استمعت إلى أحاديث كثير من الناس خلال الشهر الماضي، حيث كان كثير منهم يسألونني عن فرص العمل المتاحة أمام حملة شهادة الماجستير في مجال النشاط العملي، وكذلك عن وظائف أعضاء الهيئة التدريسية ، ووظائف الخريجين السابقين، وما إذا كنا نواجه مخاطر من نوع خاص في هذه الظروف. وسألني بعضهم عما نقوم به بخصوص كل هذه الأمور، وكذلك ما دورنا في مستقبل كليات النشاطات العملي.
إنني لا أقول، وكذلك لا أدعي، بأن لدي كل الإجابات الشافية عن هذه التساؤلات، ولكن لدي بعض الأفكار بهذا الخصوص. أولاً، إنني على قناعة بأن كثيرا من المشاكل التي نواجهها في هذه الأيام ليست ناجمة عن الجشع وحده، بل أكثر من ذلك عن نقص في مستويات الثقة. وأعتقد، إضافة إلى ذلك، أن الموظف على العموم الذي يحتمل أن يكون خريج إحدى كليات النشاط العملي، يفتقر بالفعل إلى القدرة على توجيه الأسئلة الصحيحة. ورأينا ذلك في حالة شركة إنرون، حين كان المسؤول المالي، أندرو فاستو الذي يتحدث بسرعة عالية، يشق طريقه دون وجود أحد يسأله عما يفعل، أو يتحداه فيما يتولاه من مهام. ورأينا الأمر بصورة مشابهة لذلك أيضاً في وورلدكوم. وكانت هذه الأحداث ضمن تطورات قريبة يمكنني الحديث حولها. ولدينا الآن كثير من ذلك في الأزمة الحالية في صورة منتجات مالية مهيكلة لا يمكن لكثير من الناس فهمها.
إنني أتساءل أين كان أولئك المتعلمون جيداً، والمتنورون، بحيث كان واجبهم أن يقوموا بتحدي المنطق التي تستند إليه هذه الأمور؟. ولقد كانت تنقصهم مستويات الثقة المطلوبة، حيث وجدوا أن من غير المناسب، أو المريح، توجيه أسئلة إلى أشخاص في مستوى الرؤساء التنفيذيين. ولذلك لم يسألوا الأسئلة المهمة مثل: ما الذي يعنيه ذلك، وما قيمته الفعلية، وهل هو ملائم؟ والواقع هو أن هذه أسئلة صعبة لأنها تعرض السائل لكل أشكال غضب مبتدع المنتج المالي على شاكلة فاستو.
وأما المشكلة الأخرى في هذا المجال، فهي طبيعة القادة . فحين ننظر في أمور هذه الأزمة المالية، فإننا نجد أن كثيراً من الشركات التي تواجه المشاكل في الوقت الراهن كانت تحت قيادات أمضت فترات طويلة في ممارسة مهامها. وقد تكون تلك القيادات شكلت فرق عمل ممتازة خلال تلك السنوات، ولكن هل كانت هذه الفرق تداري بعض البعض بصورة مبالغ فيها ، بحيث امتنعت عن التحديات المتبادلة، أو تحدي ذلك الشخص الذي يتربع فوق القمة؟
سبق أن قلت إنني لا أملك جميع الإجابات. وإن الأمر الذي أعرفه هو أننا ككليات للنشاطات العملية، فإننا بحاجة إلى أن نتولى تعليم الأساسيات، كما أن علينا كذلك أن نعلم طلابنا أن يكونوا متشككين، ومتسائلين، ومتحديّن للتفكير التقليدي. ولابد أن يتحلى حملة شهادات الماجستير في النشاطات العملية بالثقة اللازمة لتوجيه الأسئلة الصعبة، وألا يرضوا بالإجابات، حتى يحصلوا على الحقائق المطلوبة.
علينا كذلك أن نزرع الثقة التي تجعل الناس تواقين إلى الأمور الجديدة، وليس الاكتفاء فقط بالحصول على الوظيفة لأنهم تمنحهم رواتب جيدة. وإن الثقة بالقدرة على إعادة اكتشاف المرء لذاته، في مراحل متعددة، تعمل على إيجاد فرص الإبداع، وتحفيز عقلية الإقدام على إنشاء المشاريع بصورة جريئة، وتضمن ألا تبالغ فرق العمل في اللجوء إلى التخندق والانكفاء على الذات.
هنالك في هذا المجال كذلك دروس يمكن أن تستفيد منها مجالس الإدارات، ومديرو الشركات. فكم من مجلس يقبل بكل تأكيدات ومعلومات الإدارة دون أن يتولى أعضاؤه توجيه الأسئلة القاسية، وفهم فحوى الإجابات المقدمة، وكم من مجلس سمح ببقاء مديري الشركات في مناصبهم دون وجو خطة خلافة ملائمة؟
الحقيقة هي أنه حين تترسخ الثقة، وكلي أمل أنها سوف تفعل ذلك، فإنه لابد من توجيه اللوم إلى جهات المتعددة. وإنني متأكد من أنني سوف استمر في تلقي مزيد من الأسئلة الصعبة. وبالنسبة إليّ شخصياً، فإنني سوف أمضى في التركيز على المستقبل، وكذلك ضمان أن يستمر تعلم طلبتنا من خبرات الماضي، حيث هنالك تراكمات لخبرات لا يمكن تجاهلها.
عميد انسياد.

