الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

إذا كان بيرني مادوف قد خسر 50 مليار دولار (35 مليار يورو، أو 32 مليار جنيه استرليني) من أموال الآخرين، كما قيل إنه اعترف به، فلماذا وثقوا به وسلّموه أموالهم؟

بالاستفادة من معلومات ماضية، فإن الأمر كله غير منطقي. ونحن نعلم أنه ما من أحد يستطيع توليد عوائد ثابتة بنسبة 15 في المائة، أو أكثر، على مدار الأعوام، دون أن يكون عبقرياً، أو نصّاباً.

غير أن الناس اصطفوا في صفوف، وأوكلوا مدخراتهم إلى مادوف . وأخذ كثير منهم بنصيحة من صديق، أو مستشار ، حول وجود متداول ذي سجل مذهل في وول ستريت. وتضمنت شبكة تداول مادوف كذلك الكثير من صناديق إدارة الأموال، والبنوك الخاصة التي لا تمتلك درجة عالية من التطور المصرفي.

لماذا سقطوا في ذلك؟

إنها قصة قديمة، أي إغراء مطلع على بواطن الأمور في وول ستريت . ولم يكن أحد يعتقد أن مادوف كان يدير برنامجاً على طريقة بونزي، ولكن كثيراً من الناس كانوا يعتقدون أن لديه ميزة محاباة غير عادلة . وكان رئيساً سابقاً لبورصة نازداك، كما أنه واحد من أكبر صانعي الأسواق في وول ستريت. وقلنا إلى هنا ما يكفي.

كتب روبرت شو، أحد المستثمرين مع مادوف ، حيث خسرت عائلة زوجته 30 مليون دولار، مدونة على Time.com، قال فيها: "كنا نأمل جميعاً، ولكننا كنا نعرف في أعماقنا أن الأمر أفضل من أن يكون سليماً، وأعني لماذا لم ينخرط الجميع في هذه اللعبة إذا كانت على هذه الدرجة من القوة والثبات؟ وكان الأسلوب التي تم به وصف العملية لنا هو أن أهل نيويورك لديهم نظامهم".

ينجح أهل نيويورك دائماً حين تكون الأسواق في قمة اندفاعها، أي حين يبدو أن المطلعين على بواطن أمور وول ستريت هم في مواقع تؤهلهم لتحقيق أرباح أعلى من أي جهة أخرى. وإذا سنحت الفرصة، فمن هو ذا الذي لا يحاول الاستثمار إلى جانبهم؟.

جادل هنري بلودجت، المحلل السابق الذي اتهم بإصدار أبحاث زائفة، وذلك من جانب لجنة الأوراق المالية والبورصات عام 2003، وعمل على تسوية القضية بدفع أربعة ملايين دولار، في مدونة له على موقع ClusterstockK، بأن كثيراً من مخضرمي وول ستريت اعتقدوا أن مادوف كان ينوي فعل أمرٍ ما.

لم يكونوا يعرفون أنه يعيد تدوير أموال العملاء، بل شكّوا كما يقول بلودجت بأنه كان يستخدم معلومات داخلية من عمليته التسويقية الكبرى لكي يستطيع إدارة أموال عملائه. وكان يمكن لذلك أن يفسر استمرار وثبات عوائده المرتفعة.

حتى ولم تفكر وول ستريت بهذه الطريقة، فإن بعض عملاء مادوف من أصحاب الملايين، كانوا يفكرون بها.

أوضح مادوف نفسه هذه النقطة في نقاش العام الماضي في مركز فيلوسيتس في نيويورك . وأكد في بداية الأمر بوقاحة أن "من المستحيل حدوث مخالفة تداول داخلي دون أن تكشف، حيث من المؤكد أنها لا تدوم لفترة طويلة"، وذلك بسبب إجراءات الحماية من جانب جهات التشريع.

#2#

غير أنه أضاف أن ذلك كان "أمراً لا يفهمه الجمهور بالفعل. وإذا قرأت في إحدى الصحف، ورأيت أن أحداً يخالف قاعدة ما، فإنك تقول: "إنهم جميعاً يفعلون ذلك".

الحقيقة هي أنه إذا كنتم في ناد ريفي في بالم بيتش، أو على شاطئ بحيرة جنيـف ، فإن نصفكم يعتقدون أن هذا أمر مشين، بينما يمكن أن يتساءل نصفكم الآخر:" كيف لي أن أحصل على قطعة من ذلك؟"

جاءت حادثة مادوف متلائمة تماماً مع التقليد القديم والراسخ لدى مديري الصناديق في وول ستريت بإغراء الناس العاديين بوعود الاستثمارات الساخنة خلال طفرات الرواج.

فعل ذلك تشارلز ميتشيل في العشرينيات ببيع الأوراق المالية من خلال الذراع المصرفية لبنك ناشيونال سيتي، قبل أن يتعثر في انهيار عام 1929. وأدت تلك الفضيحة إلى الفصل بين البنوك، وبيوت الأوراق المالية في قانون جلاس- ستيجول لعام 1933.

كانت آخر مرة حدث في هذا على هذا النطاق في الستينيات. وكانت تك هي الفترة التي انتعشت فيها الصناديق المتبادلة المندفعة ، وأصبحت صناديق التحوط أدوات استثمار معروفة تماماً.

كتب جون بروكس في كتابه المعنون سنوات الحيوية Go – Go Years، حول جنون أسواق الأسهم الذي بلغ ذروته في انهيار عام 1970 "كانت صناديق التحوط عام 1966 هي آخر قلاع وول ستريت للتكتم، والسرية، والحصرية، والامتياز. وكانت هذه الصناديق هي السيارات الفارهة لهذا التوجه الذي يحقق أرباحاً طائلة دون مجهود كبير".

شهدت الستينيات كذلك بيرني آخراً كذلك: بيزني كورنفليد الذي كانت مجموعة صندوق التبادل الخاصة به، Investors Overseas Services، هي الأكبر في العالم، قبل أن تغوص في النهاية في برنامج على طريقة بونزي. وكانت إجابة بيرني لأولئك الذين كانوا يبحثون عن وظيفة هي "هل تريد بالفعل أن تصبح غنياً؟"

كان مادوف أشد حذقاً من كورنفليد، من حيث إنه كان يبيع لأولئك الذين هم أغنياء بالفعل (أو أغنياء بعض الشيء)، وكانوا يريدون شعوراً أعلى بالأمان، أكثر مما يسعون إلى تحقيق عوائد كبرى، ولكنها متقلبة. وكانوا يبحثون عن التميز الخاص بالاستثمار في صناديق التحوط، إلى جانب أمان عوائدهم السنوية.

لا تستطيع الحصول على ذلك في عالم الواقع، أو لا تستطيع الحصول عليه لفترة طويلة، ولكنهم كانوا موعودين بالسعادة المطلقة. وإننا نتعجب الآن من قابليتهم للخداع، ولكن أمرين جعلا مادوف مقبولاً منطقياً.

أما الأول، فهو أن هذا كان عصر تصديق، حيث اعتاد الناس على زيادات في قيم المنازل بخانتين عشريتين، وكان وول ستريت يعج بالكثيرين الذين تركوا البنوك الاستثمارية ليصبحوا مديري صناديق تحوط. وقدم مادوف نفسه على أساس أنه يعطي شيئاً معتدلاً ومطمئناً مقارنة بغيره. وكان يقول إنه لا يتطلع إلى القمر من حيث العوائد، ولكنه يعطي الناس رخاءً يبعث على الطمأنينة.

أما الأمر الثاني، فإنه كانت لديه شبكة من المستشارين الماليين الذين استثمر أموال كثير منهم، حيث أظهروا الاستثمار معه كامتياز خاص لهم. وكان ذلك نموذج وول ستريت لوصول المستثمرين المؤسسين للأسهم الخاصة، وصناديق التحوط.

وكان ظاهر الأمور يبدي أن صناديق إدارة الأموال، والبنوك الخاصة، ومستشاري الاستثمار، كانوا يقدمون، ببساطة، خدمات مادوف كشخص مخضرم ماهر في الأسواق المالية، ولديه قيم مدرسة التجارة القديمة التي لا تتقاضى الرسوم بالمعدلات التي تتقاضاها صناديق التحوط.

خلف ذلك، تحرى البعض حول الوعد غير المصرح به بأن بيرني يمكن أن يستخدم صِلاتَهُ في وول ستريت ليضمن حصول زبائنه على عوائد جيدة عبر تداولاته. ولم تكن حقيقة أن وول ستريت كان "يفعل ذلك على الدوام"، رادعة ، بل إنها كانت بمثابة التوصية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية