الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

منذ بداية القصف الإسرائيلي يوم السبت الماضي، سعى عباس وحلفاؤه في الضفة الغربية جاهدين إلى تقديم رد متماسك: اندفعوا في البداية لشجب الضربات الجوية، وأعربوا عن التضامن مع الـ 1.5 مليون فلسطيني الذين يعيشون في قطاع غزة، لكن رسالتهم طمسها استمرار الهجمات، مع قيام عديد من كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية بلوم حماس إزاء الموت والدمار اللذين لحقا بغزة. واتخذ عباس خطاً مماثلاً يوم الأحد الماضي حين قال إنه كان بالإمكان تجنب الهجمات، لو أن الإسلاميين توقفوا عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل.

ومع أن تقييمه قد يبدو صحيحاً فإنه ليس ما يريد الفلسطينيون في الضفة الغربية أن يسمعوه من زعيمهم، في الوقت الذي يتعرض فيه زملاؤه في غزة للقتل على يد العدو الإسرائيلي البغيض، وعلى نقيض ذلك فإن حماس يمكن لها مرة أخرى أن تطرح نفسها كعدو جريء وعنيد للدولة اليهودية.

يقول منذر عميرة، وهو ناشط في مخيم عايدة للاجئين خارج مدينة بيت لحم: مع كل فلسطيني يقتل، تزداد شعبية حماس.

ومنذر عميرة وكل أفراد عائلته تقريباً هم أعضاء في حركة فتح التي يرأسها عباس. ويضيف قائلاً: لكن عندما نرى أنه يلوم حماس إزاء أعمال القتل فإنه أمر صعب جداً علينا، إنني لست راضياً عنه.

ووفقاً لعلي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية، فإن الأزمة الحالية ستقوي التصورات السلبية عن عباس، على الأقل على المدى القصير، ويقول الجرباوي: إن هذا التصرف يفتقر إلى القيادة، فأبو مازن (عباس) لا يعد من قبل الفلسطينيين قائداً، فهو لا يملك الجاذبية واستجاباته للأمور بطيئة، والناس في هذه الظروف يحتاجون إلى مواقف واضحة وقيادة قوية، لكنها ليست الصفات التي يجدونها لديه.

وحتى قبل الهجمات على غزة، كان كثير من الفلسطينيين يرون عباس والسلطة الفلسطينية ضعيفين، وغير فاعلين ومذعنين جداً في التعامل مع إسرائيل، والآمال الغامضة بأن موقفه الموالي للغرب يمكن أن يجعل الفلسطينيين أقرب إلى اتفاقية سلمية مع إسرائيل، وإلى دولة مستقلة, قد أفسح المجال منذ زمن طويل إلى التشكك.

ومحادثات عباس السلمية مع إسرائيل التي أطلقت قبل سنة تقريباً، لم تحقق أي تقدم واضح، وقدمت القليل لتحسين الحياة على الأرض، وهذا بدوره جعل كثيراً من الفلسطينيين يتساءلون عن السبب الذي يجعل رئيسهم بمثل هذه اللهفة، لتلبية المطالب الإسرائيلية والأمريكية بالقيام بحملة شرسة ضد نشطاء حماس في الضفة الغربية.

وربما كان الأكثر إضراراً بالرئيس، عجزه عن إعادة توحيد الحركة الفلسطينية، بعد الاقتتال الداخلي الضاري في قطاع غزة بين حماس وفتح في حزيران (يونيو) 2007، وأدت المصادمات إلى الاستيلاء الإسلامي على قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى صدع مدمر بين المنطقتين الفلسطينيتين، وإلى نهاية مؤلمة لأفكار الوحدة الفلسطينية.

وحتى في الحدث غير المحتمل بأن الهجمات الإسرائيلية، أو أن غزوا بريا محتملا يتم لاحقاً، ستؤدي إلى إخراج حماس من الضفة الغربية، فإنه أبعد من أن يكون مؤكداً أن تستطيع فتح وعباس التدخل لإعادة توحيد المنطقتين، فأن يدخل الرئيس الفلسطيني إلى أنقاض غزة على ظهر دبابة إسرائيلية سوف يبدو قمة الإهانة، وقلة من الناس يعتقدون فعلاً أن هذا أمر محتمل.

وبدلاً من ذلك فإن هجوم إسرائيل على غزة، وفقاً لقول الجرباوي، يثير مرة أخرى تساؤلاً مهماً ليس فقط حول عباس بل حول المؤسسة ذاتها التي يقودها: لماذا نحتاج إلى سلطة فلسطينية؟ إذا كانت السلطة لا تستطيع أن تحقق اتفاقية سلام، ولا تستطيع حمل السلاح ضد إسرائيل أيضا؟

إن خيبة الأمل والغضب اللذين يشعر بهما الفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية المحتلة قد أشعلا اضطرابات ضخمة، ومع تزايد التوترات حيثما التقت المجموعتان معاً، فإن عدة حالات ظهرت حاول الفلسطينيون فيها، طعن الجنود أو المدنيين الإسرائيليين.

لكن عميرة عضو فتح الذي تحرر من الوهم في مخيم عايدة للاجئين، يعتقد أن الحديث عن انتفاضة فلسطينية ثالثة حديث في غير محله. وهو يتساءل، وهو يشير إلى الجدار الأسمنتي العالي الذي يمر حول المخيم، والذي يشكل جزءاً من الحاجز الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية:" ماذا نستطيع أن نفعل؟ نستطيع أن نقذف الحجارة على الجدار، لكن بعد يومين أو ثلاثة أيام سوف نصبح يائسين، وأنا لا أرى نهاية لهذا".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية