الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

المبارك : التقليد أدى إلى تأصيل الجهالة وتعطيل المعرفة ومخالفة تحفيز الشرع للتفكير

هيثم السيد
الثلاثاء 6 يناير 2009 2:41
المبارك : التقليد أدى إلى تأصيل الجهالة وتعطيل المعرفة ومخالفة تحفيز الشرع للتفكير
المبارك : التقليد أدى إلى تأصيل الجهالة وتعطيل المعرفة ومخالفة تحفيز الشرع للتفكير

أرجع الدكتور راشد المبارك أسباب ماوصفه بالخفوت الفكري لدى المسلمين إلى اعتمادهم على التقليد ليس بوصفه أداة استفادة وتطوير وإنما بتحويله إلى تأصيل الجهالة والتحول من حالة عجز الفرد إلى عجز المجتمع ككل، واعتبر المبارك صاحب الأحدية الشهيرة في الرياض أن المفكرين وحدهم لم يحظوا بالتقدير الذي ناله غيرهم من المشتغلين بأمور أخرى عبر التاريخ الإسلامي.

كان ذلك في لقاء منبر الحوار الذي أداره محمد الهويمل وجاء تحت عنوان(المسلمون والفكر) وشهده عدد كبير من المثقفين تباينت آراؤهم وزواياهم النقاشية حول الفكرة المطروحة، حيث بدأ المبارك بتقديم نبذة مختصرة عن مفهوم الفكر فاعتبره غاية ووسيلة في الوقت نفسه، مشيرا إلى أن الحرية تمثل إحدى أهم مقوماته, فضلا عن كونه يتجاوز مجرد التنظير إلى التجسد من خلال الثقافة والسلوك والتصرفات، وأوضح في هذا الجانب أن حوادث التاريخ - باستثناء الأحداث الكونية - تعود جميعها إلى منطلقات فكرية. 

#2#

وقد قام انتقاد المبارك لظاهرة التقليد السلبي على حقيقة أنها تعطيل للفكر عن معرفة كثير من الأشياء في الذات والكون  وهو ماقاد إلى ضعف معرفي عام  في الوقت الذي يحث الله تعالى فيه المسلمين على التفكر في أسرار الوجود والخلق.

كما تناول كذلك في سياق حديثه عن أسباب الخفوت الفكري ظاهرة الوقوع في صناعة الكلام بشكل يمكن لمسه بوضوح في التاريخ العربي الذي كان يعتد بالصوت أكثر من الفكر, حيث كانت تقام الاحتفالات في أي قبيلة بمجرد أن يبرز فيها شاعر أو خطيب بغض النظر عن ما حمله من مضمون بلاغي أو معرفي، وأضاف المبارك "كان هذا التصرف في الجاهلية ولم يكن لائقا بالإسلام ، حيث أتى الدين الحنيف بالحث على استنهاض العقل وتحفيز الفكر، غير أن هذه الموجة استمرت ونتج عنها كثير من المؤلفات التي تناولت صانعي الكلام بالدراسة والاحتفاء, ومن ذلك أحد أشهر الكتب العربية وهو (صبح الأعشى في فن صناعة الإنشاء)" وزاد قائلا "لم يكتب أحد شيئا عن الاقتصاد باستثناء كتاب الخراج لأبي يوسف, ولا في الاجتماع باستثناء مقدمة ابن خلدون، ولم نشهد أي إسهامات تذكر في مجالات الفيزياء والفلك والعلوم الأخرى، فإذا نظرنا للكيمياء لوجدنا أنها بدأت بجابر بن حيان وانتهت به، وكذلك علم الجبر الذي لم يعرف غير الخوارزمي، وكذا لم يأت من وسع دائرة البحث العلمي في الضوء بعد الحسن بن الهيثم" واعتبر المبارك أن الذين اشتغلوا في الفكر واجهوا الشعور بالدونية والتهميش, في حين كان الشعراء يجدون تكريما مضاعفا، فضلا عن ماكان يواجهه بعض العلماء من صور نمطية تشوه سمعتهم, كما حدث في مقدمة ابن خلدون التي وصفت ابن حيان بالسحر.

 وعلى سبيل الاستشهاد بسطحية الاحتفاء بصانعي الكلام في التراث العربي يستعرض الدكتور المبارك برؤية نقدية  بعض الأبيات للشاعر امرئ القيس صاحب المعلقة المعروفة ويخلص إلى أنها تحمل أسلوبا سمجا يخلو من الإشراقات البيانية, لينتقد في هذا السياق ما وصفه "بتدجين الأذواق" من خلال تربية الأجيال على الإعجاب بشاعر أو تصويره على أنه نموذج أدبي أو فكري بينما يكون هو أقل من ذلك بكثير.

جاءت المداخلات فيما بعد لتحفز فكر هذا اللقاء باتجاه أسئلة مهمة كان المحاضر يرحب بها, مرددا رغبته في أن يكون مستقبلا أكثر منه مرسلاً، فبدأ الدكتور عبد الله الوشمي بسؤال محوري حول من عطل آلية التفكير في الوقت الذي كان الشرع يحفز عليها، تحدث بعده عبد الله الشهيل عن مواقف حضارية وتاريخية مستعرضا بعض التصورات الفكرية التي عرفت عن العرب منذ فترة طويلة ومن ذلك وصفهم بسرعة الغضب وقلة الصبر وارتباطهم الذهني بالمحسوس, وقال الشهيل "لو أن البدايات العلمية العربية وجدت بيئة محفزة لنجحت في تكوين مدارس وأصبحنا قادة العالم".

من جانبه اعتبر الدكتور عز الدين موسى أن الفكر "مدجن ومقلد" وأشار إلى وجود مشكلة متأصلة فيه فضلا عن وجود نماذج مختلفة منها فكر يبرر الواقع ولا ينتقده، وفكر توفيقي يربط بين المفاهيم رغم اختلافها، في حين أرجع عبد الله الدحيلان أسباب الأزمة في الفكر إلى عوامل منها التخلف الاجتماعي والتشدد الديني والقبلي وتساءل "هل عجزت الأمة عن إنتاج فكر جديد وتوقفنا عند ابن الهيثم ؟" وغير بعيد عن هذه الرؤية جاءت مداخلة الشاعر صالح العمري لتفترض أن الوضع الفكري الآني يمثل جاهلية حاضرة أكثر من جاهلية الأمس, رابطا ذلك باختلاف الوسائل واتساع الإمكانات التي يستغلها الفكر حاليا، وأضاف "مازلنا ننظر إلى الخلف ونكتفي بقراءة التاريخ وما زالت منابرنا  لا تجيد سوى فن الكلام والسؤال هو كيف نتحول من الصوت إلى الفعل؟"، وقد ذهبت بعض المداخلات إلى أن اللقاء خرج عن موضوعه الأساسي حول المسلمين والفكر ليتحول إلى استعراض تاريخي في حين اقترح له البعض عنوانا آخر هو "أسباب تأخر العرب في العلوم الطبيعية"!!

وقد اختتم الدكتور المبارك بتأكيد فكرته حول أهمية الحرية في تكوين المنتج الفكري، مشيرا كذلك إلى أن كل مفكر عاقل ولكن ليس كل عاقل مفكرا، في حين اعتبر أن الفلسفة عامل محفز للفكر غير أنها لاتستطيع صنع حضارة، وقد نجحت تعقيبات الدكتور المبارك في إيضاح كثير من الرؤى من خلال الاتفاق مع مايطرح أو إبداء وجهات نظر قابلة دائما للنقاش, بينما كان يعلق على بعض الأسئلة بأنها تحتاج إلى محاضرات خاصة بها، وبشكل عام فقد استطاع عمليا تجسيد حالة الفكر الذي اعتبره وسيلة وغاية في الوقت ذاته كما وصفه بأنه "ناقد لنفسه وهو المتغير المستقل".

يشار إلى أن منبر الحوار سيعقد جلسته القادمة يوم السبت -20/1/1430هـ الموافق 17/1/2009 وذلك تحت عنوان"نقد ظاهرة الصحوة في الرواية السعودية الجديدة"حيث يتحدث فيها كل من الكاتب عبد الواحد الأنصاري والكاتبة أسماء الزهراني.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية