أكد الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية، أن السلام في منطقة الخليج لم ولن يتحقق عبر استمرار إسرائيل في ارتكاب المجازر والمذابح والقصف العشوائي بحق أبناء الشعب الفلسطيني أو حين تعد إسرائيل كما حصل ويحصل مرارا وتكرارا بأن إراقة المزيد من الدماء الفلسطينية الطاهرة يعد من آليات المزايدات الإنتخابية بين الأحزاب الإسرائيلية. وأضاف: كما أن السلام لن يتحقق بفرض العقوبات والاشتراطات على الشعب الرازح تحت الاحتلال، في حين يتم إعفاء إسرائيل من التبعات رغم مخالفتها لأبسط قواعد وقرارات القانون الدولي. وقال:" إن السلام المنشود لم ولن يتحقق بمحاولة فرض التطبيع على العرب قبل تحقق الانسحاب وقبل إنجاز السلام وكأن علينا مكافأة المعتدي على عدوانه في منطق معكوس لا يمت بالجدية والمصداقية بأي صلة". جاء ذلك في كلمة الأمير سعود الفيصل ألقاها نيابة عنه الدكتور نزار مدني وزير الدولة للشؤون الخارجية، بمناسبة انطلاق فعاليات منتدى الخليج 2009 أمس، بعنوان:" العلاقات الخليجية - الأمريكية بعد الانتخابات الرئاسية"، وينظمه معهد الدراسات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية، بالتعاون مع مركز الخليج للأبحاث في دبي في قاعة الملك فيصل للمؤتمرات في الرياض ويستمر يومين. وأشار الأمير سعود الفيصل إلى أن العلاقات الخليجية - الأمريكية استراتيجية ترسخت عبر عقود طويلة من التعاون المثمر والمصالح المشتركة في جميع المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والتربوية والثقافية والاجتماعية. وأضاف: إن أمريكا تظل الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون، والمساهم الأبرز في المشاريع التنموية، وتظل الجهة المفضلة لتلقي المعرفة والعلم والطبابة لدى أبناء هذه المنطقة الراغبين في مواصلة تعليمهم العالي أو المحتاجين لرعاية طبية متقدمة. ولفت الأمير سعود الفيصل إلى أن دول الخليج تعد إرساء دعائم السلام والأمن والاستقرار والتنمية والرفاه في دول الخليج تحديدا ومنطقة الشرق الأوسط عموما، بمثابة أهداف استراتيجية ذات أولوية قصوى للطرفين لكن تحقيق هذه الأهداف مرهون بإزالة التناقض الواضح في السياسات الأمريكية بين السعي لتحقيق السلام وبين إعطاء إسرائيل كل ما تطلبه دون قيود أو شروط، حتى لو أدى ذلك إلى تقويض جهود إحلال السلام، وتظل هذه العقدة المؤثر السلبي الأكبر في مسيرة علاقاتنا مع أمريكا. وأبان الأمير سعود الفيصل أن أحداث السنين الأخيرة حتمت أن تكثف دول الخليج مجالات تعاونها وتشاورها مع أمريكا، وذلك لمواجهة تحديات ومخاطر بالغة الأهمية والتأثير تشمل مخاطر الإرهاب الإجرامي العابر للحدود والذي يستهدفنا جميعا، وكذلك مخاطر القرصنة البحرية المتنامية، كما تشمل مخاطر عدم الاستقرار وتصاعد التوترات في كامل المنطقة المحيطة بدول الخليج من المثلث الأفغاني - الباكستاني - الهندي إلى المثلث الفلسطيني - اللبناني - السوري مرورا بالطبع بالعراق وإيران. وزاد: كم كنت أتمنى لو أن الإدارة الجديدة في البيت الأبيض قد أتت وهذه التحديات والمخاطر في طريقها للمعالجة والانحسار، لكن الحقائق التي تفرض نفسها علينا جميعا تجعل من الضروري أن نحشد طاقاتنا وهممنا لمواصلة التصدي، وبشكل مشترك وفي وقت مبكر لهذه التحديات والمخاطر المترابطة والمتداخلة، وبدلا من الخوض بالتفصيل في كل قضية من هذه القضايا، وهو ما أتوقع أن تغطيه مداولاتكم في هذا المنتدى، اسمحوا لي أن أركز بشكل خاص على الأهمية البالغة لمساحات الترابط والتداخل بين هذه الأزمات المتنوعة، والتي إن كانت تزيد من تعقيدات وخطورة كل أزمة على حدة، إلا أنها أيضا توفر المدخل الملائم والضروري لتلمس سبل المعالجة الحاسمة والفعالة. وقال الفيصل إن منطقة الخليج جزء لا يتجزأ من العالمين العربي والإسلامي ومن منطقة الشرق الأوسط, ومن ثم ليس هناك على مدى الـ 60 عاما المنصرمة صراعا أكثر خطورة في مجرياته وتداعياته وتأثيراته على أمن واستقرار الخليج والشرق الأوسط من الصراع العربي - الإسرائيلي, ولعل الأحداث الأليمة التي يشهدها قطاع غزه في هذه الأيام ترسخ في أذهان جميع المتشككين بأن هذه الحقيقة باتت من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان أو دليل, فإذا كنا نتحدث عن أسباب تنامي التطرف والإرهاب، أو عن مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، أو عن عوامل عدم الاستقرار في دول متعددة أو حتى عن فرص التنمية والتحديث المهدرة سنجد بكل يقين أنه ليس هناك بؤرة من بؤر التوتر لا ترتبط بشكل واضح وملموس بفشل المجتمع الدولي وأمريكا بشكل خاص، في تحقيق حل سلمي عادل وشامل لهذا الصراع الذي طال أمده, وفي المقابل فإن التوصل إلى حل سلمي للصراع العربي الإسرائيلي، أو حتى إحياء الأمل بقرب التوصل جديا لمثل هذا الحل من شأنه بالتأكيد أن يغير جذريا من مجمل معطيات بؤر التوتر والتأزم المتعددة في كامل المنطقة.
وأوضح وزير الخارجية أن المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية قد قرر تكليفه مع أمين عام جامعة الدول العربية بإرسال رسالة باسمهم جمعيا إلى الرئيس المنتخب باراك أوباما نحثه فيها على إعطاء أولوية قصوى ومبكرة لجهود تحقيق حل سلمي للصراع العربي - الإسرائيلي, ونجدد فيها التزام العرب بتحقيق السلام العادل والشامل المتوافق مع مبادئ وقرارات الشرعية الدولية.
وقال إن الجميع يدرك المعالم الأساسية لتحقيق السلام المنشود، وهي واضحة كل الوضوح في عناصر مبادرة السلام العربية التي تلتزم بها جميع الدول العربية، بل والدول الإسلامية أيضا بعد قمة مكة المكرمة الاستثنائية، بإقامة سلام شامل وعلاقات طبيعية مع إسرائيل آمنة ومستقرة بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة دول فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل إنساني عادل لمشكلة اللاجئين, ولكن هذه المبادرة التاريخية واجهت وتواجه مواقف إسرائيلية تصعيدية تتناقض بكل وضوح مع الرغبة في السلام ومع التأييد العالمي الواسع الذي تحظى به مبادرة السلام العربية.
وأضاف: إذا كان الجميع يدرك معالم الحل المنشود فإن الجميع بات يدرك أيضا أسباب عدم تحقيق السلام حتى الآن. وأكد الأمير سعود الفيصل أن السلام لم ولن يتحقق عبر استمرار إسرائيل في ارتكاب المجازر والمذابح والقصف العشوائي بحق أبناء الشعب الفلسطيني أو حين تعتبر إسرائيل كما حصل ويحصل مرارا وتكرارا، بأن إراقة المزيد من الدماء الفلسطينية الطاهرة يعد من آليات المزايدات الانتخابية بين الأحزاب الإسرائيلية.
وأضاف: إن السلام لم ولن يتحقق عبر التضاهر بإجراء مفاوضات مطولة وغير مجدية في الوقت نفسه الذي تنكث فيه إسرائيل بكل وعودها والتزاماتها وتسارع لبناء المزيد من المستوطنات والطرق الالتفافية لتغيير الحقائق على الأرض بحيث يستحيل تصور قيام دولة فلسطينية مستقلة مترابطة وقابلة للحياة والسلام المنشود، لم ولن يتحقق بفرض العقوبات والاشتراطات على الشعب الرازح تحت الاحتلال، في حين يتم إعفاء إسرائيل من أية تبعات رغم مخالفتها لأبسط قواعد وقرارات القانون الدولي. وأخيرا وآمل أن يكون ذلك واضحا كل الوضوح فإن السلام المنشود لم ولن يتحقق بمحاولة فرض التطبيع على العرب قبل تحقق الانسحاب وقبل إنجاز السلام وكأن علينا مكافأة المعتدي على عدوانه في منطق معكوس لا يمت للجدية والمصداقية بأي صلة.
وقال وزير الخارجية:" إذا أردنا أن نخاطب مباشرة عبر هذا الجمع الكريم، الرئيس المنتخب باراك أوباما، فإننا نقول له لقد أكد انتخابكم تميز وعمق التجربة الديمقراطية الأمريكية، وأكد شعار حملتكم الانتخابية القائل لطالبي التغيير بأننا نستطيع فعلا تحقيق ذلك معا، ونحن هنا نقول لكم إننا أيضا نستطيع معا تحقيق الاختراق المطلوب للوصول إلى حل سلمي دائم للصراع العربي - الإسرائيلي, وأن جميع الدول العربية جاهزة ومستعدة للعمل بكل جدية ومصداقية في هذا السبيل, ولا شك أنكم سيسمع من البعض بأن تحقيق هذا الهدف الحيوي لا يزال بعيد المنال أو تكتنفه صعوبات لا سبيل لتجاوزها مبكرا، لكن هذه الآراء تقال دوما لجميع من ينشدون تحقيق تغيير حاسم، والواضح والمؤكد، والذي أثبتته بكل جلاء ووضوح أحداث هذه الأيام الدامية، أن تطورات ومعطيات الصراع العربي الإسرائيلي لن تسمح لأي منا حتى بترف التفكير في جدوى أو عدم جدوى تخصيص أولوية قصوى ومبكرة لمساعي التوصل إلى حل سلمي شامل ودائم.
وأشار الأمير سعود الفيصل إلى أن إدراك أهمية الترابط والتداخل بين ما نشهده من تحديات ومخاطر ينسحب أيضا وبشكل مباشر على منطقة الخليج، التي تشهد توترات وأزمات تهدد أمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية. وأضاف: الأزمات والتدخلات العسكرية التي اندلعت في كل من العراق وأفغانستان كان لها آثار مباشرة وواضحة على اختلال التوازن التقليدي بين دول منطقة الخليج لمصلحة إيران، كما أن غض النظر طوال عقود عن البرنامج النووي الإسرائيلي، والذي لا يتذرع حتى بإنتاج الكهرباء بل لا ينتج سوى أسلحة الدمار الشامل، يمثل خطيئة أصلية كان من شأنها تحفيز إيران على المضي قدما في تطوير قدراتها النووية، وتمكينها من التذرع بازدواجية المعايير لتبرير عدم التزامها بقرارات الشرعية الدولية في هذا المجال.
وقال إننا في دول الخليج لا نكن إلا الاحترام والأخوة لأبناء الشعب الإيراني العريق, ولما يمثله من إرث حضاري عظيم, وثقافة راقية طالما تفاعلت وامتزجت مع الثقافة العربية الإسلامية، لكن من حقنا أن نؤكد أيضا على أهمية الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتي تعد من أبسط قواعد حسن الجوار وتنمية العلاقات، ومن حقنا أن نعبر بكل وضوح عن قلقنا المشروع ومخاوفنا المبررة من أي تطورات تؤدي إلى انتشار أسحله الدمار الشامل في منطقة الخليج، أو تعرض شعوب المنطقة لمخاطر بيئية وأمنية ولعبثية سباقات التسلح، ومن حقنا أيضا أن نؤكد رفضنا القاطع لأي انفراد بالهيمنة والنفوذ على حساب دولنا وشعوبنا ومصالحنا أو لأي مخططات تحيل دولنا وشعوبنا إلى أحجار شطرنج في مساومات الآخرين .
من جانبه، وصف عبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الأزمات التي توالت على المنطقة منذ إنشاء المجلس بالملتهبة، بدءا بالحرب العراقية الإيرانية تبعها احتلال العراق للكويت وأعقبها الاحتلال الأمريكي للعراق.
وعبر العطية في كلمة ألقاها نيابة عنه الدكتور عبد الكريم الحمادي الأمين العام المساعد للشؤون السياسية في المجلس، عن تطلع دول المجلس إلى أن تضع الإدارة الأمريكية الجديدة في سلم أولويات سياستها الخارجية العمل على إطفاء لهيب بؤر التوتر في المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية لإيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي على أسس ومرتكزات قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ومتطلباتها .
وفيما يتعلق بالشأن العراقي، أعرب عن الأمل في ألا تتسرع أمريكا في سحب قواتها من العراق وأن يتم ذلك بشكل متدرج ومدروس تجنباً لإحداث فراغ أمني وسياسي يوفر فرصة لقوى إقليمية لزيادة التدخل والنفوذ في الشأن العراقي والتأثير في استقلالية صنع القرار السياسي والأمني الداخلي للعراق ويهدد هويته العربية والإسلامية الأمر الذي لن يساعد على توافر الأمن والاستقرار في المنطقة.
وفي الشأن الإيراني، لفت إلى أن تأكيد دول المجلس دوماً على أهمية علاقات حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والإدراك بالمصالح المشتركة في إطار فهم مشترك ودعوتها إيران إلى ضرورة إنهاء احتلال الجزر الثلاث التابعة للإمارات عن طريق المفاوضات المباشرة بين الجانبين أو القبول بإحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية وحل الخلاقات بالطرق السلمية والحوار الهادف والتعاون مع المجتمع الدولي بشأن ملف إيران النووي لتجنب المنطقة مزيدا من الأزمات وحفاظاً على الأمن الإقليمي, معربا عن تطلع دول المجلس إلى أن تتعامل الإدارة الأمريكية الجديدة مع الملف الإيراني بحكمة ونهج جديد يأخذ في الحسبان استتباب الأمن والحفاظ على مصالح الأطراف كافة.
وقال: إن استقرار المنطقة واستجلاب السلام المنشود يتطلب تبني الأطراف المعنية إقليميا ودولياً ثقافة الحوار وقبول الآخر وأن تجعل من تمازج الحضارات وتكامل التجارب الإنسانية والكرامة البشرية بديلاً عن مزاعم صدام الحضارات. وأضاف: آمنت دول المجلس في تعاطيها الدولي بهذه المبادئ الإنسانية النبيلة ودعت إلى اعتمادها في جوهر العلاقات الدولية وممارستها عبر تبنيها لنتائج مؤتمر مدريد للحوار بين أتباع الأديان والثقافات والحضارات, والاجتماع العالمي عالي المستوى في الأمم المتحدة الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وعقد في مقر الأمم المتحدة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.
من جهته، وقال الأمير تركي الفيصل رئيس مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية، إن إسرائيل وأمريكا وإيران يشكلون عائق للسلام في الوطن العربي. وأضاف خلال المناقشة التي أعقبت الجلسة الأولي بعنوان "السياسة الأمريكية والأمن الخليجي الإقليمي بما في ذلك العراق وإيران"، إن إسرائيل تسعى منذ فترة لتدمير غزة، وذلك من خلال الحصار وأيضا الاغتيالات التي طالت قيادي الزعماء الفلسطينيين.
وأشار إلى أنه تقع على أمريكا مسؤولية كبيرة في هذا المجال عندما بدأت إدارة بوش في 2001 بوضع عملية السلام العربي الإسرائيلي خلف ظهرها، وانحيازها انحيازها الواضح لإسرائيل، مشيرا إلي أن وزيرة الخارجية الأمريكية زارت المنطقة أكثر من 13 مرة وكانت تحاول تقريب وجهات النظر بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبعد الاتفاق علي البنود خالفت إسرائيل هذه البنود وسط مباركة أمريكية ولا معاقبة منها لإسرائيل لإخلالها الاتفاقية. وطالب الأمير تركي الفيصل بإيجاد نظام أمني جماعي يضم دول الخليج والجزيرة العربية، إضافة إلى أمريكا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والهند وباكستان.

