يري المراقبون أن تحقيق تهدئة في قطاع غزة بين إسرائيل والمقاتلين الفلسطينيين مرهون بوضع نهاية للنشاط التجاري الذي يمارسه أصحاب الأنفاق على طول الحدود الجنوبية لغزة مع مصر. وبينما تطالب حركة المقاومة الإسلامية "حماس" - التي تسيطر على القطاع - بأن تنهي إسرائيل حصارها الاقتصادي للقطاع في إطار التوصل إلى تهدئة تطالب إسرائيل هي الأخرى بـ "ضمانات دولية" بشأن عدم تهريب المزيد من الأسلحة عبر شبكة الأنفاق الواسعة الممتدة أسفل مدينة رفح الواقعة على الحدود بين غزة ومصر. ومن بين الأفكار التي يناقشها الإسرائيليون والمصريون والأمريكيون تحقيق وجود أمريكي في الجانب المصري من الحدود ما يساعد المصريين على اكتشاف فتحات الأنفاق على الجانب الخاص بهم من الحدود. وسيتم تزويد العناصر الأمريكية بمعدات إلكترونية لاكتشاف الأنفاق وتفجيرها من خلال متفجرات يمكن التحكم بها. وأوضح مسؤولون أمنيون إسرائيليون بارزون أن الأمريكيين سيساعدون المصريين أيضا بصورة فعالة على وقف سلسلة عمليات التهريب التي تبدأ في السودان مرورا بمصر وصحراء سيناء لينتهي بها المطاف في غزة. ورغم ذلك سترغب "حماس" في تعويض الصواريخ التي أطلقتها على جنوب إسرائيل والتي يقرب عددها من 600 صاروخ منذ بدء الهجوم على غزة إلى جانب العدد غير المعلوم من الصواريخ التي لحق بها الدمار خلال عشرات الهجمات الجوية الإسرائيلية على المنازل والمكاتب. من ناحية أخرى, ترغب إسرائيل في ضمان عدم قدرة "حماس" على استيراد المزيد من صواريخ جراد الروسية الصنع والتي تقوم بتطويرها إيران أو المواد الخام اللازمة لتصنيع المزيد من صواريخ القسام الخاصة بها كالأنابيب والمواد المتفجرة. وفي الواقع أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يترأس حكومة مؤقتة في وقت سابق من الأسبوع الماضي أن الإنهاء "التام" لتهريب الأسلحة من سيناء إلى غزة شرط "أساسي" للتهدئة. وقال أولمرت "عندما بدأنا التهدئة قبل أكثر من نصف عام كان المدى الذي تصل إليه الصواريخ داخل إسرائيل هو 16 كيلومترا" في إشارة إلى التهدئة التي تم التوصل إليها بوساطة مصرية واستمرت ستة أشهر والتي انهارت في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي لكنها انتهت رسميا في 19 كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وأضاف"والآن يطلقون أي "حماس" الصواريخ لمسافة 40 كيلومترا فأكثر .. لقد حصلوا على تلك الوسائل أثناء التهدئة". وذكر أولمرت للصحافيين في القدس "لسنا مستعدين لتهدئة أخرى من هذا النوع.. لن نقبلها ولن نوافق عليها!" ملوحا بإصبعه في الهواء بحدة أثناء حديثه. وقصفت المقاتلات الإسرائيلية هذه الأنفاق بالفعل مرارا وتكرارا منذ اليوم الثاني من الهجوم على غزة. وبحلول اليوم الثالث عشر من الهجوم قال الجيش الإسرائيلي إنه تم تدمير 150 نفقا على الأقل. ولم يستطع سكان رفح تأكيد هذا العدد غير أنهم أكدوا تدمير "العشرات" من تلك الأنفاق. ورغم ذلك لا يزال العديد منها قائما حيث تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن عدد الأنفاق قبل الهجوم بلغ ما يراوح بين 200 و300 نفق بينما أفاد سكان رفح وحركة "حماس" بأن عددها كان قد وصل إلى ما يراوح بين 700 وألف نفق قبل الهجوم. وأوضح بعض سكان رفح لوكالة الأنباء الألمانية "أن بعض الأنفاق التي يتم عبرها ضخ وقود الديزل المصري ـ من خلال أنابيب تحت الأرض ـ لا تزال تعمل بيد أن كافة الأنفاق الأخرى لا تعمل حاليا. ويتطلب نقل البضائع عبر تلك الأنفاق إلى وجود أشخاص لجر ورفع سلاسل الحاويات البلاستيكية التي تحمل كافة المستلزمات من مشروبات المياه الغازية والعصائر إلى السجائر والحلوى والأجهزة الكهربائية مثل أجهزة التلفزيون والثلاجات. وأوضح سكان رفح أن هذا العمل ينطوي على مخاطر عالية للغاية في ظل الهجمات الجوية المتكررة التي لا يمكن التنبؤ بها. وتحظر "حماس" ـ التي تفرض ضرائب على السلع الأخرى ـ دخول المشروبات الكحولية والمخدرات. ولم تتم معرفة عدد الأنفاق التي تستخدم في تهريب المخدرات والأسلحة وكذلك عدد السليم منها. ويرفض أصحاب الأنفاق التحدث إلى الصحافيين حول تهريب الأسلحة ويبقونها طي الكتمان كأمر سري للغاية. وذكر أحد أصحاب الأنفاق ـ ويطلق على نفسه اسم أبو البراء ـ أنه وأشقاءه فقدوا ثلاثة أنفاق بلغت تكاليف حفرها 350 ألف دولار وهي ثروة في قطاع غزة التي يعيش فيها ما يقرب من 80 في المائة من سكانها تحت خط الفقر بدخل لا يتجاوز الدولارين يوميا للفرد الواحد. وأشار أبو البراء إلى الأنفاق ـ التي نقل من خلالها الأغنام والأبقار إلى قطاع غزة الذي يعد الكثير من مواطنيه تلك الأنفاق بمثابة شريان حياة لهم وسط الحصار الإسرائيلي المشدد ـ بكلمة "الخطوط". وقال "لكننا لا نكترث إلى المال والخسائر .. كل ما يهمنا هو أمننا والخروج من هذه الحرب أحياء".

