الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

ينفي الجاران النوويان الرغبة في الحرب، ولكن عدم قدرة إسلام آباد على تلبية المطالب المتعلقة بالميليشيات تعمل على اختبار الصبر في دلهي

بعد ثلاثة أسابيع من الهجمات الإرهابية على مومباي، أطلقت سفينة حربية في خليج البنغال صاروخاً تجريبياً تزيد سرعته على سرعة الصوت. وقد أطلقت عليه اسم براهموس، على اسم نهري براهمابوترا، وموسكو. وكان تسير فوق الأمواج بسرعة تبلغ نحو ثلاثة أضعاف صاروخ توماهوك الأمريكي.

كان من الممكن أن ينظر ببساطة إلى تطوير صاروخ ما قبل الليلة الدامية في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) على أساس أنه تقدم تقني آخر من جانب جيش يعمل على تحديث نفسه بوتائر سريعة في بلد يطور خبرة فضائية ، حيث أن نيودلهي أطلقت قبل شهر من ذلك صاروخاً اتخذ لنفسه مداراً حول القمر. ولكن بعد الهجوم المدمر على عاصمة الهند المالية من جانب ميليشيات اتهمت بالقدوم من باكستان، فإن إظهار القوة العسكرية كان كذلك جزءا من تصعيد خطير للتوتر بين الدولتين النوويتين المتنافستين في جنوب آسيا.

خاضت باكستان والهند ثلاثة حروب خلال الأعوام الـ 61 الماضية، كما أن هجوماً على البرلمان الهندي من قبل إحدى الميليشيات، عام 2001، جعل البلدين قريبين من خوض حرب رابعة. وقد يكون لهجمات مومباي الأثر نفسه. وإذا حدث هجوم إرهابي آخر على الهند، وهو ما تتوقعه وكالات الاستخبارات، فإن ذلك يمكن أن يجعل نشوب الحرب أمراً لا مفر منه.

وصف براناب موكيرجي، وزير خارجية الهند، الحالة على الحدود مع باكستان بأنها "هيستيريا حرب". كما اشتكت إسلام آباد من أن طائرتين حربيتين تابعتين للهند دخلتا المجال الجوي الباكستاني. وردت السلطات الباكستانية بطلعات مدوية للطيران الحربي فوق لاهور، وروالباندي، الأمر الذي أطلق تحذيرات لدى الجانبين على الأرض بأن الحرب أصبحت أمراً وشيكاً.

قال الجنرالات في باكستان إن بلادهم مستعدة للدفاع عن نفسها إذا هاجمت الهند معسكرات الميليشيات التي تعتقد أن مهاجمي مومباي انطلقوا منها. وتقوم باكستان بحشد آلاف من جنودها على الحدود مع الهند، بعد أن سحبتهم من حدودها مع أفغانستان.

هنالك في الهند كذلك مزاج صقوري هجومي بين مجموعة متنفذة من ضباط الجيش والدبلوماسيين المتقاعدين. وهم يقولون إن على باكستان أن "تدفع ثمناً" للهجمات، مع تخوف من مزيد من الهجمات إذا بدت الهند في موقف ضعيف. ويقوم بعض ضباط المخابرات إن تلك الهجمات هي جزء من خطة كبرى لبلقنة الهند، وإنشاء خلافة إسلامية ، أو حكم إسلامي، على أراضيها. وتعكس حالتهم وضع الجيش الذي يرغب في الرد العسكري نيابة عن شعب غاضب.

هذا هو الوضع بالنسبة إلى قرع طبول الحرب على جانب الحدود، حتى إن مانموهان سنغ، رئيس الوزراء الهندي، تدخل لتخفيف بعض التشدد قائلاً: "لا أحد يريد الحرب". وشرح فكرته قائلاً: "إن الأمر لا يدور حول الحرب، ولكنه يتعلق بالإرهاب الذي تدعمه وتشجعه باكستان". وأضاف أن الهند تريد من باكستان بذل جهود موضوعية لتفكيك البنى التحتية للإرهاب. ومن الجانب الباكستاني، فإن القادة، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان، الجنرال إشفاق برويز كاياناني، قالوا إنهم لا يريدون إشعال الصراع. وصرح رئيس الوزراء الباكستاني، يوسف رضا جيلاني، بأن باكستان لن تبدأ بمهاجمة الهند، ولكنها سترد "بصورة شاملة إذ فرضت الحرب عليها".

تتهم الهند جماعة عسكر طيبة، وهي مجموعة مقاتلين باكستانية تحارب ضد سيطرة الهند على كشمير، بهذه الهجمات المتطورة على بعض أهم معالم مومباي. وقدمت الحكومة الهندية لباكستان قائمة تضم 40 شخصاً تريد اعتقالهم، وترحيلهم إلى الهند لمواجهة المحاكمة.

ردت باكستان على ذلك بفرض الإقامة الجبرية على اثنين من قادة عسكر طيبة، وحظر المنظمة الخيرية الإسلامية، جماعة أود داوا، ذات الارتباط بجماعة عسكر طيبة. غير أن باكستان مصممة على ألاّ تتحرك بأوامر من الهند، حيث أصرت على التشكيك بانتماء المهاجمين إلى باكستان، وقالت إن الهند لم تقدم أي دليل على ذلك. ولم تخدم باكستان موقفها بأن أعلنت أن قادة ميليشيات بارزين بمن فيهم مسعود أزهر، مؤسس جيش محمد، والمطلوب الأول في قائمة المطلوبين، هم رهن الاعتقال، لتقول بعد أيام من ذلك إن أزهر ما زال طليقاً. في خضم هذا النزاع الدبلوماسي، امتدح زعماء العالم ضبط النفس من جانب الهند. غير أن هنالك مخاوف متزايدة إزاء قدرة ورغبة باكستان في ما يتعلق بضرب الميليشيات.

سارع قادة بارزون من أمثال رئيس وزراء المملكة المتحدة، جوردون براون، ووزيرة خارجية الولايات المتحدة، كوندوليزا رايس، إلى المنطقة لطمأنة نيودلهي ، وحث إسلام آباد على التصرف بحزم ضد الميليشيات التي تشكل خطراً على السلام العالمي. ولكن كما يقول أحد كبار الدبلوماسيين الغربيين في نيودلهي، حين سئل عما إذا كانت باكستان قامت بما يكفي لضبط نشاط الميليشيات "بكلمة واحدة: لا".

وهو يقول: "هذه الميليشيات أخطر على باكستان مما هي على الهند"، حيث إن باكستان تشهد تزايداً في أعداد المنتمين إلى الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل طالبان باكستان، إضافة إلى أن هنالك تطوراً ملحوظاً في عمليات تلك الجماعات. وعلى الرغم من أن كثيراً من الجماعات تقدم عدداً من المنافع الاجتماعية بأكثر مما تقدمه الحكومة الباكستانية، فإنها هي أكبر مصدر لعدم الاستقرار في البلاد.

ينشط عدد من أشكال الميليشيات في باكستان، بما في ذلك مجموعات مؤيدة للقاعدة ، وأخرى ضد الهند، وثالثة ضد الغرب ، ورابعة ضد الجهات العلمانية. وهي ذات انتماءات إما محلية، وإما إقليمية، وإما عالمية. وتعمل هذه الجماعات على استقطاب الأعضاء وتدريبهم. وتوسع هذه الميليشيات نطاق عملياتها خارج مناطقها، حيث تمارس أساليب عمل أشد عدوانية من أجل دعم أهدافها، كما تقول ماريا موسيتو من مجموعة يوراسيا الاستشارية المتخصصة بالمخاطر السياسية.

إدراكاً من إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لكون باكستان ظلت بعيدة بشكل خطير عن الاستجابة لما حدث من هجمات على مومباي، فقد بعثت بالأدميرال مايك مولن، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة ، لإجراء محادثات مباشرة مع قادة الجيش الباكستاني، هذا الجيش الذي حكم باكستان خلال معظم فترة استقلالها، والذي ينظر إليه، على نطاق واسع، بأنه المؤسسة الأقوى نفوذاً في البلاد، إذ يهيمن بالفعل على حكومة مدنية ضعيفة. والتقى الأدميرال مولن مع الجنرال إشفاق كيياني، قائد الجيش الباكستاني الذي تلقى تدريبه في الولايات المتحدة، إضافة إلى الجنرال أحمد شو جاباشا، المدير العام لوكالة الاستخبارات الباكستانية، وذلك في جهد مباشر لمطالبة قوات الأمن بضبط الميليشيات التي لها بعض الارتباطات بالمؤسسة العسكرية، ودعا إلى تقديم زعماء الميليشيات إلى المحاكم.

يمكن أن تكون هذه الاستراتيجية مفيدة في الأجل القصير، ولكن الحوار بين جيش وجيش يهدد بتهميش الحكومة المدنية في باكستان. ويقول طلعت مسعود، الجنرال المتقاعد، ومعلق الشؤون العسكرية: "إن العالم من خلال تعامله مع الجيش يقول إن الجيش الباكستاني هو الذي سوف يقرر مستقبل باكستان. ولابد في الوقت الراهن من توجيه ضغوط على باكستان، بحيث لا يصبح الصقور أقوى، ولا يصبح النظام السياسي الذي يبرز من سنوات هيمنة عسكرية، أضعف".

يبدي المحللون الهنود شكهم في نجاح هذه الاستراتيجية، حتى في الأجل القصير. ويقول براهما شيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات في دلهي، إن الجيش الباكستاني، والمتطرفين من أمثال طالبان، تجمعهم عداوة للهند. وهو يصفهم بأنهم في "تعاون مشبوه" مع بعضهم بعضا.

إن التوقعات بأن تتشدد باكستان مع الميليشيات، وأن تفرض حظراً على الجماعات الإرهابية، وأن تقطع عنهم التمويل، هي توقعات متفائلة. ويتم تشبيه صراع باكستان مع الميليشيات في بعض الأحيان مع محاولات إيطاليا المستمرة للنأي بنفسها عن المافيا. ولذلك فإن أي تقدم حقيقي يمكن أن يستغرق عقوداً من الزمن، ولكن الجيش يدرك بصورة متزايدة أنه لا يملك الوقت الكافي لذلك.

لا يتوقع الغرب أن تنتظر الهند إلى ما هو أبعد من أوائل العام الحالي لقياس مدى فعالية استجابة باكستان لهجمات مومباي. ولكن قليلين هم الذين يعرفون الكيفية التي يمكن أن تتصرف بها الهند. ويقول أحد الدبلوماسيين إن الهند اتبعت الخطة "A" بعد أسابيع من الهجمات، ولكن لا توجد هنالك خطة "B " إذا فشلت باكستان في الاستجابة للضغوط الدولية.

هنالك خيارات سياسية قليلة أمام الهند . وقد وضعت حداً عالياً بإصرارها على أن تسلمها باكستان أفراد الميليشات المطلوبين، على الرغم من أنه لا توجد بين البلدين اتفاقية لتسليم المطلوبين. كما أن من المتوقع أن تعمل باكستان، شأنها في ذلك شأن كثير من الدول، على إصدار تشريع لا يرقى إلى إدانة من يشتبه بأنهم من الميليشيات المقاتلة.

إن افتاب أحمد خان شرباو، الذي كان وزيراً للداخلية أيام الحكم العسكري للجنرال برويز مشرف، هو بين أولئك المعارضين لتسليم المشتبه بهم إلى الهند، حيث يقول: "إن تهديد الميليشيات يؤذي باكستان، ولكن علينا معالجة هذا الأمر من خلال آلياتنا". ولكن المسؤولين الباكستانيين يحذرون من مواطن ضعف النظام القانوني الباكستاني، حيث إن هنالك ندرة في المتشددين البارزين الذي جرت محاكمتهم.

يتساءل أحد مسؤولي الأمن في باكستان قائلاً "إن تسليم المطلوبين إلى الهند هو انتحار سياسي لأي حكومة باكستانية، كما أن هنالك مشكلات بخصوص محاكمة المشتبه بهم داخل باكستان. فهل يمكنك العثور على قاض يمكنه تحمل التهديدات المتوقعة من جانب مثل هذه الجماعات ليتمكن من إصدار حكم قاسٍ؟". ويضيف "أن الإقامة الجبرية هي أفضل وسيلة للتعامل مع مثل هؤلاء الأفراد. وما على الهنود، والأمريكيين، والبريطانيين، سوى الثقة بأسلوبنا فيما يتعلق بهذه القضية".

إذا لم ينجح فرض الإقامة الجبرية، فإن أمام الهند خيارين، أولهما أن بإمكانها تكثيف ضغوطها الدبلوماسية ، وتعطيل أي جهود باتجاه السلام، أو زيادة التجارة مع باكستان، من أجل تجسير الانفصال الذي حدث بين البلدين منذ عام 1947. وأما الآخر، فهو دراسة شن هجوم على معسكرات الميليشيات، وتنفيذ عمليات اغتيال لزعماء تلك الميليشيات عبر الحدود.

تعلم الحكومة الهندية إن الخيار الثاني يمكن أن يعمل ضد الأهداف المرجوة منه، حيث يمكنه أن يشجع الميليشيات ، بدلاً من أن يدمرها، كما أنه يمكن أن يمنح الجيش الباكستاني اليد العليا فوق حكومة الرئيس عاصف علي زرداري التي سبق لها أن لوحت بغصن الزيتون للهند قبل أيام من الهجمات على مومباي. غير أن القدرة على مقاومة هياج شعبي لمعاقبة باكستان المتعاونة مع الميليشيات أمر يتطلب قدرة قيادية عالية. وتواجه الهند انتخابات عامة خلال النصف الأول من هذا العام، حيث سوف يحتل الإرهاب مكاناً متقدماً على تلك الأجندة.

يقول دبلوماسي غرب في إسلام آباد في هذا الصدد: "إذا كان الهنود مازالوا مصرين على مهاجمة باكستان، والمخاطرة بإشعال صراع يمكن أن يخرج عن السيطرة، فإننا بذلك نواجه موقفاً خطيراً. وحين تحيط الأزمات بباكستان، وبالذات إذا كانت أزمات أمنية، فإن الجيش هو الذي يقفز ليحتل مقعد القيادة في البلاد".

إن هجوماً إرهابياً شديداً آخر على الهند يمثل أكبر المخاطر على السلام الإقليمي، حيث عانت الهند بصورة متكررة هجمات على يد أصحاب هذه الحملة الإرهابية المنسقة التي شملت ضرباتها نيودلهي، وجايبور، وأحمد آباد، وبنغالور، وجوواهاتي. ويعتقد المسؤولون أنه على الرغم من محاولات الهند تحسين قدراتها الاستخبارية، وكذلك في مجال الطوارئ ، فإن الميليشيات التي تستخدم خلاياها النائمة داخل الهند، قادرة على الضرب مرة أخرى.

يمكن لهجوم جديد أن يجعل الهند تمرّن عضلاتها بعيداً عن مدى خليج البنغال، لكي تصل إلى جارتها.

هنالك 60 عاماً من الاحتكاك بين الهند وباكستان اللتين انفصلتا عن بريطانيا عام 1947. وأدى انفصال باكستان عن الهند إلى أوسع موجات لاجئين شهدها العالم، حيث كان معظمهم من المسلمين المتوجهين إلى باكستان، والهندوس والسيخ المتوجهين إلى الهند. ولكن هذا التقسيم كانت تشوبه أسباب الخلاف والجدل منذ البداية، حيث تواصل كل من الهند والباكستان المطالبة بتبعية كشمير التي يغلب عليها السكان المسلمون في الهملايا. وخاضت الهند وباكستان عام 1965 حرباً بسبب كشمير، كما أن الهند تدخلت عسكرياً فيما كان يعرف في السابق بباكستان الشرقية، وذلك للإشراف على قيام دولة بنغلادش المستقلة. وأدى الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 1979، إلى إرغام الولايات المتحدة على دعم الرئيس الباكستاني محمد ضياء الحق الذي أمر بتشكيل وتوسيع جماعات إسلامية متشددة لمحاربة السوفيات، والأفغان الشيوعيين في أفغانستان. ووحدت هذه الجماعات صفوفها بعد عشر سنوات تحت راية المجاهدين الإسلاميين.

أدى الانسحاب السوفياتي من أفغانستان عام 1989 إلى اشتعال الحرب بين جماعات المجاهدين في أفغانستان. وبدأ الجيش الباكستاني الذي يسيطر على هذه الجماعات الجهادية عبر وكالة التجسس الخاصة به المعروفة باسم وكالة خدمات الاستخبارات المشتركة، بإرسال هؤلاء المقاتلين لمحاربة القوات الهندية في كشمير.

أجرت الهند جولتها الثانية من التجارب النووية عام 1998، بعد أن كانت الجولة الأولى قد تمت عام 1974. وجاءت التجارب النووية الباكستانية بعد ثلاثة أسابيع فقط عام 1998، الأمر الذي جعل هاتين الدولتين في عداد الدول النووية.

احتلت القوات الباكستانية قطاعاً من الأرض بالقرب من مقاطعة كارجيل الهندية عام 1999 في كشمير. وتم تجنب الحرب بعد اضطرار باكستان إلى الانسحاب بضغط من جانب الولايات المتحدة.

جرى هجوم على البرلمان الهندي عام 2001 من جانب ميليشيات وصفتها الهند بأنها تابعة لجماعة عسكر طيبة المدعومة من جانب باكستان.

اتهمت الهند جماعة عسكر طيبة بشن الهجمات على مومباي في السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 2008.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية