الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

دعا الأمير سلطان بن سلمان رئيس مجلس المسؤولية الاجتماعية في منطقة الرياض، إلى إضفاء النظامية والاستدامة على مفهوم المسؤولية الاجتماعية من قبل الجهات المعنية، وتجاوز العقبات التي قد تحول دون تفعيل هذا المفهوم، وفي مقدمة ذلك إقرار الاستراتيجيات والشكل التنظيمي المخطط في أداء المسؤولية الاجتماعية، وآليات العمل المرتبطة بها، إضافة إلى توفير الدراسات عن الاحتياجات الفعلية من مشاريع وبرامج التنمية المستدامة وتجهيز القطاع المتلقي للاستفادة من الإمكانات التي توفرها تلك البرامج.

وقال في الكلمة الافتتاحية لملتقى الشراكة والمسؤولية الاجتماعية بين القطاع العام والقطاع الخاص التي ألقاها نيابة عنه الدكتور عبد الله المقيرن نائب رئيس المجلس: "إن طموحاتنا وتطلعاتنا يجب أن تتوازى مع مكانة وموقع بلادنا مملكة الإنسانية التي تخطو بثبات وثقة رغم كل التحديات لتتقدم الصفوف إنسانيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا"، مشيرا إلى أنه لا بد من بناء جسور للتواصل والتنسيق بين المنشآت والجهات ذات الصلة، وإعطاء الأولوية لبرامج تأهيل الكوادر المتخصصة التي تقوم على تنفيذ مشروعات المسؤولية الاجتماعية.

وأكد رئيس مجلس المسؤولية الاجتماعية في منطقة الرياض، وجود عدة مؤشرات تدل سير التجربة الوطنية في مجال تفعيل المسؤولية الاجتماعية نحو تحقيق نقلة نوعية، وفي مقدمتها مبادرة الغرفة التجارية الصناعية في الرياض بتأسيس مجلس المسؤولية الاجتماعية الذي يترأسه فخريا الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض، ويضم نخبة من المسؤولين ورجال الأعمال أصحاب الخبرات المتميزة.

وأضاف: "انطلق المجلس في أعماله منذ عدة شهور لتوفير المساندة لبرامج المنشآت من مشتركي الغرفة، وتحفيز التجارب المتميزة وتعميمها، وتبني برامج تثقيفية وتوعوية لترسيخ مفهوم المسؤولية الاجتماعية، واقتراح برامج ابتكارية لخدمة المجتمع، وتقديم خدمات استشارية للمؤسسات في مجال المسؤولية الاجتماعية، كما أن من بين المؤشرات تنظيم الملتقى الذي حظي برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حيث تعد هذه الرعاية تكريما للقطاع الخاص في المملكة، ما يؤكد على ثقة الدولة بأداء دور هذا القطاع الحيوي، وتعزيز قيمة الشراكة في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.

ونوه الأمير سلطان إلى أن هناك من يتصور أن ثقافة المسؤولية الاجتماعية أحد توابع العولمة أو ثقافة طارئة أو حديثة على مجتمعنا وبلادنا، ولكننا نعرف أن الموروث القيمي والثقافي للمملكة يحمل بين ثوابته شواهد عديدة على تجذر تلك الثقافة انطلاقا من مرتكزات إسلامية وإنسانية ووطنية. موضحا أن هذه الثقافة شهدت تطورا من مجرد مبادرات فردية في مجال العمل الخيري والتطوعي إلى مشاريع متكاملة تلاقت فيها رؤى ومساهمات قطاع عريض من المواطنين الخيرين، إلى جانب عديد من الشركات والمؤسسات، حيث تنامي خلال العقود الأخيرة دور مؤسسات القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية في ظل ما وفرته الدولة من دعم واستقرار لهذه المؤسسات لتنمو وتزدهر، وقال: "أستطيع أن أؤكد من خلال تجربة شخصية تواصلت على مدى 20 عاما شرفت فيها بالاقتراب من العمل الخيري وشاركت في انطلاقة العمل المؤسسي، أن القطاع الخاص السعودي توصل إلى ذلك المفهوم العلمي والعملي للمسؤولية الاجتماعية مبكرا، وبشكل يكاد يطابق مع النظريات الحديثة في هذا الجانب"، مضيفا بأنه لدينا العديد من النماذج المتميزة التي تجسد ذلك المفهوم، حيث تمكنت تلك النماذج من تغيير الصورة الذهنية عن أنها مجرد منشآت اقتصادية يتحدد نجاحها بمقدار أرباحها ووضعها المالي إلى مؤسسات تأخذ دورها كشريك في المجتمع.

من جهته اعتبر البروفيسور حبيب الله تركستاني أستاذ كرسي المسؤولية الاجتماعية في جامعة الملك عبد العزيز، أن التطور التاريخي الحديث في مفهوم المسؤولية الاجتماعية يعد امتدادا للبعد الحضاري والثقافي في المجتمع العربي والإسلامي، مشيرا إلى أن الشريعة الإسلامية أسهمت في هذا المجال من خلال وضع ضوابط إيمانية وأخلاقية وسلوكية لرجل الأعمال المسلم بجانب الضوابط القانونية، التي نبعت من عقيدته وخلقه بصفة عامة.

وأوصى التركستاني خلال ورقة العمل التي قدمها في الجلسة الأولى للملتقى بعنوان "المعايير الاجتماعية للمسؤولية الاجتماعية"، بضرورة الاهتمام بنشاط المسؤولية الاجتماعية خاصة في المرحلة الحالية، حيث بدأت المملكة بالتركيز على القطاع الخاص في تحقيق البرامج الاقتصادية. كما أوصى البروفيسور مجالس إدارات الشركات بوضع المسؤولية الاجتماعية في المقدمة عند اتخاذها القرارات الإدارية، بحيث تسهم في الأعمال الأخرى التي تحقق المنفعة لجميع أفراد المجتمع على مختلف مستوياته ومقدراته المالية والثقافية، إضافة إلى زيادة الاهتمام من قبل الشركات الخاصة في المواضيع مثل البطالة وعدم توفر فرص العمل لدى قطاع كبير من الشباب المتخرجين من الجامعات، وتقديم برامج التدريب المناسبة ليتسنى صقل مواهب الشباب بعد توظيفهم.

كما أوصى البروفيسور التركستاني بالاهتمام بزيادة الوعي لدى الإدارات المختلفة في القطاع الخاص بأهمية نشاط المسؤولية الاجتماعية ومدى انعكاساتها على مركز المنشأة من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، إضافة إلى إنشاء هيئة مختصة تعنى بموضوع تنفيذ خطط وبرامج نشاط المسؤولية الاجتماعية، إضافة إلى التنسيق بين الشركات التي تمارس نشاط المسؤولية الاجتماعية، مشيدا بتطبيق القطاع الخاص للمسؤولية الاجتماعية في مؤسساته، قائلا:" ما لمسناه من وعي وانتماء وتفاعل من مؤسساتنا وشركاتنا من القطاع الخاص الذين استطاعوا أن يكونوا شركاء في عملية التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية من خلال تحمل جزء كبير من المسؤولية الاجتماعية".

من جانبه أكد المهندس إبراهيم الخليف مدير عام الإدارة العامة للتحقق من المطابقة في الهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس، ورئيس اللجنة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية، أن المسؤولية الاجتماعية أصبحت أحد العوامل الجوهرية التي تؤثر في أداء المنشآت.

وأضاف خلال ورقة العمل تحت عنوان "الدولية للمسؤولية الاجتماعية (ISO 26000 ) لدعم جهود المنشآت في خدمة المجتمع" التي قدمها في الجلسة الأولى لملتقى الشراكة والمسؤولية الاجتماعية بين القطاع العام والخاص، أن العلاقة بين البيئة الاجتماعية التي تعمل فيها المنشأة وتأثيرها في البيئة الطبيعية أصبح جزءا مهما في قياس أداء هذه المنشأة ككل، وقدرتها على الاستمرار في العمل بشكل مؤثر، ما يعكس ذلك بشكل خاص أهمية الاعتراف بالحاجة الملحة والمتزايدة للعمل على ضمان وجود أنظمة اقتصادية بيئية وصحية ومساواة مجتمعية وحوكمة مؤسسية.

ونوه المهندس الخليف إلى تزايد وعي المنشآت حول العالم والأطراف المعنية بأهمية السلوك المجتمعي المسؤول، مشيرا إلى أنه في ظل ظهور التفسيرات المتنوعة الخاصة بالمسؤولية الاجتماعية، تتواجد المواصفة القياسية المتفق عليها عالميا للمساعدة في تحقيق منظور ومفهوم عام لمبادئها المسؤولية الاجتماعية وممارساتها، حيث إن هدف المسؤولية الاجتماعية هو الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة ورفاهية المجتمع.

وأبان الخليف أن تبني رؤية خاصة بأداء المسؤولية الاجتماعية للمنشأة يمكن أن يكون له تأثير معين في سمعة المنشأة العامة وقدرتها على جذب العمال أو الأعضاء أو كليهما، والمحافظة على معنويات الموظفين وعلى الإنتاجية، كما أنها قد تؤثر في رأي المستثمرين والمجتمع المالي، وقدرة المنشأة على جذب العملاء أو المستهلكين أو الأعضاء أو المستخدمين، إضافة إلى علاقة المنشأة بالحكومة والإعلام ومموليها، وبالمنشآت المناظرة والمستهلكين والمجتمع الذي تعمل فيه المنشأة.

ولفت المهندس الخليف إلى أن الهيئة تقوم بتشجيع كل منشأة لتصبح ذات مسؤولية مجتمعية أكبر عن طريق استخدام هذه المواصفات القياسية والترابط مع الأطراف المعنية والامتثال للقوانين الوطنية المطبقة، وكذلك عن طريق احترام مباد? المعاهدات المعترف بها دوليا وغيرها من المواثيق الدولية الرسمية.

في حين أكد البروفيسور سليمان العقيل أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة الملك سعود، أن الأمن والاستقرار والحرية عناصر ضرورية للحياة خاصة بالنسبة للأفراد والجماعات والمجتمعات، وأنه دون هذه الضروريات لا تتحقق الحياة الإنسانية المطلوبة، حيث إنها تحرك الطاقات الإبداعية الكامنة في الإنسان لتفتح وتقوم بالعمل العقلي والعضلي الذي يعمر الأرض ويعبد الله، وبذلك يتحقق الهدف من وجود الإنسان على الأرض، وينعم الإنسان بالحياة السعيدة، كما يتم من خلال ذلك تكوين المجتمع السليم وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي يؤدي إلى استمرار الأنماط الاجتماعية والثقافية في المجتمع دون تغيير مفاجئ أو جذري في جانب من جوانبه لهذه الأنماط.

واستعرض البروفيسور هذه الحقائق خلال دراسة أعدها وقدمها، قبل أن يدعو في نهاية استعراضه إلى استرجاع القيم والمبادئ التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي الأول، مؤكدا أن ذلك هو السبيل الأفضل لمجتمع مثالي واع ومتقدم.

وأبانت الدراسة بشكل رئيسي أن المسؤولية الاجتماعية ما هي إلا تنظيم اجتماعي حث عليه الإسلام بين فترتي الدراسة، ويؤسس لبناء مجتمع مستقر ومتماسك تكتمل فيه جميع العناصر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها كلبنة أولى فيه.

كما أوضحت الدراسة أن مسؤولية العمل الاجتماعي والتطوعي في الإسلام تتوزع على كل أفراد المجتمع، حيث لكلٍ دوره الذي يتناسب مع مكانته وإمكاناته في الحياة، وبذلك تحصل حالة التلاحم التام والتماسك الوثيق بين فئات المجتمع لمواجهة الأخطار وحل المشكلات التي قد تحدث.

وأشار البروفيسور العقيل إلى أن المسؤولية الاجتماعية تجاه المجتمع هي عملية يمكن من خلالها توحيد جهود الأفراد والجماعات في المجتمع، ودعم ثقافة هذا المجتمع تجاه المسؤولية بأنواعها، وحتى تتحقق هذه المسؤولية الاجتماعية على أرض الواقع.

ويرى العقيل أنه لا بد من جملة من الشروط أولها ضرورة تنشئة المكونات الاجتماعية "فئات اجتماعية وطائفية وعرقية وغيرها" الموجودة في المجتمع صغيرة كانت أو كبيرة على الإحساس بالمسؤولية، وهذا من المنطلق الديني والاجتماعي والاستراتيجي.

وقال: "إنه إذا تحقق هذا الشرط ستتلاشى مظاهر التعارض التي يمكن أن تنشأ بين المكونات الاجتماعية والقيم الاجتماعية والثقافية في المجتمع أيضا".

ويرى البروفيسور العقيل في دراسته أن الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية تجاه المجتمع سبب في تحقيق التكامل المجتمعي باعتبار أن هذه المسؤولية تهدف إلى ربط الفرد والجماعة والمجتمع ببعضهم بعضا، كما أنها لا بد أن تمثل عملية شاملة ومتكاملة تمتزج فيها جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الدينية، مشيرا إلى استنتاجه بأن المسؤولية الاجتماعية نحو أمن واستقرار المجتمع لا تكون على مستوى واحد فقط، بل تشمل جميع قطاعات المجتمع من الأفراد والجماعة والمجتمع، فالأفراد لهم دور يوازي أعمالهم الفردية وطاقاتهم وجهودهم سواء كانت عضلية أو مالية أو فكرية أو غيرها ما يستطيع الفرد القيام به ويستشعر فيها مسؤوليته الاجتماعية المنوطة به، وفي المقابل تقوم الجماعات والتجمعات في المجتمع بما يمكن القيام به نحو المجتمع حفاظا على أمنه واستقراره واستمرارية وجوده من خلال التنشئة الاجتماعية والثقافية والتربوية والسياسية لأفرادها، حرصا على النظام العام في المجتمع، ودفعهم نحو العمل العام الاجتماعي والتطوعي الذي يدفع بالمجتمع نحو الأمن والاستقرار والعيش بسلام والإبداع والنظر للحياة بمسؤولية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية