الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

في خضم الأزمة المالية التي يشهدها العالم، وفي ظل عجز السياسات النقدية عن تحفيز الاقتصادات الراكدة، برز إلى السطح الدور الذي يمكن أن تلعبه السياسات المالية من خلال زيادة الإنفاق الحكومي في تحفيز النمو الاقتصادي. وهذا ما دعا المملكة في قمة الـ 20 إلى الالتزام بإنفاق حكومي لا يقل عن 400 مليار ريال للمحافظة على مستويات النمو الاقتصادي. وبالطبع سمعنا عن برامج التحفيز الحكومي في دول كالولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان لمحاولة تحفيز الاقتصاد العالمي، الذي يشهد الأزمة الاقتصادية الأعنف بعد الكساد الكبير عام 1929.

وسياسة المحافظة على مستويات مرتفعة من الإنفاق الحكومي سيترتب عليها بالطبع عجوزات في موازنات الدول سيتم تمويلها سواءً من الدين العام أو من الفوائض المتوافرة لدى الحكومات. والهدف الرئيس لذلك كما أشرت في مقال الأسبوع الماضي، تحفيز الطلب العام بخلق فرص عمل وأنشطة اقتصادية جديدة، ما سيسهم في تحفيز النمو الاقتصادي من خلال ما يعرف في الاقتصاد بمضاعف الإنفاق الحكومي. لذلك فإن فاعلية هذه السياسة تقاس بمدى قدرتها على خلق طلب عام إضافي أو على الأقل المحافظة على المستوى السابق من الطلب العام، بما يسهم في المحافظة على مستويات التوظف والنمو الحالية.

لكن السياسات الفردية التي قد تتبعها شركات أو مؤسسات الخدمات العامة كالكهرباء والماء، أو مصنعو المواد الأساسية كالوقود أو مواد البناء، قد تؤدي إلى تقويض للسياسة المالية التي تتبناها السلطة الاقتصادية من خلال رفع أسعار تلك الخدمات، ما سيكون له تأثير مباشر على الطلب العام للأفراد جراء تراجع الدخل المتاح للإنفاق. لذلك لا نستغرب أن نسمع هذه الأيام كثيرا من التصريحات لمسؤولين في قطاعات الخدمات العامة أو تلميحات لرفع محتمل لأسعار الخدمات العامة للمياه أو الكهرباء.

فقد طالعتنا الشركة السعودية الموحدة للكهرباء بإعلان يتضمن أن 36 في المائة من المشتركين في القطاع السكني تقل فواتيرهم عن 50 ريالاً، وأن أكثر من 70 في المائة تقل فواتير الكهرباء لديهم عن 200 ريال. ثم تمت الإشارة إلى أن الشركة تقدم الخدمة بسعر يقل عن التكلفة الفعلية، ما يكبدها خسائر كبيرة، مما يفهم أنه تلميح لاحتمال زيادة التعرفة الكهربائية لتغطية تلك الخسائر. هذا الأمر يدعوني إلى التساؤل عن مدى مصداقية النسب المئوية التي قدمتها الشركة، فهل يعقل أن يكون 36 في المائة من الفواتير السكنية تقل قيمتها عن 50 ريالاً؟

ونظراً للدور الكبير لهذا الإعلان في حشد التأييد الإعلامي والرسمي لعملية رفع أسعار الكهرباء، فإنني أطالب الشركة بتوضيح منهجية احتساب تلك النسب، فقد تكون الشركة، ورغبة منها في حشد أكبر تأييد لها فيما تصبو إليه، اختارت أقل فترات السنة استهلاكا للكهرباء، ومن ثم تم تقدير تلك النسب بناءً على تلك الفترة، ما سيظهر تلك البيانات بشكل أفضل (بالنسبة للشركة) مما لو كان احتسابها كمتوسط الاستهلاك للعام. ثانياً، لم توضح الشركة تعريفها للقطاع السكني الذي قامت ببناء حساباتها على أساسه، كما لم تظهر البيانات المتعلقة بالقطاع التجاري بهدف المقارنة.

وقبل هذا الإعلان بقرابة الأسبوعين، طالعنا وزير المياه والكهرباء بتصريح يتعلق بتطبيق تعرفة جديدة للمياه تتضمن زيادة كبيرة هدفها ترشيد استهلاك المياه. وبالطبع فإنني أتفق معه في أن أي عمل يهدف إلى ترشيد استهلاك المياه فهو عمل مقبول. لكنني أرى أن ترشيد الاستهلاك من قبل مصالح المياه نفسها المسؤولة عن عملية توزيع المياه، يأتي من باب أولى. فهل يطلعنا معاليه والمسؤولون في الوزارة عن مقدار الهدر الناتج عن التسربات في شبكات توزيع المياه ويقارنه بمقدار الوفر الذي سينتج عن زيادة تعرفة الاستهلاك الجديدة، فقد يستدعي ذلك أولوية أن تعمل الوزارة على الحد من هذا الهدر في التوزيع قبل البدء في الحد من الهدر في الاستهلاك.

لن أستغرب أيضاً أن يتم الحديث عن زيادة رسوم خدمات أخرى أو رفع تسعيرة البنزين تزامناً مع التراجع الذي تشهده أسعار النفط، وكل هذه الخدمات تمس بشكل مباشر المواطنين من فئات الدخل المتوسط وما دون المتوسط، ما سيزاحم بشكل كبير الإنفاق المتاح لهم. في حين لا يتم الحديث أبداً عن أي شيء يتعلق بفرض رسوم أو جباية الزكاة على أصحاب الأملاك العقارية، وخصوصاً الأراضي غير المستغلة، ما يؤدي إلى تعميق هوة الفجوة بين فئات الدخل المتوسط والمرتفع.

فإذا ما تم فعلاً رفع تلك الرسوم على المواطنين، فإن ذلك يعني أن جزءاً كبيراً من العجز المتوقع في الميزانية سيمول عن طريق فئات الدخل المتدنية لا عن طريق الفوائض المالية، بينما ينعم أصحاب الأعمال باستمرار أنشطتهم، لأن جزءاً كبيراً من الإنفاق الحكومي الذي يمثل النسبة الكبرى من الناتج المحلي الإجمالي، سيذهب لتسديد قيمة عقودهم مع الدولة. وهذا الأمر سيؤدي بالتأكيد إلى تقويض الاستهلاك الخاص للأفراد، ومن ثم التأثير السلبي على الطلب العام، ما سيضعف من تأثير السياسة المالية الهادفة إلى المحافظة على مستوى الطلب العام.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية