يعقد في الرياض هذه الأيام منتدى الخليج 2009 تحت عنوان"العلاقات الخليجية – الأمريكية بعد الانتخابات الرئاسية" وهو تجمع دولي لبحث العلاقات الخليجية – الأمريكية، ويركز المنتدى على عدد من القضايا السياسية والعسكرية المرتبطة بمنطقة الخليج، إضافة إلى مجموعة كبيرة من القضايا الأخرى التي تؤثّر في العلاقات الخليجية ـ الأمريكية، كالهواجس المرتبطة بأمن الطاقة ودور الدولار الأمريكي في أسواق الخليج المالية ومكانة الدول المصدِّرة للنفط كقوة صاعدة في الشؤون المالية العالمية، وأثر الأزمة المالية العالمية في الاقتصاد الأمريكي واقتصادات دول الخليج العربية.
إن العلاقات الأمريكية الخليجية التي يصفها الإعلام عادة بـ "الوثيقة" لا يعكس واقعها ما يصفه الإعلام العربي، خصوصاً على المستوى الشعبي. فتطلعات المواطنين الخليجيين ومن ورائهم العرب من هذه العلاقات "الوثيقة" أكثر بكثير ممّا يمكن أن يُسمى تجاوزاً فوائد هذه العلاقة. والواقع أن هذا المنتدى على الرغم من أهميته، إلا أنه اختار عنواناً لا يتناسب مع طبيعة السياسة الأمريكية الخارجية. إن اختيار عبارة "بعد الانتخابات الأمريكية" في عنوان المنتدى مما يوحي أن هذه السياسة متغيرة مع من يُقيم في البيت الأبيض، مع أن تاريخ العلاقات الخليجية -الأمريكية على وجه الخصوص، والسياسة الأمريكية الخارجية بوجه عام لا تتغير مع الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض. فالسياسة الأمريكية هي سياسة مؤسسية قائمة على عمل تنظيمي استراتيجي لا يتغير بتغير الأشخاص، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالوجود الصهيوني في فلسطين والصراع العربي -الإسرائيلي. إن عنوان المنتدى يوحي بأن هناك تميزاً للخليجيين عند ديمقراطي البيت الأبيض. بينما المتابع للعلاقات الرسمية يُدرك أن الخليجيين وبشكل غير رسمي عادة ما يفضلون الحزب الجمهوري ويؤيدونه عاطفياً مقابل الحزب الديمقراطي. وعلى الرغم من هذا التفضيل غير المبرر، فإن جميع حروب الخليج كانت عادة ما تشتعل بفتيل "جمهوري"!!
إن مَن ينظر إلى العلاقات الخليجية الأمريكية ويصفها بـ "التاريخية" و"الوثيقة" و"المتميزة" هو لا ينظر في واقع الحال إلا من الطرف الأمريكي، الذي فعلاً استفاد من تاريخية ووثاقة وتميز العلاقة لتطوير مصالحه في المنطقة. أما على الطرف الخليجي، فإن العلاقة لم تستغل ولم يستفد منها كما ينبغي. والدليل عدم استطاعة الخليجيين تغيير الموقف الأمريكي من قضايا المنطقة. وفي هذا المجال، فإن القراءة التاريخية لمحاور العلاقة بين الطرفين تدور حول ثلاثة محاور هي: النفط والاقتصاد، والقضية الفلسطينية، والزعامة / السيطرة في الخليج. وباختصار شديد، فإن الخليجيين استفادوا إلى حد ما في الأولى، وفشلوا في الثانية، وتورطوا في الثالثة. أما في الاقتصاد، فقد استثمر الخليجيون العلاقة في زيادة مواردهم النفطية إلا أن مشاركة الأمريكيين في تطوير الخليج وتنميته لا تتعدى حضور بعض الشركات ذات الطابع الاستشاري دون المشاركة الحقيقية في بناء اقتصاد قائم على القيمة المضافة. أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد فشلت "العلاقات التاريخية" في ضمان دور حيادي نزيه، على الأقل، بل إن الدور الأمريكي في حل النزاع العربي - الإسرائيلي مازال على موقفه المؤيد والداعم لإسرائيل. أما في مجال الأمن في الخليج العربي (الملاحظ أن أمريكا ما زالت تتحفظ على هذا الاسم)، فقد استطاع الأمريكان خلق حالة من عدم الاستقرار والتوازن من خلال تدمير العراق، ومن خلال خلق صراع مع إيران. ومن هنا ظهر تورط دول الخليج حيث وجدت نفسها في موقف حرج جداً، وهذا بلا شك ملف استراتيجي مهم جداً يحتاج إلى فهم استراتيجيات الأمريكان في المنطقة.
