الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

بالنظر إلى أفق السماء المضاء بنور الشمس في حي مانهاتن في نيويورك من على سطح طائرة مائية تحمله إلى عمله، لابد أن يكون بيرنارد مادوف، شعر بأنه على قمة العالم.

في أواخر فترة الثمانينيات من القرن الماضي، حين كان روتينه الصباحي يشمل الرحلة القصيرة من لونج آيلاند، إلى إيست ريفير، وهي على مرمى حجر من مكتبه في الحي المالي لنيويورك، حينها كان مادوف مجرد مشغّل ناجح في "وول ستريت".

كعضو بارز في صناعة السندات المالية لديه روابط وطيدة مع الطائفة اليهودية الثرية، حيث يقسّم وقته بين نيويورك وفلوريدا، ومن ناحية أخرى كان مادوف يعيش نمط حياة اعتياديا بكل وضوح، وكان من الممكن أن تُغفر له اللمسة المسرفة الخاصة بالتنقل الجوي.

لكن بعد أن قال المدعون الأمريكيون إنه اعترف أخيراً بما يمكن أن يكون أكبر احتيال أُرتكب حتى الآن، فلن يكون أي شيء عادياً من الآن فصاعداً بالنسبة لمادوف البالغ 70 عاماً من العمر.

لن يكون هنالك المزيد من الطائرات المائية بعد أن طلبت المحكمة من مادوف أن يخضع للمراقبة الإلكترونية، وأن يبقى في شقته في مانهاتن من الساعة 7 مساءً حتى 9 صباحاً. وانتهى أيضاً تملّق المستثمرين الأثرياء الذين اعتادوا أن يتوسلوا "بيرني" لكي يأخذ أموالهم، واُستبدل ذلك بالصدمة والألم بسبب الخسائر المالية الضخمة، وخيانة الثقة.

بينما بدأت التفاصيل بالظهور على السطح فيما يتعلق بـ "نمط بونزي – Ponzi Scheme" الذي يُزعم أنه تم الاحتيال عن طريقه بما يعادل 50 مليار دولار (أي 33 مليار جنيه استرليني، أو 36 مليار يورور)، على مستثمرين تراوحوا من بنك إتش. إس. بي. سي، وهو البنك البريطاني العملاق، إلى المحسن ستيفين شبيلبيرغ، مخرج الأفلام، يبقى سؤال جوهري واحد لا يجد إجابة. كيف تمكن بيرني من استغفال هذا العدد الكبير من المستثمرين طوال هذه الفترة؟

إن أولئك الذين التقوا بمادوف خلال فترة حياته المهنية التي بدأت في عام 1960، حين أسس شركة السندات المالية برأسمال بلغ 5,000 دولار أمريكي كسبهم لدى عمله في مجال تركيب رشاشات الحدائق، وحراسة شواطئ لونج آيلاند، وهم يتحدثون عن رجل خاص، ومتواضع. "آخر شيء كان يريده بيرني مادوف هو الشهرة"، كما يقول أحد مرافقي سفره على متن الطائرة المائية فوق إيست ريفير.

إنه أنيس ومهذب، ولكنه ليس ثرثاراً بصورة مبالغ بها، كان مادوف ناشطاً في على الصعيد الاجتماعي والخيري في مانهاتن، وبالم بيتش، وهي بلدة في ولاية فلوريدا التي تخدم كملاذ لأثرياء نيويورك.

على الرغم من ثروته، حيث يملك يختاً، ومنازل في بالم بيتش، وكاب دي أنتيبس في فرنسا، وكذلك شقة في أبر إيست سايد، فلم يكن مادوف متميزاً من بين حشود الأشخاص الأثرياء البالغين منتصف العمر مع من كانت علاقاته الاجتماعية قائمة. "كان هادئاً"، كما يتذكر تشارلز جرادنانيت، وهو مستشار صندوق تحوّط كان يلتقي به بصورة متكررة في الجولة الاجتماعية في بالم بيتش. "حين كنت أراه في حفلات الكوكتيل، كان يجلس في زاوية، وكان المستثمرون يتوجهون إليه. ولم يكن يتمتع بشخصية ساحرة؛ ولم يكن يُظهر الثقة".

كان سينيو فيجليوذي، صاحب متجر إيفيرجليدس للحلاقة في بالم بيتش، يقص له شعره، ويقوم بجلسات رعاية للوجه، والجسم، والأظافر على مدار 17 عاماً، ولكن نادراً ما كان يسمعه يتحدث عن التجارة. وهو يصف مادوف بأنه "رجل لطيف للغاية، حيث كان دوماً مهذباً، ونبيلاً"، ويقدّم البقشيش المتعارف عليه بـ 20 في المائة.

لكن خلف تلك الشخصية العادية، كان مادوف يحيك شبكة معقدة من العلاقات التي جذبت المزيد والمزيد من المستثمرين إلى جحره. وإن أنماط بونزي، وهي ترتيبات هرمية سُميت على اسم المهاجر الإيطالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، الذي كان أول من حاول القيام بعملية احتيالية في فترة العشرينيات من القرن الماضي، تُعتبر أساليب احتيال غير معقدة نسبياً، حيث لا يسدد المنظمون المستثمرين القدامى بأرباح أصلية، ولكن بأموال من المستثمرين الجدد. ويزعم المحققون أن مادوف كان يعمل بهذه الأنماط منذ عام 2005 على الأقل.

إذا كان بالفعل احترف واحدة من ذلك، فلم تكن هنالك علامات ظاهرية حين أضاف مادوف، قبل ما يزيد على عقد من الزمن، شركة استثمارية إلى دار السمسرة الخاصة به، ومن ثم لاحقاً انتقل إلى ناطحة السحاب الطويلة والرفيعة التي تُعرف بـ "بناية ليبستيك". وبالسمعة التي يحظى بها، كصانع سوق رائد، ووسيط بين المشترين والبائعين في بورصة ناسداك، وهي سوق الأسهم التي ترأسها لبضعة أعوام، لم يكن مادوف استثنائياً في انتقاله من السمسرة إلى الاستثمار.

إضافة إلى ذلك، لم يكن يبدو من الغريب كونه رجلا صنع نفسه بنفسه بمكانة معينة في المجتمع اليهودي، أن استفاد مادوف من أصدقائه ومعارفه الشخصيين من مجتمع نيويورك، ومن كونتري كلوب المميز في بالم بيتش.

من المؤكد، أن مادوف لم يحاول الارتقاء إلى أعلى دوائر الحياة الاجتماعية الأمريكية، حيث يهيمن على الحفلات نجوم الأفلام، وملوك المال، مثل دونالد ترمب، أو أثرى أثرياء المتبرعين مثل ساندي ويل، وهو رئيس "سيتي جروب" السابق. وبينما كانت دائرته أكثر حميمية، ومجموعة أقل بهرجة، وفقاً لما جاء عن ديفيد باتريك كولومبيا، وهو محرر "نيويورك سوشيال داياري دوت كوم" – وكان يعيش ضمن مجتمع متماسك بصورة محكمة تتمركز فيه جماعة محلية من اليهود الموجودين في أبر إيست سايد، والمؤسسات الخيرية.

العديد من أولئك الناس غير الدنيويين، وهم في العادة من كبار السن، سعوا إلى زيادة عدد مردودات تقاعدهم دون المخاطرة إلى حدٍ كبير، واعتقدوا أنهم وجدوا القدح المعلى في سجل مادوف الذي يُحسد عليه: حيث تفوق باستمرار على مديري صناديق آخرين، وعلى السوق، عاماً تلو الآخر.

"إن هذا مجتمع من اليهود الأثرياء الذين يقيمون بشكل أساسي علاقات اجتماعية بعضهم مع بعض. وهم محبون لعمل الخير للغاية، وكل منهم يدعم الأعمال الخيرية لغيره"، كما يقول كولومبيا. "وبرغم ذلك، لم يكن مادوف أحد كبار الأعضاء في ذلك المجتمع، ولكن نشاطه التجاري جعل منه رجلاً معروفاً، حيث أصبح رمز النجاح المالي بالنسبة إليهم".

لكن بعد بضعة أعوام، انتشرت كلمة قيلت عن قدرة مادوف على توليد عوائد ثابتة، من خلال تطبيق استراتيجية تبدو بسيطة تعتمد على شراء حصص من شركات كبيرة وبيع الخيارات بالأسماء نفسها لتخفيف المخاطر، خارج دائرته الداخلية. وعلى الرغم أن المزيد والمزيد من الناس كانوا ينضمون إلى أداء مادوف المتسق بصورة رائعة، فإنه كان يلعب اللعبة بكل هدوء. "فلم يلحّ قط على الاستثمار معه: بل كان يرفض بعض الناس أحياناً، ويقول لهم، "هذا لا يصلح لك،"، كما يذكر جاردانيت. "كل ذلك أُضيف إلى اللغز، ودفع الناس إلى المشاركة في اللعبة".

تقول باربارا روزينتال، وهي وكيلة عقارات في بالم بيتش، إن موقف مادوف جعل الناس يشعرون "بأنهم محظوظون إذا تسنى لأحدهم التحدث إليه"، بينما يتذكر أحد المقيمين كيف أن العديد من الناس اشتركوا بـ "كونتري كلوب " لكي يتسنى لهم الالتقاء بذلك الرجل. ويقول الخبراء في مجال "شبه عمليات الاحتيال" إن الطلب القوي على خدمات مادوف، وحقيقة أن العديد من المستثمرين كانوا يصلون إليها عن طريق "أصدقاء"، اتسم بعاقبة وخيمة: إن أولئك الذين كان يوافق على ضمهم إلى اللعبة شعروا بأنهم حازوا صفقة مميزة، وكانوا أقل رغبة في طرح الأسئلة.

لكن بينما أصبحت شبكة الأصدقاء والعائلة غير كافية لإشباع رغبات المستثمرين التوّاقين بشدة من أجل الحصول ولو على جزء من عوائد مادوف الخارقة، بدأ العمل بنظام تسويق غير رسمي. ففي بالم بيتش، كان أحد أهم وسطاء شركة مادوف، روبرت جيف، وفقاً لما جاء عن عدة مستثمرين. وكان أنيقاً، ومتحدثاً جيداً، حيث حصل جيف على عدد من الأفراد والأعمال الخيرية لوضع أموالهم في شركة بيرنارد مادوف للأوراق المالية الاستثمارية.

إن جيف هو صهر كارل شابيرو، مؤسس شركة الألبسة، "كاي ويندسور"، ومحسن معروف في بوسطن. ويُعتقد أن مؤسسة شابيرو فقدت نحو نصف أصولها البالغة 345 مليون دولار، ويُعتقد أنه هو وعائلته تكبدوا خسائر ضخمة نتيجة لانهيار شركة مادوف.

لا توجد أية إشارة إلى أن جيف، ولا أي فرد من أفراد عائلته، كان على علم بشأن عملية مادوف الاحتيالية المزعوم بها. ولم تجب متحدثة رسمية باسم جيف على المكالمات.

بينما مرت الأعوام دون أية إشارة إلى انخفاض الأداء، فإن مجسات عمليات مادوف بدأت بالتمدد إلى ما هو أبعد مروج بالم بيتش المشذبة، وناطحات ساحب مانهاتن. وتشمل القائمة الطويلة للضحايا المحتملين بسبب أفعاله المزعومة بنكين خاصين، سويسري، وأمريكي، وصناديق تحوّط مملوكة من قبل شركات تأمين كبيرة، مثل "ماس ميوتشوالز تريمونت كابيتال مانجمنت"، وكذلك أسماءً مشهورة، مثل فريد ويلبون، صاحب فريق نيويورك ميتس لكرة البيسبول.

هنالك مستثمرون مرموقون آخرون، مثل مؤسسة فوندركيندر لصاحبها شبيلبيرج، وغيرها من المؤسسات الخيرية التي تشرف على الانهيار الآن، حيث مرّت بالأسلوب الأكثر تقليدية، مقارنة بمستشاريهم الماليين القدامى.

كان بعض الصناديق التي غذت أموال دولية في عملية مادوف تُدار من قبل ممولين معروفين مثل والتر نويل، مؤسس مجموعة فيرفيلد جرينويتش. وكونه مصرفياً سابقاً، تلقى تعليمه في جامعة هارفارد، كان مويل يتمتع بالقدرة على الوصول إلى المستثمرين حول العالم، إلى حدٍ ما بفضل مساعدة أندرياس بيدراهيتا، وهو مصرفي ذو ارتباطات قوية بصورة حيدة، وهو صهر نويل، ويُدير فيرفيلد في أوروبا، وأمريكا اللاتينية.

رفضت فيرفيلد، وهي الضحية الكبرى في عملية احتيال مادوف المزعومة بما يعادل 7.6 مليار دولار مستثمرة في شركته، التعليق على الأمر.

كان "سكوت بارتنرز"، وهو صندوق تحوّط مُدار من قبل إزرا ميركين، رئيس مجلس "جي. إم. أيه. سي"، الذراع الممولة السابقة لشركة جنرال موتورز التي تملكها الآن "سيبروس"، مجموعة الأسهم الخاصة، عضواً ناشطاً في تمويل شركة مادوف. ولم يكن بالإمكان الوصول إلى سكوت، وميركين كذلك.

كان لدى "الصناديق المغذية"، حيث تمت مضاعفة عوائدها بمليارات الدولارات من قروض من بنوك مثل "إتش. إس. بي. سي"، و"رويال بانك" الاسكتلندي، حوافز قوية لإقناع المستثمرين لوضع أموالهم لدى مادوف: عوائد مجدية. وامتنع عن الاقتطاع القياسي الذي يبلغ قدره 20 في المائة من الأرباح الذي اتبعه أغلب مديري الصناديق، ولم يتم فرض أعباء مالية على الصناديق المغذية عموماً، سوى رسوم التداول.

بصورة بالغة الأهمية، لم يبدُ أن العديد من المستثمرين تحدّوا الهيكلة غير العادية، ناهيك عن عوائد مادوف الجيدة بصورة مريبة على مدار السنين. وأولئك الذين تحدوّا، لم يرتاحوا لإجابات مادوف، حيث قال جيم هيدجز، وهو مدير أصول، إنهما حين التقيا فإن ذلك كان في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وكان مادوف غير قادر على شرح استراتيجيته الناجحة. "لم يكن كثير التحدث والجدال، وبدا مهتماً بإنهاء اللقاء بسرعة قدر الإمكان"، كما يقول هيدجز، الذي امتنع عن الاستثمار.

ويتذكر خبير آخر في صناديق التحوط أنه دنا من مادوف مرة في إحدى الحفلات، ومازحه بأن أداءه كان أفضل من أن يُصدّق. فضحك مادوف ضحكة خافتة، وقال: "الكثير من الناس يقولون لي ذلك".

الآن، وبينما يتأمّل المستثمرون بعمق في دمار الصرح المالي الذي بناه، فإن المأساة هي أن من بين ذلك الجمع الكبير من الناس، فإن قليلين جداً منهم توقفوا ليسألوا أنفسهم عن السبب.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية