منع البحرية الإسرائيلية المساعدات الإنسانية من الوصول إلى قطاع غزة المحاصر يجلب انتباه العالم مرة أخرى لمعاناة المدنيين الفلسطينيين فتطبيق تل أبيب الصارم للحصار الاقتصادي ينذر بعودة إلى العداوات واسعة النطاق ويظهر أن القليل قد شهد الدفء في الأرض المقدسة الحافلة بالعداء.
إن عدم الثقة الدائم ودوامة الأحداث الأمنية بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حماس منذ الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) أغلقا كل نوافذ الإغاثة للمدنيين الفلسطينيين.
وقد دافع متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية عن تصرف البحرية الإسرائيلية قائلا إنه مع أن سفينة المروة الليبية التي كانت متجهة إلى غزة زعمت أنها كانت تحمل بطانيات ومسحوق الحليب والغذاء فإن "ليبيا دولة معادية لإسرائيل، فما الضمانات التي لدينا بأن السفينة لا تحمل أسلحة ومتفجرات إلى حماس".
وخلال المرحلة الأولى المتفائلة من وقف إطلاق النار، سمحت إسرائيل، ثلاث مرات، لبضع سفن إغاثة من قبرص بالرسو في غزة، لكن التوترات العسكرية المتصاعدة مع حماس أدت إلى تشديد الخناق، واستخدمت الأمم المتحدة عبارات مثل "الموت البطيء" "والكارثة الإنسانية" في وصف تشديد الخناق على غزة الذي فرضته العقوبات الإسرائيلية. والوضع قريب من طنجرة ضغط تغلي حيث لا بد لشيء أن يؤدي إلى تنفيس ذلك الضغط.
وبالنسبة للغزيين، فإن ذلك شيء أقرب إلى حرب مشؤومة، فالتناقض بين غزة التي تعيش حالة غيبوبة والضفة الغربية المنتعشة لا يمكن أن يكون أشد، ففي الضفة الغربية التي تسيطر عليها فتح فإن الجيش الإسرائيلي والأذرع الأمنية للسلطات الفلسطينية تتعاون بشكل وثيق وقيادتهما السياسية تتفاوض حول الطرق المؤدية إلى دولة فلسطينية مستقلة.
والجيش الإسرائيلي يجبر المستوطنين اليهود على إخلاء ارض فلسطين والانتقال إلى إسرائيل، ومشهد المستوطنين اليهود العنيدين الذين يقذفون الجيش الإسرائيلي بالحجارة والمواد الكيماوية في مدينة الخليل المتنازع عليها أمر مثير لأن هذه الطرق كانت تكتيكات الانتفاضة للمدنيين الفلسطينيين.
والمساعي المشتركة لإسرائيل وفتح لاجتثاث حماس من الضفة الغربية فتحت تناقضات شديدة داخل الكيان السياسي والمجتمع الإسرائيليين، وما يعكس سلاسة التغيرات يتمثل في رئيس الوزراء الإسرائيلي المنصرف، إيهود أولمرت الذي أصرّ بعد إعلان استقالته على أنه يجب على إسرائيل أن تنسحب من معظم الأراضي المحتلة، وتعوض الفلسطينيين عن الأراضي التي ستحتفظ بها وفق أي اتفاقية سلام.
والأمر الذي يثير غضب اليمين الإسرائيلي أكثر من أي شيء آخر هو تعليقه المحدد بأن "علينا أن نتخلى عن بعض أجزاء القدس ونسمح بشمول 270 ألف عربي ضمن أسوارها".
وبعد أن تحرر من المسؤولية عن الحديث نيابة عن المؤسسة بدا اولمرت وكأنه ليبرالي مثالي يروج لصيغة "الأرض مقابل السلام" وملاحظاته المثيرة أوقدت غضبا بين اليهود المحافظين والمتطرفين ولم يبق على الانتخابات العامة سوى شهرين، وبنيامين نتنياهو المتطرف هو صاحب الحظ الأوفر، الأمر الذي يشير إلى أن أغلبية الإسرائيليين غير مستعدين للعودة إلى الوضع الذي كان قائما عام 1967، كما يرغب أولمرت.
وإذا وجدت إسرائيل نفسها منقسمة بين الليبراليين الذين يتطلعون إلى المستقبل وبين الصقور الذين يركزون على الحاضر، فإن مشروع تقرير المصير للفلسطينيين سوف يتفكك بدوره. ففي 30 تشرين الثاني (نوفمبر)، استخدمت شرطة حماس القوة لمنع الحجاج من مغادرة قطاع غزة عبر الحدود المصرية لأداء فريضة الحج لأن هؤلاء الحجاج حصلوا على التأشيرات من القوة المنافسة لحماس وهي فتح، التي تدير شؤون الضفة الغربية.
وقد كتبت مصادر موثوقة مقربة من الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما في صحيفة "واشنطن بوست" عن وجود خطة من أربع نقاط لديه لحل الصراع، اثنتان منهما لهما علاقة بالقتال الدائر بين فتح وحماس. تدعو النقطة الأولى إلى تقديم تعويضات للاجئين الفلسطينيين الذين تركوا وطنهم بسبب الحروب السابقة بدلاً من ممارسة حق العودة إلى أراضيهم قبل عام 1948 التي احتلتها إسرائيل. إن حماس تعتبر ان موضوع فلسطينيي الشتات البالغ عددهم خمسة ملايين شخص والموجودين في البلدان العربية المجاورة غير قابل للمساومة. إن إنكار حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة أمر ترفضه حماس تماماً، الأمر الذي ينزع الشرعية عن هذه التسوية النهائية.
والنقطة الأخرى الواردة في خطة أوباما هي أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح، مع وضع قوات دولية(ربما تكون أمريكية) على الحدود الجديدة لكي يتم احترام احتياجات إسرائيل الأمنية. هذا الترتيب، على أقل تقدير، سيكون مرفوضاً تماماً من قبل الجماعات الإسلامية الأصولية من قبيل حماس، التي يمكن أن تتخندق وتباشر أعمال تمرد على غرار ما يقوم به حزب الله، في سبيل طرد "الكفار". وفي الوقت الذي تسعى فيه القوى المهيمنة في واشنطون وتل أبيب ورام الله وتقترب من عقد اتفاق في الفترة المقبلة، فإن عامل حماس سيكون هو أكبر عنصر "معرقِل" لهذا الترتيب (من وجهة النظر الغربية) وأقوى سد منيع يتصدى للخيانة (من وجهة نظر الإسلاميين).
نظراً لغياب مواقف موحدة لدى طرفي النزاع فإن مبادئ حقوق الإنسان والسلام تتعرض للذبول، ومعها عبء العقوبات المفروضة على قطاع عزة، وهي عقوبات أخفقت في تحقيق آثارها المرجوة. وحيث إنه لا يوجد دليل على أي تراجع في القوة العسكرية أو السياسية لحماس، التي تتمتع برعاية إيرانية سخية، فإن الأزمة في غزة توضح كيف أن العقوبات الاقتصادية، حين تكون أداة للسياسة الخارجية، فإنها لا تكون في الغالب "ذكية". إن حصار غزة، شأنه في ذلك شأن الحصار الأمريكي الذي فُرِض في السابق على كوبا وبورما والعراق أيام صدام حسين، سيسجَّل في التاريخ على أنه إخفاق آخر، كانت نتيجته الوحيدة هي التسبب في "أضرار جانبية" فظيعة.
