الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الاستمتاع بأوقات الفراغ كعنصر حيوي

رشتو ينتيلا
رشتو ينتيلا
الجمعة 9 يناير 2009 3:36
الاستمتاع بأوقات الفراغ كعنصر حيوي
الاستمتاع بأوقات الفراغ كعنصر حيوي

بعد أن آلت رئاسة الاتحاد الأوروبي إلى ألمانيا في الفترة قبل السابقة، جاء الوقت المناسب للكشف عن السر وراء نجاح دول شمالي أوروبا. إن السبب لا يعود لنظام الضرائب. وليس للقطاع الخاص وليس له أدنى علاقة على الإطلاق أنموذج الرفاهية الموجود في دول اسكندنافيا، وإنما كل الأمر يعود إلى الثقافة. إنه يتعلق بنشوء فكرة الاستمتاع بأوقات الفراغ المنبثقة من المذهب الروتستانتي.

أطلق ماكس وبر عبارة "أخلاق العمل في المذهب البروتستانتي" قبل أكثر من 100 عام، وكانت الفكرة هي أن المذهب البروتستانتي، وخاصة المذهب الكالفيني المنسوب لجون كالفن، لعب دوراً مهماً في تطوير الرأسمالية، وكان ينظر إلى النجاح في الحياة كعلامة تدل على أنك من بين الأشخاص المختارين عند الله. ولكن عبر القرون أصبح الجد والاجتهاد في العمل تقليداً ثقافياً ولم يعد مرتبطاً بالدين.

ودول شمالي أوروبا ـ الدنمارك، فنلندا، آيسلندة، السويد والنرويج ـ لا تتبع المذهب الكالفيني. ومعظم الناس فيها يتبعون المذهب اللوثري وليسوا متمسكين بالتعاليم الدينية. فإذا زرت كنيسة محلية خلال صلاة الأحد، من المحتمل أن تجدها شبه خالية في الغالب.

كما أن شعوب شمالي أوروبا لا يكدون في العمل هذه الأيام، فالناس في دول شمالي أوروبا الخمس يعملون ساعات أقل في العام، وعدد سنوات مهنية أقل مقارنة بالشعوب في كل من اليابان أو الولايات المتحدة أو ألمانيا، أو تقريباً في أي مكان آخر. ومع ذلك فإن بلدان شمالي أوروبا حققت نجاحاً كبيراً: فنلندا والدنمارك والسويد هي من بين خمس دول تحتل المراكز العليا في المنافسة في العالم. والدولتان المتخلفتان عنها وهما النرويج وآيسلندة تأتيان ضمن الدول التي تحتل أعلى 15 مركزاً.

لذا كيف يمكن أن تساعد الأخلاق البروتستانتية على تفسير نجاح دول شمالي أوروبا؟ الإجابة هي أن المواطنين في دول شمالي أوروبا يهتمون اهتماماً جاداً بأوقات الفراغ مثلما يهتمون بالعمل. إذا التوازن الجيد بين الحياة والعمل يعتبر بالقدر نفسه من الأهمية، التي كان ينظر بها في يوم من الأيام للتفاني في العمل. وفي الوقت الحاضر، ينظر إلى التوازن الجيد بين العمل والحياة، بأنه علامة تدل على أنك ضمن الأشخاص المختارين. وبعبارة أخرى، فإن الأخلاق البروتستانتية الخاصة بالعمل تمت تكملتها بالأخلاق البروتستانتية الخاصة بأوقات الفراغ.

#2#

إن نهج العمل والفراغ في شمال أوروبا يصبح واضحاً عندما تتحدث إلى الأجانب العاملين هنا. فقد كشفت دراسة تم إجراؤها أخيرا من قبل جامعة تامبير، بأن الأجانب العاملين في قطاع تقنية المعلومات والاتصالات في فنلندا، يعتبرون وجود توازن صحي بين الحياة والعمل، هو أكثر الجوانب جاذبية في الحياة في فنلندا. وكما عبر أحد الموظفين عن ذلك حيث قال: هم بالفعل يتوقعون منك أن تترك العمل عند الساعة الرابعة أو الخامسة بعد الظهر!.

ولكنهم أيضا يتوقعون منك أن تعمل بكفاءة، فالكلام محدود بدرجة كبيرة، وكذا النشاطات الاجتماعية في أماكن العمل في فنلندا مقارنة بالدول الأخرى. وفي المكاتب في السويد، هنالك قدر أكبر من الحديث. ولكنه ليس حديثاً فارغاً، فالأحاديث تهدف إلى تشكيل إجماع حول إجراء مستقبلي.

وليس كل شخص يذهب إلى منزله عند الساعة الخامسة بعد الظهر، فهنالك عديد من المهنيين في دول شمال أوروبا يعملون ساعات طويلة كذلك. ولكن العمل لساعات طويلة ليس هو التقليد الثقافي الموجود في عديد من الدول الأخرى، فالتقليد الثقافي المتبع هو أن تعمل بكفاءة في العمل، وأن تترك قدراً كافياً للترفيه.

وحسب ما ورد في دراسة مشتركة فنلندية – سويدية أجريت على الرؤساء التنفيذيين للشركات العاملين في كل من دول شمال أوروبا، تبين أن الالتزام بأوقات الفراغ أقوى في النرويج، حيث "يتجه الناس إلى الجبال عندما يعتقدون بأنهم قضوا وقتاً كافياً في مسألة تتعلق بالعمل، سواء تم حل المشكلة أم لا". ثم مرة أخرى، فإن النرويجيين يمكن أن يتحملوا ذلك.

وكما عبر عن ذلك أحد المختصين حيث قال: من أجل خلق نموذج مثالي لشمال أوروبا، خذ نظام التعليم من فنلندا، نظام التقاعد من السويد، مرونة أسواق العمل من الدنمارك، والنفط والغاز من النرويج". حب الطبيعة لا يعني أن شعوب شمالي أوروبا تتوانى في العمل. وفي حقيقة الأمر، الجدية تجاه العمل هي جزء من أخلاق العمل في المذهب البروتسانتي التي لم تندثر، حيث بدأ الناس يعملون عدداً أقصر من الساعات.

كيف نعرف أن إيجاد توازن جيد بين العمل والحياة هو العنصر الرئيسي في النجاح الذي حققته دول شمالي أوروبا؟ حسناً، نحن لا نعرف ذلك.

وربما دول شمالي أوروبا تسير على نحو جيد، على الرغم من أنهم يقضون وقتاً كبيراً مع أسرهم وفي ممارسة هواياتهم. وربما العمل ساعات أقصر علامة مبكرة للخراب في نهاية المطاف. ولكن أي طريقة ينظر بها الشخص إلى الأمر، يجد أن دول شمالي أوروبا أظهرت أن من الممكن تحقيق النجاح، من دون التضحية بإجازة الصيف الطويلة، والاستمتاع بعطلات نهاية الأسبوع. وبالتالي، فهم يوفرن الأمل للطبقات الكادحة من البشر في العالم. أما هل يدوم ذلك النجاح، فذاك شأن آخر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية