اللبنانيون في الرياض.. 200 ألف في 3 أحياء راقية

يظن البعض أن أبناء الجالية اللبنانية قطرة في بحر متلاطم الأمواج، بمعنى أنهم قلة لا يقارنون بالجاليات الكبيرة المنتشرة في شتى أرجاء مدينة الرياض، كالجاليات الهندية، اليمنية، والمصرية وغيرها من الجاليات التي يفوق أعداد كل جالية من تلك الجاليات المليون نسمة, فاللبنانيون لا يتجاوزون 200 ألف، وينتشرون في ثلاثة أحياء رئيسية هي الملز والعليا والسليمانية، لكن لهم تأثير وحضور يفوق تلك الملايين من الجاليات الأخرى التي ينظر الكثير إلى بعضها على أنها لا تؤثر كثيرا كما تؤثر هذه الجالية في البلدان التي تعمل بها، بل إن هناك من يعتقد أن تلك الجموع الغفيرة من مختلف الجاليات ضررها أكبر من نفعها، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من العناء لمعرفة أبناء الجالية اللبنانية في وسط العمالة المنتشرة في مدينة الرياض، وسبب هذه السهولة لا يعود إلى كثرة أعدادهم – كما أسلفنا - فهم لايحتلون مرتبة عالية بين الجاليات الأخرى الأكثر تعدادا منهم، ولكن بسبب أناقتهم المفرطة، إذ أصبح منظر العمالة من مختلف الجاليات وهي ترتدي الملابس الرثة، وتلج إلى المطاعم المكتظة، وتسكن في الأحياء البسيطة أمرا معتادا ولا يثير الانتباه لدى المواطن والمقيم من سكان الرياض، لكن اللبنانيين بأناقتهم وحسن مظهرهم يلفتون الأنظار وسط ذلك الموج المتلاطم من مختلف الجاليات، وحتى سكنهم لايقع إلا في الأحياء الراقية والغالية الثمن تلك هي أبرز المواصفات أو السمات التي يتميز بها أبناء الجالية اللبنانية في مدينة الرياض الكبيرة والمترامية الأطراف، وكما سبق أن سلطنا الضوء على كثير من الجاليات، ففي هذا العدد نطلع قراءنا الكرام على أبناء الجالية اللبنانية التي يعدها الكثيرون أنها من الجاليات المتميزة والطموحة والأنيقة حتى وإن قل عددها، فالأهم هو الكيف وليس الكم. المهاجرون أكثر من أبناء الوطن الأم لو سلطنا الضوء قليلا على لبنان، فسنعرف سر تميزها بعدد من الميزات، فهذا البلد الصغير الحجم الذي تزيد مساحته قليلا على عشرة آلاف كيلو متر مربع فقط، شهد من الأحداث ما يفوق حجمه وتعداد سكانه البالغ أربعة ملايين نسمة، إلى ذلك فإن اللبنانيين هم الوحيدون – ليس فقط على المستوى العربي أو الإقليمي – بل على المستوى العالمي من حيث إن عدد المهاجرين اللبنانيين في شتى أرجاء العالم يفوق التعداد السكاني للجمهورية اللبنانية، إذ يبلغ عدد المهاجرين اللبنانيين في مختلف أصقاع العالم ضعف التعداد السكاني وهو ما يعني أكثر من ثمانية ملايين مهاجر ينتشرون في كل بلدان العالم، وحققوا نجاحات مذهلة في شتى المجالات التي أمسكوا بزمامها وتولوا إدارتها سواء كانت إدارة شركات أو قيادة مؤسسات أو إقامة مشاريع أو حتى مشاركة في الحياة السياسية، وهناك أمر آخر وهو أن التعدد الطائفي والكتل البشرية الموجودة في الوطن الأم جعلتهم الأقدر على التعامل مع الآخرين والأكثر ديناميكية وحركة في أي موقع من مواقعهم. الجالية المتعاونة جرت العادة أن الدول تبعث بسفرائها وتفتتح سفاراتها من أجل تقديم يد العون والمساعدة للمقيمين من أبنائها في هذا القطر أو ذاك، لكن الأمر اختلف مع الجالية اللبنانية في المملكة، فهم الذين قرروا ألا يكلفوا خزانة دولتهم هللة واحدة، وأصروا على أن يقوموا بهذا الأمر على نفقتهم الخاصة، ففي عام 1985م انتقلت سفارة لبنان في المملكة العربية السعودية من مركزها في جدة إلى العاصمة الرياض بعد أن تم استئجار مبنى لهم مؤلف من طابقين في شارع العليا، لكن الجالية اللبنانية في المملكة العربية السعودية كانت دائما تطمح إلى إعمار سفارة للبنان تليق بهم وبوطنهم الأم، ومن هذا المنطلق، فبعد أن اشترت الدولة اللبنانية قطعة أرض في حي السفارات، أجرت حملة تبرع، وقد وضع حجر الأساس لإعمار هذه السفارة السفير اللبناني لدى المملكة زهير حمدان, وذلك في 22/11/1999، وقد شكل السفير حمدان في تلك الفترة لجنة برئاسته ضمت عددا من أبناء الجالية اللبنانية لجمع التبرعات التي أسهم بها شريحة واسعة منهم لتأمين السيولة اللازمة لإنجاز هذا المشروع دون تحميل الخزانة اللبنانية أي نفقات، وكان من أبرز الشخصيات الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورجل الأعمال روبير معوض وغيرهم من أصحاب المروءة من أبناء الجالية اللبنانية الذين لم يترددوا وسارعوا بدفع الأموال تطوعا وتبرعا ذاتيا غير ملزم من أجل إقامة وتشييد المبنى المميز لسفارة بلادهم، وبالفعل نجحت مساعي أبناء الجالية اللبنانية في إقامة المبنى المميز، حيث تم افتتاح السفارة من قبل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكان ذلك في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 2001، وذلك في احتفال حاشد حضره أبناء الجالية الذين غصت بهم هذه البعثة، وعقب الاحتفال البهيج الذي شارك فيه أبناء الجالية اللبنانية سارع السفير الللبناني لدى المملكة بسام النعماني بتقديم شهادة تقدير لكل متبرع من الجالية اللبنانية كعربون شكر وتقدير لهم للجهود المخلصة التي أثمرت عن بناء سفارة متميزة بموقعها وشكلها وجمالها، إذ تعد السفارة اللبنانية في الرياض أحد أجمل المباني في حي السفارات، فهي نموذج معماري فريد حيث يبرز فيها فن العمارة اللبنانية الأصيل، وهي تشمل مكاتب البعثة ودار سكن السفير وتقع على مساحة تقدر بخمسة آلاف متر. #2# سر التفوق اللبناني لا شك أن الجميع سمع ويسمع عن عدد من أبناء لبنان الذين تمكنوا من الوصول إلى أعلى المراتب السياسية، بل إنهم استطاعوا الوصول إلى سدة الحكم ويقول ماهر الحساني المقيم في الرياض إن لبنان بلد جميل وأهلها طيبون، وهم حين يتركون بلدهم يعملون جاهدين لتحقيق النجاح، ويسهمون في تطوير مسيرة الحياة في البلد الذي يعيشون فيه، مشيرا إلى أن الشهيد الحريري كان رجلا عصاميا وكريما مع وطنه وأبناء وطنه، وتمكن بجده ومثابرته ونجاحه المذهل من الوصول إلى سدة الحكم في وطنه الأم وتولى رئاسة الوزراء ـ رحمه الله عليه. كرماء ويحبون الضيوف ليس هناك منطقة أو حي أو مكان محدد يجمع أبناء الجالية اللبنانية في مدينة الرياض، ولكن تتفاوت نسبتهم من حي إلى آخر، فهم ينتشرون في الملز وفي العليا والسليمانية، وغيرها من أحياء الرياض، وتتفاوت كثافتهم من حي إلى آخر، لكن يندر أن تجد لبنانبا في منفوحة أو البطحاء الواقعة وسط الرياض، التي تكون عادة مكتظة بمختلف الجاليات العربية وغير العربية وعن السبب في ذلك يوضح لـ "لاقتصادية" سامي عياش المقيم اللبناني أن أبناء الجالية اللبنانية يتميزون عن غيرهم من الجاليات المنتشرة في الرياض بأن لديهم القدرة الفائقة على التعايش مع الآخرين، إضافة إلى ذلك فهم أكثر الناس كرما لضيوفهم ولو اضطروا للاستدانة حتى يتمكنوا من إكرام الضيف دون أن تفارق البسمة شفاههم، مشيرا إلى أن غالبية أبناء الجالية اللبنانية لا يفضلون العيش في الأماكن الضيقة والمنازل المهدمة التي يطلقون عليها (العزب) نسبة إلى العزاب الذين يعيشون فيها، لكن يتجمع أكثر من شخص لبناني ويتعاونون على جمع مبلغ لا بأس به، ومن ثم يبدأون في البحث عن فيلا واسعة يستأجرونها ويقومون بترتيبها حتى تكون مكانا لراحتهم وقضاء أوقاتهم سواء في السهر أو استقبال الضيوف، فاللبنانيون يتفاخرون بسكنهم النظيف والمميز. نظرة خاطئة يؤكد المقيم اللبناني عبد الرحمن البطل أن الكثير من أبناء الجاليات الأخرى العربية وغير العربية وحتى الأشقاء السعوديين يعتقدون أن اللبناني يميل إلى الأعمال الإدارية المريحة التي لا تتطلب جهدا شاقا حتى ولو كان الراتب قليلا، موضحا أن هذه النظرة خاطئة تماما، وقال "صحيح أن اللبناني يحب أن يكون أنيقا ولا يفضل ارتداء الملابس المزرية, وهذا شيء يحسب له وليس عليه، فينبغي للإنسان أن يكون حسن المظهر في المكان الذي يعمل فيه، لكنه في الوقت ذاته ومهما بلغت درجة أناقته فإنه لو وجد فرقا كبيرا في المرتب الذي سيحصله، فسيفضله على العمل الإداري المريح"، وسيقوم به مهما كان شاقا ومرهقا، مشيرا إلى أن من يعتقد أن العمل الإداري ليس مرهقا، فهو مخطئ ويضيف: "نحن اللبنانيين ندرك أن الوقت لا يسير في كثير من الأحيان لصالح الشخص، فمن يركن إلى قوته وشبابه ويتمتع بمباهج الحياة سيدفع ثمنا غاليا حين يتقدم به العمر, لذلك فإن اللبناني يتميز عن غيره باغتنام الفرص التي تلوح أمامه ولا يفوتها أبدا، ويضيف "صحيح أن اللبنانيين يعشقون العمل وتحقيق المكاسب والتوفير للأيام العصيبة، ولكنهم يعشقون الراحة وقضاء وقت ماتع، وهذا الأمر ضروري بالنسبة لهم، فلا يرغبون أن يكون يوم إجازتهم مزعجا أو يتكدرون فيه، فمن يستمتع بإجازته يعود إلى عمله نشيطا ويكون أكثر إنتاجا من غيره".
إنشرها

أضف تعليق