الكلمات الأولى مفتاح إما أن يؤدي بك إلى طريق طويل تسلكه وإما أن يكون المفتاح صدئا تتعثر عليك إدارته بشكل جيد لمواصلة الطريق بعده. والحكايات كذلك إن لم تسحبك وتعجنك في تفاصيلها وأحداثها سيتعذر عليك التأقلم معها. أمين معلوف من القلة التي تجيد نسج خيط يشدك ويسحبك إلى دهاليز الحكايات ليعيد تشكيل ارتباطك بالوقت ويفصل تضاريس تجعلك تلتصق بروايته ذات النكهة التاريخية من الجملة الأولى.المذاق التاريخي السائد في أعمال معلوف لا يسمح لذهنك بالاتجاه نحو الكلاسيكية والتقليدية ولا يحملك على توقع الحكاية أو التفكر في مصداقية المعلومة التاريخية وعن مدى تحققها فعلا أو كونها مجرد أصباغ لون بها نصوصه ليصعد بها إلى ألق التاريخ, وأمين حين يكتب لا تهمه الحكايات الكبيرة ولا يدخل من البوابات العريضة إذ يكتفي بالمرور ببوابة صغيرة في حاشية الوقت كبوابة طوارئ محشورة في مبنى ضخم ليجعل منها الحدث الضخم رغم أنها ليست إلا بوابة متشبثة بالمبنى الضخم, ويجعل البوابات العريضة لا تتعدى كونها حاشية. اللافت أكثر في كتابته أنه رغم دقة التصاقه بتفاصيل الحكاية إلا أنها تبتعد عن كونها تفاصيل مكررة ومملة رغم أن الفترة التي تتناولها الرواية ـ غالبا - لا تكون طويلة بالنظر إلى الكتب التاريخية التي تتحدث عن مقاطع وقتية عريضة؛ فهي في رواية (رحلة بالداسار) على سبيل المثال لا تستوفي الأحداث إلا عامين, وفي (سلالم الشرق) تنحشر الأحداث في أقل من عشرة أيام. ومع هذا فإن الميزة الأبرز أن الحدث التاريخي ـ البطل - إن جاز لنا هذا التعبير, ليست إلا جزءا في كواليس الوقت الفعلي؛ ففي رواية (رحلة بالداسار) يترك بطل الحكاية أسرار 99 اسما إلهيا باحثا عن الاسم المائة؛ حكاية يترك فيها أمين الفتنة التي تزلزل أركان الدولة العثمانية والانقسام بين الطوائف اليهودية, ويركض مع بطله الجنوي في أسفار البحث عن الاسم المائة. وتتكرر الحالة في سلالم الشرق, بل حتى في أسطورته الرائعة (سمرقند) وما تحمله في طياتها – على اعتبار أنها من القطع التاريخي الطويل - من أحداث ممتدة منذ نشأة الخيام وفتنة الموت والحشاشين وكل الأحداث الضخمة إلى غرق السفينة الأسطورة, وتكسر حكايات كل من كان على متنها, والأعداد البشرية الهائلة التي التقمتها المياه؛ ويمسك بطرف واحد؛ يتجاهل فيه صراخ الغرقى وحكاياتهم التي غصت بها الكتب ويتمسك برباعيات الخيام .. زهرة الشرق التي احتضنتها زهرة الغرب.. الحضارتان .. الزهرتان الغارقتان لينشد في (سمرقند) لحنا لا يذبل.
أمين معلوف القلم العربي المهاجر الذي يشرفنا بتقديمه صورة مضيئة متوهجة؛ ذات عزف منفرد وبنكهة تاريخية محببة وغير تقليدية؛ تاريخ هو في واقع التاريخ كواليس ولكنه بالتأكيد التاريخ الرواية التي لا تمل أبدا.

