أرجأت الحرب في غزة تحديا يواجه الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتعلق بشرعية حكمة إذ انتهت فترة ولايته التي تمتد أربع سنوات البارحة. وسيؤثر تطور الأمور في القطاع على قدرة عباس على مواصلة محادثات السلام مع إسرائيل. ولم تسفر المحادثات عن شيء حتى الآن سوى أنها جلبت عليه حنق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي تدعو للمقاومة المسلحة.
وطغى الهجوم الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس بشكل مؤقت على الخلاف بين حركة فتح العلمانية التي يتزعمها عباس وبين منافسيها الإسلاميين بشأن ما إذا كان يتعين عليه ترك المنصب الآن.
وقال فوزي برهوم المتحدث باسم حماس في غزة إنهم الآن يواجهون مشكلة أكبر من التاسع من كانون الثاني (يناير) وأولويتهم هي القتال "في هذه الحرب التي فرضت علينا والدفاع عن شعبنا". ومن جانبه أرجأ عباس الذي يرى أن تعديلات قانونية تعني أن فترة ولايته تنتهي في عام 2010 خططا لتحديد الموعد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية يأمل أن تستبق أي جهود من جانب حماس لخلعه أو استبداله.
وقال مسؤول فلسطيني بارز في رام الله إن عباس مشغول الآن بإنهاء الحرب في غزة. وفور التوصل إلى وقف لإطلاق النار سيطلب من حماس استئناف محادثات المصالحة الوطنية.
وأكد عباس في مؤتمر صحافي في مدريد البارحة الأولى مطالبته بالديمقراطية والدفاع عنها، وقال إنه بناء على ذلك فعندما تتحقق المصالحة ستجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية في وقت واحد.
لكن مع تصاعد مشاعر الفلسطينيين فإن الخلاف على الرئاسة لن ينتهي بل ربما يتحول إلى خلاف شخصي بدرجة أكبر.
وقال إيهاب زاهدة 32 عاما ويعمل ممثلا في مدينة الخليل في الضفة الغربية "مسؤولو حماس يوجهون أصابع الاتهام إلى عباس وكأنه هو الذي قرر شن الحرب على غزة".
وأضاف: "من الصعب على عباس حشد التأييد لأنه ليس بإمكانه عمل شيء لشعبه في غزة ولا يمكنه وقف العدوان. هل هذا هو ما حققه من مفاوضات السلام مع إسرائيل".
وقال مصطفى البرغوثي وهو مرشح مستقل سابق للرئاسة إن الفلسطينيين اعتبروا حرب غزة تستهدفهم جميعا وليس حماس فقط وإن إسرائيل في نهاية الأمر ستضعف السلطة الفلسطينية وليس الإسلاميين.
وأبلغ رويترز أن ما حدث في غزة كشف الصراع بين الفصائل على سلطة غير موجودة فعليا لأنها تحت الاحتلال. وأضاف أن هذا عمق الشعور بأن الجميع تحت الاحتلال ويجب أن يتوحدوا لمواجهته. لكن الوحدة الفلسطينية بدت صعبة المنال في السنوات القليلة الماضية.
فاندلعت أزمة بشأن الحكم بعد فوز حماس في انتخابات عام 2006 واتسع الشقاق عندما أخرجت حماس قوات فتح من غزة بعد ذلك بنحو 18 شهرا تاركة للسلطة الفلسطينية بقيادة عباس السيطرة على الضفة الغربية المحتلة فقط. وعملت قوات الأمن التابعة لعباس على الحد من احتشادات التضامن مع غزة حتى لا تتحول إلى احتجاجات مناهضة لعباس.
وقال نيكولاس بيلهام المحلل في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات "الأثر النفسي لحملة غزة سيكون كبيرا في الضفة الغربية لكن في الوقت الراهن فإن الإجراءات الأمنية تبقيه محكوما بضغوط تتصاعد".
واتخذت حماس كذلك إجراءات مشددة ضد المتبقين من أنصار فتح في غزة حتى تحت القصف الإسرائيلي. فهي تواجه القوة العسكرية الإسرائيلي في صراع غير متكافئ على أمل أن يعزز صمودها مكانتها السياسية.
وقال المحلل السياسي باسم الزبيدي إنه إذا خرجت حماس من هذا الصراع قوية فإنها ستثير المشكلات لعباس الذي سيكون مضغوطا بين مطالب إسرائيل ومطالب الإسلاميين. وأضاف أنه إذا خسرت حماس فإنها قد تلجأ للعمل السري ولكنها ستظل تمثل مشكلة لعباس وتحاول تدمير مشروعه.
وبعد أن بدأت إسرائيل هجومها يوم 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي كرر الرئيس الفلسطيني ما قاله زعماء الولايات المتحدة ومصر بشأن إلقاء اللوم على حماس في استفزاز إسرائيل بإنهاء التهدئة وإطلاق صواريخ من غزة.
ويتعارض ذلك مع آراء العديد من الفلسطينيين الذين يرون أن إسرائيل انتهكت بالفعل التهدئة التي تم التوصل إليها بوساطة مصرية لتستمر ستة أشهر بحصارها العقابي للقطاع وغاراتها على النشطاء.
وعدل عباس من نبرة خطابه وبدأ يطالب بإلحاح منذ ذلك الحين بوقف فوري لإطلاق النار لكن ظل هناك انطباع بأنه في حالة عدم تيقن.
وقال بيلهام من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات "إنه يحاول معرفة اتجاه الريح والسير معه". وأضاف: "حوله مستشارون يرون مزايا يمكن كسبها من إذلال حماس في غزة". وقال إن جدوى محادثات عباس بشأن تأسيس دولة قد تعتمد على ما سيسفر عنه الصراع في غزة.
وتابع "يتعين أن نسأل ما فرص عملية السلام إذا استمرت المذبحة في غزة لعدة أيام أخرى". وأضاف: "كيف يمكن تحقيق ذلك في أعقاب ما يجري في غزة.. وإذا لم يتحقق كيف سيؤثر ذلك في شرعية حكم عباس".
وسيكون لنتيجة الانتخابات الإسرائيلية المقررة يوم العاشر من شباط (فبراير) المقبل لاستبدال رئيس الوزراء أيهود أولمرت ولسلوك الإدارة الأمريكية الجديدة في عهد باراك أوباما أثر كبير كذلك في فرص إنعاش جهود السلام.
وقال المحلل السياسي الفلسطيني علي جرباوي "لا نعرف ما الذي سيفعله أوباما".
وأضاف "إن عباس يجب أن يتجنب نوع المحادثات التي قوضت مصداقيته العام الماضي إذا كان الأمر مجرد تقبيل أولمرت على خديه فيتعين عليه أن يرفض".
ومن الصعب توقع كيف سيتمكن عباس من إلزام الفلسطينيين بأي اتفاق سلام مع استمرار الصراع بين حماس وفتح. وقال ناصر شعراوي 25 عاما وهو طالب في جامعة القدس في الخليل "كان الأمر صعبا وسيظل صعبا". وأضاف: "عباس يريد السلام والمفاوضات وحماس تريد القتال والتحرير, ليس لديهم هدف مشترك".

