذ نهاية العام الماضي بينما انخفضت قيمته مقابل اليورو كذلك بنسبة 20 في المائة تقريباً منذ نهاية حزيران (يونيو). إضافة إلى ذلك يشهد التضخم انخفاضاً كبيراً لدى شركاء المملكة التجاريين الرئيسيين الآخرين ويميل للبقاء عند مستوى منخفض حيث يتوقع صندوق النقد الدولي تراجع معدل التضخم في الدول المتقدمة إلى 0.3 في المائة فقط هذا العام. كذلك أدى انخفاض سعر النفط نحو 100 دولار للبرميل من أعلى سعر سجله متزامناً مع تراجع حجم التجارة العالمية بسبب الركود إلى انخفاض تكاليف النقل.
وعلى الرغم من هبوط معدل التضخم في أسعار الإيجارات خلال كانون الأول (ديسمبر) إلى ما دون 18 في المائة لأول مرة منذ نيسان (أبريل) الماضي مسجلاً تراجعاً متصلاً على مدى خمسة أشهر متعاقبة، إلا أن معدلات التضخم في أسعار الإيجارات خلافاً للتضخم في أسعار الأغذية لا تزال ترتفع بقوة على أساس شهري. ونتيجة للتباطؤ في التعاطي مع مشكلة الاختلال الجوهري بين العرض والطلب على المساكن ستبقى الإيجارات المصدر الرئيسي للتضخم لسنوات عدة.
وهناك مصادر أخرى للتضخم تبدو مستعصية، حيث نلاحظ ارتفاع التضخم السنوي لبقية عناصر تكلفة المعيشة على مدى 15 من الأشهر الـ 16 الأخيرة (الملابس والأحذية والأثاث المنزلي والرعاية الطبية والنقل والاتصالات) بعد استبعاد فئات الغذاء والإيجار والنفقات والخدمات الأخرى. لكن وعلى الرغم من ذلك تعتبر الملامح المستقبلية للتضخم على المدى القصير مشجعة نسبة لتراجع حدة جميع العوامل الخارجية التي ساعدت على رفع الأسعار طيلة السنوات القليلة الماضية، لكن تظل المصادر المحلية للتضخم ماثلة وقد تتفاقم في حالة أدى انتعاش الاقتصاد العالمي في نهاية المطاف إلى ارتفاع في أسعار السلع وانخفاض في قيمة الريال.
وأقدمت مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما" في كانون الثاني (يناير) على خفض سعر إعادة الشراء (السعر الذي تتقاضاه مقابل إقراضها البنوك التجارية) من 2.5 في المائة إلى 2 في المائة وكذلك خفض سعر إعادة الشراء العكسي (السعر الذي تدفعه مقابل إيداعات البنوك لديها) من 1.5 في المائة إلى 0.75 في المائة، مما دفع بسعر إعادة الشراء إلى أدنى مستوى له منذ عام 2004 ودفع بسعر إعادة الشراء العكسي إلى أدنى مستوى له على الإطلاق. وخلافاً لمعظم عمليات خفض أسعار الفائدة التي أجرتها السعودية جاء الخفض هذه المرة بمعزل عن الولايات المتحدة التي أصبحت أسعار الفائدة فيها لا تعدو في الواقع صفراً (عادة تضطر ساما إلى اقتفاء أثر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تعديلاتها على أسعار الفائدة نتيجة لارتباط الريال بالدولار). وجاءت خطوة ساما كجزء من سلسلة من التدابير ترمي إلى تحفيز عمليات الاقتراض من قبل البنوك وقد أدت بالفعل إلى انخفاض أسعار الاقتراض بين البنوك.
#4#
توفير الأموال للبنوك
كذلك اعتمدت الحكومة وسيلة أخرى في سبيل توفير مزيد من الأموال للبنوك لعمليات الإقراض وذلك من خلال تخفيف متطلبات الاحتياطي النظامي المفروض على البنوك التجارية وهي متطلبات تلزم البنوك بإيداع نسبة معينة من موجوداتها لدى ساما. وكانت ساما قد لجأت إلى خفض الاحتياطي النظامي للحسابات الجارية خلال شهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) بإجمالي 6 نقاط أساس ليرتفع إلى 7 في المائة، مما أدى إلى قفز احتياطيات البنوك لدى ساما الفائضة عن الاحتياطي القانوني (والتي تعتبر بالتالي متاحة للإقراض) من 0.9 مليار ريال في أكتوبر إلى 41.1 مليار ريال كما تظهر البيانات عن كانون الأول (ديسمبر). إضافة لذلك، ارتفعت إيداعات الأجهزة الحكومية المستقلة (مثل صندوق معاشات التعاقد الحكومي) في القطاع المصرفي بواقع 15.4 مليار ريال في كانون الأول (ديسمبر).
وحتى الآن تعتبر الجهود الرسمية الرامية إلى تشجيع البنوك على عملية الإقراض ذات جدوى. ورغم أن بعض البنوك لا تزال تتجنب المخاطر العالية هناك بنوك أخرى في المملكة تقدم في الوقت الحالي قروضاً وإن كانت فروقات أسعارها بصفة عامة أعلى بكثير من أسعار القروض فيما بين البنوك مقارنة بما كانت عليه في الماضي القريب. ورغم التحسن الذي طرأ على بيئة الإقراض إلا أن الضبابية السائدة وسط القطاع الخاص بشأن سلامة الاقتصاد وقوته أثرت في طلبات القروض، حيث تراجعت قروض البنوك إلى القطاع الخاص بنسبة 1.1 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) في أول انخفاض شهري لها منذ كانون الثاني (يناير) 2007.
ويمكن الاستدلال على مدى تأثير الظروف المالية والاقتصادية القاسية في الشركات المحلية من البيانات الخاصة بخطابات الاعتماد (تفتح الشركات خطابات اعتماد لدى البنوك لتمويل وارداتها) حيث سجلت القيمة الإجمالية لخطابات الاعتماد المفتوحة أدنى مستوى لها خلال 24 شهراً في كانون الأول (ديسمبر)، كما هبطت قيمة خطابات الاعتماد المخصصة لاستيراد مواد البناء والمعدات إلى أدنى مستوى لها منذ ثلاث سنوات. وقد انخفضت خطابات الاعتماد المفتوحة لاستيراد السيارات التي تعد أكبر فئة منفردة إلى أدنى مستوى لها فيما يربو على العام كما تعرضت بعض وكالات السيارات إلى تراجع المبيعات. وتشير بيانات عمليات نقاط البيع إلى تراجع شامل في مبيعات التجزئة.
#5#
خفض إنتاج النفط قد يكبح إمدادات الغاز
بلغت عمليات الخفض في إنتاج النفط الرامية إلى تحفيز أسعاره مستوى اقتربت معه إمدادات الغاز (الذي ينتج معظمه كمنتج ثانوي للنفط) من التراجع إلى مستوى يقل عن حجم الطلب عليه. ومع أن هذا الوضع يمكن التحكم فيه على المدى القريب إلا أنه يسلط الضوء على قضية إمدادات الغاز التي تواجهها المملكة على المدى البعيد.
وسعياً وراء تعزيز أسعار النفط، قررت منظمة "أوبك" في كانون الأول (ديسمبر) خفض الإنتاج بواقع 4.2 مليون برميل في اليوم عن مستوى الإنتاج في أيلول (سبتمبر) وهو ما يقتضي خفض السعودية إنتاجها إلى 8.05 مليون برميل في اليوم، وقد نجحت في تحقيق هذا المستوى المستهدف في كانون الثاني (يناير). وبما أن أسعار النفط لم تسجل حتى الآن أي انتعاش يذكر، فإن المملكة تخطط لخفض إنتاجها بواقع 300.000 برميل في اليوم ابتداء من شباط (فبراير) وتشير الدلائل إلى المحافظة على الإنتاج عند ذلك المستوى في آذار (مارس).
ويتم إنتاج 60 في المائة من إنتاج المملكة من الغاز الطبيعي كغاز مصاحب (منتج ثانوي يصاحب عملية إنتاج النفط) مما يعني أن تخفيض إنتاج النفط سيؤدي بالضرورة إلى تقليل الكميات المتاحة من الغاز الذي يعتبر مادة خاما أساسية لصناعة البتروكيمائيات ومشاريع الكهرباء والمياه. وتشير بعض التقديرات إلى أن خفض إنتاج المملكة من النفط إلى ما دون مستوى 8 ملايين برميل يومياً يعني عدم استطاعتها إنتاج كميات كافية من الغاز تغطي حاجتها.
لكن لن يمثل إجراء خفض مؤقت في الإنتاج عن مستوى كانون الثاني (يناير) مشكلة كبيرة في تقديرنا، حيث يمكن تشغيل منشآت الكهرباء باستخدام مواد خام بديلة مثل زيت الوقود، كما يمكن استخدام السوائل كمواد خام لصناعة البتروكيمائيات وإن كانت التكلفة أعلى من الغاز في كلا الحالتين. إن الاعتماد على الغاز سيحد من فرصة إجراء خفض كبير ومتواصل في إنتاج النفط إلى أقل من 8 ملايين برميل يومياً وبالأخذ في الحسبان أن بعض دول "أوبك" الأخرى تعتمد بشدة على الغاز المصاحب لإنتاج النفط تصبح فرص إجراء خفض إضافي في إنتاج النفط محدودة.
ومن أجل الاستعداد لاستخدام السوائل بصورة متزايدة ومن أجل استغلال فرصة انخفاض الأسعار العالمية لجأت "أرامكو السعودية" لاتخاذ خطوة غير معهودة لتأمين واردات من زيت الوقود بموجب عقد طويل الأجل، حيث وافقت في مطلع شباط (فبراير) على شراء 3 ملايين برميل من زيت الوقود من شركة إيتوشو اليابانية، إضافة إلى 7.4 مليون برميل أخرى من شركة رليانس للصناعات الهندية خلال عام 2009.
وعلى الرغم من أن المملكة لن تتأثر كثيراً بالنقص المؤقت في كمية الغاز المتوافرة إلا أن ذلك الأمر يسلط الضوء على مسألة إمدادات الغاز على المدى البعيد. إن الطلب على الغاز ينمو بسرعة وقد حالت القيود المفروضة على الإمداد دون تخصيص أي حصة جديدة من لقيم الأيثين إلى أي مشروع مشترك للبتروكيمائيات منذ عام 2006. وقد أنشئ عديد من مشاريع الصناعات الثقيلة والمجمعات الاقتصادية المزمع تنفيذها في المملكة على افتراض توافر الغاز الرخيص، عليه فإذا اضطرت هذه المشاريع لاستخدام أنواع أخرى من اللقيم أعلى تكلفة فإن ذلك يضعف قدرة المنتجات النهائية على المنافسة.
من المتوقع دخول بعض حقول إنتاج الغاز غير المصاحب قريباً مرحلة الإنتاج حيث ينتظر أن يبدأ الإنتاج من توسعة حقل كاران البحري وهو أكبر المشاريع وتبلغ طاقته الإنتاجية 1.5 مليار قدم مكعب في اليوم في عام 2012. كذلك يتوقع أن توفر حقول النفط الجديدة المنتظر أن يبدأ إنتاجها خلال السنوات القليلة المقبلة مصادر جديدة للغاز الذي ينتج كمنتج ثانوي مع النفط. وحتى الآن لم تتمكن التحالفات الأربع التي تواصل التنقيب عن الغاز غير المصاحب في صحراء الربع الخالي التي يعتقد باحتوائها على الاحتياطيات الضخمة التي تحتاجها المملكة من تحقيق اكتشافات تعتبر ذات جدوى تجارية.
استقرت أسعار النفط عند 40 دولاراً للبرميل بعد الانخفاض الحاد الذي شهدته خلال النصف الثاني من عام 2008. ويبدو أن هذا الاستقرار الذي ساد الشهر الماضي تحقق بفضل نجاح قرار "أوبك" الذي اتخذته في كانون الأول (ديسمبر) والقاضي بخفض الإنتاج بواقع 4.2 مليون برميل في اليوم عن مستوى أيلول (سبتمبر) في التخفيف من آثار الأخبار التي تؤكد حدوث مزيد من التدهور في الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من تباين مستوى التزام أعضاء "أوبك" بتخفيض الحصص (حيث لم يتحقق في كانون الثاني (يناير) إلا ثلثا الخفض فقط) إلا أنه كان كافياً لخلق الاستقرار في أسعار النفط. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أن الطلب عموماً ينخفض في الفصل الثاني مع تحسن الطقس في النصف الشمالي من الكرة الأرضية ولكن مقابل ذلك هناك تخمينات بإجراء مزيد من الخفض في الإنتاج.
خفضت وكالة الطاقة الدولية بدرجة كبيرة من توقعاتها بشأن الطلب على النفط حيث تقدّر الآن أن الطلب العالمي على النفط انخفض بواقع 300.000 برميل في اليوم العام الماضي بينما كانت توقعاتها في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي تقدر نمو الطلب بنحو 400.000 برميل في اليوم. وجاء الفرق بين التقديرات السابقة والحالية أكبر بالنسبة لعام 2009 حيث تقدر التوقعات الحالية تراجع الطلب بواقع 980.000 برميل يومياً بينما كانت توقعات تشرين الأول (أكتوبر) تشير إلى نمو بواقع 690.000 برميل يومياً. ومن المتوقع أن يطول تباطؤ نمو الطلب على النفط جميع أنحاء العالم حيث يقدّر ألا يتعدى ارتفاع حجم الطلب في الصين التي شكلت في السنوات الأخيرة المصدر الرئيسي لنمو الطلب مستوى 50.000 برميل في اليوم. وفي حال تحقق هذه التوقعات سيكون عاما 2008 و2009 أول عامين متتاليين يشهدان تراجعاً في نمو الطلب منذ أوائل الثمانينيات من القرن الماضي.
تشير آخر البيانات إلى أن السعودية تطبق حالياً خطة خفض إنتاج النفط التي اتفق عليها أعضاء "أوبك" في كانون الأول (ديسمبر) حيث تشير تقديرات مجلة "ميدل إيست إيكونوميك سيرفي" إلى أن إنتاج المملكة من النفط خلال كانون الأول (ديسمبر) جاء متوافقاً مع حجم الإنتاج المستهدف وقد بلغ نحو 8.05 مليون برميل يومياً وهو إنتاج يقل بنسبة 17 في المائة عن أعلى مستوى تم تسجيله في تموز (يوليو) من العام الماضي. ولقد كان لخفض حجم إنتاج النفط مقروناً بالتدني الكبير في أسعاره تأثير كبير في إيراداته حيث نقدر في شركة جدوى إيرادات النفط السعودي للشهر الماضي بنحو 9.8 مليار دولار أي أعلى بقليل من إيرادات كانون الأول (ديسمبر) ولكنها تقل كثيراً عن متوسط الإيرادات للفترة بين أيار (مايو) وآب (أغسطس) من العام الماضي الذي فاق 30 مليار دولار شهرياً (جاءت أعلى إيرادات في شهر تموز (يوليو) وبلغت 38 مليار دولار). وكانت آخر مرة تتراجع فيها الإيرادات النفطية عن مستوى 10 مليارات دولار على مدى شهرين متتاليين خلال النصف الأول من عام 2004.
انفراط العلاقة بين النفط والدولار
انفرطت العلاقة الوثيقة بين قيمة الدولار وأسعار النفط التي تواصلت على مدى فترة الـ 18 شهراً المنتهية في تشرين الثاني (نوفمبر)، كما يشير إلى ذلك الرسم البياني المرفق، حيث كان المستثمرون يشترون النفط وهو سلعة تسعر بالدولار كتحوط مقابل ضعف الدولار والعكس بالعكس، وقد جاءت نهاية هذه العلاقة نتيجة تغير الحالة النفسية للمستثمرين. وفي الحقيقة ليس هناك سبب منطقي وراء ارتباط قيمة الدولار وسعر النفط حيث لا توجد علاقة وثيقة بين مجموعة العوامل المحركة لكل منهما ذلك أن قوة الدولار الحالية جاءت بسبب عودة الأموال التي كانت يستثمرها المستثمرون الأمريكيون في الخارج والإحساس بأن الدولار يمثل ملاذاً آمناً نسبياً أما أسعار النفط فتتحرك تبعاً للتوقعات حول الاقتصاد العالمي.





