قرار إسرائيل بإرسال القوات والمدرعات البرية إلى داخل قطاع غزة مقامرة خطيرة، وإذا كان الهدف منه هو تقليص عدد الصواريخ التي يمكن لـ "حماس" أن تطلقها على البلدات المجاورة في جنوب إسرائيل، فقد يكون هدفاً قابلاً للتحقيق، لكن إذا تقدمت إسرائيل لكسر قلب أعند خصومها، فإنها سوف تفشل.
وعلى أي حال فإن عدد الضحايا المتزايد، بمن فيهم المدنيون، من القصف الإسرائيلي الجوي والبحري والمدفعي غير المتناسب، للمناطق الحضرية المكتظة بالسكان، سوف يسوّد سمعتها كثيراً ويقوض الرأي العربي والفلسطيني المعتدل، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف موقفها السياسي بشكل خطير.
وقد تكون أهدافها مختلفة، فالاقتتال الداخلي حول الاستراتيجية بين تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية وزعيمة حزب كاديما الحاكم، وأيهود باراك وزير الدفاع المشاكس الذي يقود حزب العمل في الائتلاف، اقتتال داخلي شديد حتى أن "هارتس" وهي صحيفة بارزة، قد دعت إلى وقف إطلاق نار في مجلس الوزراء، فكلا الزعيمين يواجه أحدهما الآخر في انتخابات عامة تجري في الشهر المقبل، ويتطلع الاثنان إلى محاولة الالتفاف على بنيامين نتنياهو، الزعيم الصقوري لحزب الليكود القومي المتطرف – لكن من اليمين.
وعلى ما يبدو فإن الهدف العام للمؤسسة السياسية – العسكرية، هو إعادة ترسيخ مصداقية القوة الرادعة لإسرائيل، التي فقدت في حرب الـ 34 يوماً ضد حزب الله في لبنان عام 2006، والتي وفرت عرضاً علنياً جداً لحدود القوة العسكرية، التي كانت لولا تلك الحرب، لظلت ساحقة.
سعت "حماس" بطيش إلى تقليد حزب الله – على الأقل بتحديث صواريخ محلية الصنع للوصول بعيدا إلى إسرائيل – وجاء سعيها من الاعتقاد الواهم بأنها تستطيع أن تعيد إنتاج توازن الرعب في جنوب إسرائيل، الذي خلقه الإسلاميون الشيعة عبر الحدود الإسرائيلية - اللبنانية.
لكن مقاتلي حماس يستطيعون إلحاق خسائر في الجنود الإسرائيليين، إذا دخلوا المتاهات والأزقة المميتة من مدينة غزة ومخيمات اللاجئين فيها، مثلما علقوا في الأودية الخادعة في جنوب لبنان، وفشلت إسرائيل في السيطرة على غزة أو إنهاء "حماس" في الماضي، حتى بعد اغتيال جميع قادتها المخضرمين تقريباً.
إن لـ "حماس" جذورها العميقة، وجاذبيتها الرئيسية تجيء من مقاومتها للاحتلال، مثلما كان حال حزب الله الذي خلقه اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ومثل هذه الحركات تكسب بمجرد البقاء على قيد الحياة.
ولإضعاف تلك الرسالة، شنت إسرائيل ما قد يكون أشد هجوم في مجال العلاقات العامة، والذي شمل إبقاء الصحافيين خارج غزة، وهذا العمل ليس فقط لتجنب ذلك النوع من الصور الذي ألحق أضرارا كبيرة جدا عام 2006، لأطفال يتم سحبهم مثل الدمى من تحت أنقاض بيوتهم – وهي صور يتعذر التخلص منها.
الهدف هو تحميل مسؤولية هذه الأزمة على حماس وضربها واستهدافها في "الحرب العالمية على الإرهاب".
لكن الادعاء بأن تطرف الإسلاميين هو السبب الرئيسي لبؤس غزة، بعد أن أعطت إسرائيل الحرية للفلسطينيين بالانسحاب من المعقل الشرق أوسطي المحاصر من كل الجهات عام 2005، أقل من نصف الحقيقة.
يعيش الغزاويون تحت الحصار منذ أن تهوّر الفلسطينيون وانتخبوا "حماس" قبل ثلاث سنوات، بينما كانت إسرائيل توسع، وبشك كبير، احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية العربية، ولا يمكن لهذا الصراع أن ينتهي إلا إذا أقيمت دولة فلسطينية مستقلة، على جميع تلك الأراضي المحتلة.
وما هو مطلوب الآن بإلحاح هو وقف إطلاق نار بمراقبة دولية، وفترة كافية لاستئناف المفاوضات وفق هذا الأساس والخروج منها بنتيجة، وبعدها ترفع إسرائيل الحصار، ويجري الفلسطينيون انتخابات جديدة تقرر من يتحدث باسمهم – "فتح" التي يتلاشى وضعها بسرعة نتيجة الأزمة، أو "حماس"، أو مزيج منهما.
ويجب على إدارة أوباما المقبلة أن تبين بوضوح، أنها تنوي السعي إلى حل دولتين تستند إلى المحددات التي وضعها بيل كلينتون عام 2000، وخطة السلام الشامل التي طرحتها الجامعة العربية عام 2002.
ويمكن لبيان نوايا فوري أن يؤثر في الناخبين الإسرائيليين والفلسطينيين، لانتخاب زعماء قادرين على التوصل إلى مثل هذه الاتفاقية.