المسكن الخاص هو حلم العمر لشريحة كبيرة في مجتمعنا السعودي، وطموح رب الأسرة يتركز في توفير المنزل المثالي في الموقع المناسب شاملا جميع الخدمات وقريباً من المرافق الأساسية بما يلبي كل متطلباته الحالية والمستقبلية، ويفضل غالبيتهم أن يشتمل المسكن على المجالس والغرف وصالة المعيشة والمطبخ وغيرها حسب ظروف وتقاليد الأسر السعودية، وهذا التوزيع يحتاج إلى مساحة بناء مناسبة. ومع تقدم الوعي البشري وتطور العلوم العمرانية بقدوم الألفية الثالثة، ظهرت حلول مبتكرة أوجدت طرقا اقتصادية لبناء المسكن المناسب، إذ يرى خبراء في الهندسة القيمية أن هناك إمكانية لبناء منزل بتكلفة نموذجية أقل من التكاليف الباهظة التي يتكبدها البعض. وقدمت كثير من الدراسات التي نفذها متخصصون في الهندسة المعمارية والقيمية معلومات تشير إلى أن هناك إمكانية لبناء منزل بتكاليف لا تزيد على 250 ألف ريال في حالة توجه المجتمع إلى اعتماد طرق وبدائل جديدة للبناء بعيدا عن الأساليب التقليدية التي تقتصر حاليا على الأسمنت والخرسانة المسلحة.
وفضلا عن تنوع طرق وأساليب البناء التي تدعو إليها الدراسات الاقتصادية حاليا في السعودية من أجل تخفيض تكلفة بناء المساكن, فإن البوادر الحالية تشير إلى أن الأسر السعودية الشابة بدأت تتجه إلى امتلاك مساكن أصغر حجما من المساكن التي كانت تنتشر خلال فترة الطفرة الاقتصادية والتي كانت تكلف باهظا, خاصة أن الظروف المعيشية تبدلت, فضلا عن ارتفاع معدلات النمو السكاني.
ومن مشهد النمو المتسارع للمشاريع العقارية في السعودية في المجالات كافة، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بمجال المساكن الخاصة، والتي نتجت على أثر تزايد الطلب من السكان عليها، أكدت نتائج دراسات محلية ودولية أن الحاجة إلى توفير مساكن في السعودية تزداد بنسب تراوح بين 7 و10 في المائة سنويا، وذلك بسبب ارتفاع النمو السكاني في العديد من المدن السعودية مثل العاصمة الرياض التي يصل عدد سكانها إلى نحو ستة ملايين نسمة حالياً، بجانب أن تعدادهم يتزايد كل عام بفضل الهجرة السكانية إليها وزيادة نسبة المواليد مما يرشح أن يصل عدد سكانها إلى ثمانية ملايين نسمة في زمن قريب.
تعد تكاليف المسكن الخاص هي العقبة الأولى أمام الباحثين عن بيت الأحلام، وعلى الرغم من أن الدولة ضاعفت من عدد القروض العقارية الأعوام السابقة ووفرت مشاريع الإسكان الخيرية, ومساكن ذوي الدخل المحدود, إلا أنها لم تكف للحد من غلاء المساكن. وأسهم في ذلك أثر العوامل والمتغيرات المختلفة في سعر الأراضي السكنية التي ألقت بظلالها على أسعار المساكن.
المهم في هذه المسألة للحد من الغلاء الباهظ في بناء المسكن وحتى لا تتفاقم المشكلة وتصبح صعبة الحلول أو تكون لها نتائج سلبية على المستثمرين، وللحد من هدر الأموال نتيجة للعشوائية في البناء, فإن الأمر يستوجب الرجوع إلى التوصيات الصادرة حديثاً في الملتقيات والمؤتمرات الدولية والمحلية التي تناولت مواضيع مهمة عن المسكن الاقتصادي ومن أبرزها تطوير أساليب تطبيقات الهندسة القيمية بما يحقق مسكنا اقتصاديا بجودة عالية، والحرص على تفعيلها خاصة أنها سهلة المنال لمن يجد ويبحث عنها والمهمة أقرب ما تكون في ساحة الهيئة العامة للإسكان.
ومن المشاهد القائمة التي يمكن الوقوف عليها التجارب المحلية والدولية الناجحة ومنها على الصعيد المحلي مشاريع الإسكان لبعض القطاعات الحكومية مثل الهيئة الملكية للجبيل وينبع، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والقطاعات العسكرية وغيرها. والحاجة ماسة جداً إلى عقد ملتقيات متخصصة في الهندسة القيمية حول هذا الموضوع وأن تتجه الحكومة إلى اتخاذ الخطوات المحفزة لتحقيق توجه جديد يتصدى للتكلفة الباهظة وهدر المال, وبحث أفضل الحلول والإجراءات لتحسين الظروف أمام الجميع للحصول على مسكن بطرق ميسرة وبمواصفات تتواءم مع التطورات المعمارية والتقنية والقيمية، تحت شعار مسكن اقتصادي لكل مواطن.
