تبدو هذه العبارة حقيقية أكثر في أيامنا هذه من أي وقت سابق، حيث إن الحكومات تمسك بفكرة جون ماينارد كينز القائلة إن الحافز المالي، أي الإنفاق العام وتخفيضات الضرائب، يمكنها أن تخلص اقتصاداتها من براثن الكساد.
كان التوافق الكينزي واضحاً في البيان الختامي الذي صدر عن مجموعة العشرين التي تضم الدول الصناعية، والاقتصادات الناشئة القيادية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، حيث تعهدت تلك الدول "باستخدام الإجراءات المالية لتحفيز الطلب المحلي من أجل إحداث الأثر السريع" ضمن هيكل سياسات "مشجع للاستقرار المالي". تعهدت إدارة باراك أوباما المقبلة بصفقة تحفيز لمدة عامين بقيمة ذكر أنها تراوح بين 675 - 775 مليار دولار، حيث يعتقد كثير من المحللين في واشنطن أنها يمكن أن تزداد إلى 850 مليار دولار (580 مليار جنيه استرليني) أو 600 مليار يورو)، أو إلى حتى 1.000 مليار دولار، أي ما يراوح بين 5 - 7 في المائة من الدخل القومي.
أبلغ جوردون براون رئيس وزراء المملكة المتحدة، مراسلي وسائل الإعلام في أواخر شهر كانون الأول (ديسمبر) المقبل، أنه إذا تعثرت السياسة النقدية لأسباب يعود معظمها إلى مشكلات ضمن النظام المالي، "فإن الحكومات سوف تضطر إلى استخدام السياسة المالية، وأن ذلك شوهد في كل بلد من بلدان العالم".
أما الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، فقال حين أطلق صفقة التحفيز الفرنسية "إن ردنا على هذه الأزمة هو الاستثمار، لأنه الوسيلة الأفضل لدعم النمو، والإبقاء على الوظائف في أيامنا هذه، كما أنه الوسيلة الوحيدة لتوفير الوظائف في المستقبل".
غير أنه ليس جميع صانعي السياسة كانوا حريصين على الانضمام إلى هذا الركب، الذي يرون فيه رحلة خطيرة ليس باتجاه نظرية كينز، التي وضعها لمواجهة التراجع الاقتصادي العميق والطويل، ولكن إلى إجراءات التناغم الدقيق الفاشلة الخاصة بالسياسة المالية في السبعينيات، حيث حاولت الحكومات الإبقاء على التشغيل الكامل في كل الأوقات.
أبدت ألمانيا أشد الاعتراضات المبدئية على صفقات الإنقاذ المالي الكبرى. واشتكى وزير المالية الألماني، بيرشتاينبروك من "الكينزية الخام" التي يتبعها براون، متهماً إياه "بتبذير المليارات، وإيجاد جيل مضطر إلى سداد الديون البريطانية".
أما يورغن شتارك عضو المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، الذي كان في السابق نائباً لرئيس بوندزبانك في ألمانيا، فقد حذر من "مخاطر رئيسية" تتمثل في تكرار ما حدث في السبعينيات، حيث قال لا "أفهم لماذا يمكن للسياسات المالية التي يمكن اختيارها ذاتياً التي كانت غير فعالة في الماضي، أن تنجح في الوقت الراهن".
كان موقف جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي حذراً، حيث جادل في مقابلة له مع صحيفة فاينانشال تايمز، مؤيداً سماح البلدان بارتفاع عجوزاتها بموازة ما يطلق عليه عوامل التوازن الأوتوماتيكية، مثل مزايا البطالة الأعلى وعوائد الضرائب المتناقضة خلال فترات الانكماش.
إلا أنه حذر من أن توقعات زيادة الضرائب في المستقبل يمكن أن تقلص ثقة المستهلكين. وأضاف "أن خسائر المرء بسبب فقدان الثقة، يمكن أن تزيد على مكاسبه بسبب الإنفاق الإضافي".
أما في الولايات المتحدة، فقد قال لورنس سمرز وزير الخزانة السابق، الذي سوف يترأس المجلس القومي الاقتصادي للرئيس أوباما، إن الحافز المالي سوف يعالج الحاجة إلى زيادة الاستثمار في الطاقة، والتعليم والبنية التحتية وكذلك الحاجة إلى تحفيز الاقتصاد.
أما لورانس بون الاقتصادي في باركليز كابيتال في باريس، فتجادل بأن البلدان الأوروبية الكبرى تنقسم إلى معسكرين، حيث يضم الأول مواطنين ذوي مديونات ثقيلة، إذ ساهمت أسواق الإسكان بنسبة عالية من النمو الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في المملكة المتحدة، وإسبانيا. وكانت الحوافز المالية في هذه البلدان أكبر، كما ركزت على دعم المستهلكين وقطاع الإسكان.
أما في أماكن أخرى، ولا سيما في ألمانيا وفرنسا، فكانت خطط التحفيز أقل طموحاً، كما أن من المقرر أن تعتمد أكثر على استثمارات القطاع العام، ولا سيما في البنية التحتية مع دعم قليل للاستثمار، كما تقول بون.
هنالك مبالغة أكثر في الخطاب المضاد لذلك بأكثر من الحقيقة في المواقف المختلفة، حيث إن صفقات التحفيز المخططة عالية الضجة في بريطانيا وفرنسا، على سبيل المثال، ليست أكبر من صفقات ألمانيا المترددة.
كما أن عوائد تقليص الضرائب في البلدان الثلاثة، وزيادة مدفوعات الرعاية الاجتماعية، سوف تشكل معظم عجوزات الميزانيات المنتظرة، حيث لن تتسبب بذلك الإجراءات الاختيارية التي تم تطبيقها خلال الأشهر الأخيرة.
يبدو أن صفقة الإنقاذ الأمريكية تجعل من الجهود الأوروبية بمثابة أقزام. ولكن أي صفقة تحفيز في الولايات لا بد أن تكون أكبر، حتى يكون لها الأثر ذاته، لأن شبكات الحماية الاجتماعية الأوروبية الأعلى سخاءً، تضمن حصول العاطلين عن العمل على مدفوعات أعلى.
يجادل تريشيه بأن هذه "الإجراءات التوازنية الأوتوماتيكية، ربما يكون لها ضعف الأثر، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو لدى المقارنة مع الولايات المتحدة".
غير أن من الواضح أن هنالك تحولاً عالمياً باتجاه تمويل العجز وفقاً لنظرية كينز، حيث اتضح ذلك هذا العام. ويعود ذلك جزئياً إلى أزمة الائتمان التي تعيق فاعلية السياسة النقدية، وفي جزئه الآخر إلى حقيقة أن معدلات أسعار الفائدة، لا يمكن تخفيضها بأكثر مما خفضت فيه في الولايات المتحدة، واليابان. ويعود كذلك جزئياً إلى أن البنوك لن تقرض الكثير من الأسر، والشركات حتى إذا كانت هذه الأطراف تريد الاقتراض.
غير أن التحرك باتجاه استخدام السياسة المالية كوسيلة لتعزيز الاقتصادات المتقدمة، له عواملها المحددة التي يدركها كل أولئك الذين شهدوا فترة السبعينيات.
إن بإمكان المراكز المالية غير المستدامة تدمير الثقة. وإن الولايات المتحدة التي تصدر الدولار، وهو العملة الاحتياطية العالمية، لديها مجال حركة أوسع من معظم الدول الأخرى.
ولكن حتى أوباما كان حريصاً للغاية على تأكيد طموحه "بالسيطرة على ميزانياتنا قصيرة وطويلة الأجل".
البلدان الأخرى الأصغر، ذات العملات الهشة، مثل المملكة المتحدة، أشد عرضة لآثار ثقة المستثمرين الأجانب. وأعلنت حكومة المملكة المتحدة عن خطة تقشف خماسية، للعمل على تقليص العجوزات اعتباراً من عام 2011، في الوقت الذي تقدم فيه حافزاً مالياً في محاولة تقديم دليل على نواياها الحسنة في الأجل الطويل.
أما اقتصادات أوروبا القارية، فهي مقيدة باتفاقية الاستقرار والنمو، الأمر الذي يحد من الميزانيات ومن المديونية. غير أن تدهور أحوال الاقتصاد العالمي كان سريعاً، بحيث أن معالجة المشاكل الفورية طغت على عواقب الأجل الطويل.
كان هذا التوجه واضحاً للمرة الأولى في شهر كانون الثاني (يناير) من العام الماضي، حين صعق دومينيك شتراوس المدير العام لصندوق النقد الدولي، المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي، عندما دعا إلى "سياسة مالية جديدة كوسيلة سليمة ودقيقة لمواجهة الأزمة".
كان يقف إلى جانبه على المنصة ذاتها سومز الذي قال "هذه أول مرة خلال 25 عاماً، يدعو فيها مدير عام لصندوق النقد الدولي إلى زيادة العجوزات المالية، وإنني أعتبر ذلك بمثابة اعتراف بمدى خطورة الوضع الذي نواجهه".
يقول سمرز الآن إن الوضع زاد تدهوراً. وفي ظل توقعات استمرار ضعف الاقتصاد، وطول الفترة التي ترتفع فيها معدلات البطالة، فإنه يعتقد أن هنالك مبررات للاتفاق على المشروعات التي تمتد حتى بعد نهاية عام 2009.
قال المنتقدون إن ذلك كان غطاءً مريحاً لبرامج الإنفاق التي أرادها الديمقراطيون على أية حال. غير أن معظم الاقتصاديين كانوا مؤيدين لهذه الحجة، "حيث إن الاقتصاد الأمريكي لا يحتاج فقط إلى حزمة كبرى من التحفيز المالي خلال عام 2009، ولكن إلى صفقة تقدم دعماً رئيسياً يتجاوز العام المقبل"، كما قال إد ماكليفي الاقتصادي في بنك جولدمان ساكس.

