الاقتصادات الناجحة تحتاج إلى التمويل والتصنيع.
نقيض الحقيقي هو المزيف، وبعد هذه السنة المضطربة، فإن المزيف هو ما يرى الكثيرون أنه المقابل للاقتصاد "الفعلي"، أي التمويل. والتمويل على أية حال، رغم جميع الانتهاكات والتجاوزات، ليس غريباً عن "الشركات الحقيقية التي تصنع الأشياء". والاقتصاد الناجح يحتاج إلى كليهما.
إن القروض العقارية المقدمة إلى ضعاف الملاءة، وشركات التأمين ذات خط العمل الواحد، والتزامات الدين المضمونة، وانهيار بنك ليمان برذرز Lehman Brothers، وعمليات إنقاذ الجميع من أيه آي جي AIG، إلى رويال بنك أوف سكوتلندا، وأحدهم يدعى برنارد مادوف Bernard Madoff، يقولون لنا جميعهم إن التنظيم المالي لم يكن ناجحاً. في واقع الأمر فإن التمويل أحجية، كما كان دائماً، حيث يستخدم المراهنون أموال الناس الآخرين، ويخاطر المغامرون، ولكنهم يطلقون على الأمر وصف العبقرية، ويتبع الناس الأفاضل الجمهور في جنون جماعي. والجميع يدفع الثمن، وينبغي إعادة التفكير في التنظيم.
ثمة وجهة نظر أكثر تطرفاً رغم ذلك، تشير إلى النمو في التمويل كنسبة من الإنتاج في البلدان الغنية، وتقول إن القطاع المالي المفرط في الحجم، يجب أن يصبح أصغر، من أجل ترويض طاقته لافتعال الكوارث، ولتحرير الموارد والمواهب من أجل الأنشطة الأكثر "إنتاجية"، و"فعلية".
إن الأمر خاطئ عند النظر إلى التمويل على أنه غير منتج: ربما يكون غير ملموس، ولكن آثاره الاقتصادية موجودة. ويقرر خبراء المال أي المشاريع الاستثمارية هي التي توازن بشكل أفضل بين المخاطر والعوائد، وتوجه الأموال إليها: إنهم يوفرون طرقاً للمشاركة في المخاطر المؤلمة، مثل حرائق المنازل، ويفسحون المجال أمام الشباب لشراء البيوت عن طريق الاقتراض من كبار السن، ويتيحون تبادل البضائع دون التبادل الفعلي للعملة. فلو أن التمويل لم يكن موجوداً، لتوجب علينا أن نخترعه – أو أن نجد بعض المخططين المركزين المؤيدين للشيوعية لينفذوا المهمة بدلاً عنهم.
كما أن الابتكار المالي ليس خطأً من حيث المبدأ. وإن منطق تحويل القروض العقارية إلى سندات من أجل توزيع المخاطر، وجعلها قابلة للتداول كان أمراً منطقياً، وكان الخطأ في استخدام التورقة كوسيلة لتفادي متطلبات رأس المال للبنوك، ومضاعفة الرسوم، والتخلص من القروض الرديئة، وإلقائها على الآخرين. وإن القروض العقارية المقدمة إلى ضعاف الملاءة، أو التي تقدم بناء على شهادات ذاتية، إذا تم تقديمها إلى أشخاص لديهم القدرة على السداد بعد بذل الجهود اللازمة المناسبة، يجب أن تكون نعمة.
ليس التمويل هو الأكثر عرضة إلى الجنون، والاحتيال، والخطأ الجماعي. فالتنفيذيون، وأصحاب الرؤى، قادوا فقاعة الإنترنت مثل الرأسماليين المغامرين، وضربت العمليتان الاحتياليتان شركتا إيرون Enron، وورلد كوم WorldCom، شركات الاقتصاد الفعلي (من المفترض)، واستثمرت شركات صناعة السيارات جميعها في الأنواع ذاتها من المنتجات غير الشعبية. والفرق هو أن العواقب عندما تخطئ أية مؤسسة مالية، كبيرة للغاية. فعندما انهارت شركة وورلد كوم، ولم يبال العالم، وعندما فشل بنك ليمان برذرز، ركع العالم على ركبتيه. إن خطر التمويل يعني أنه يجب تنظيمه، وأن يتم تنظيمه بشكل أفضل – ولكن يجب ألا يُحظر.
الأسلوب الآخر هو التساؤل عما إذا كان وجود قطاع فعلي كبير يجعل أي اقتصاد أكثر مرونة؟ اليابان وألمانيا كلتاهما محركان للتصنيع، ومع ذلك تبدوان عرضة لهذا الهبوط بالمثل، والسبب جزئياً لأنهما اعتمدتا على الاستهلاك الذي يقوده التمويل في الخارج لتوفير الطلب لصادراتهما. وأما البلدان النامية، حيث يميل قطاع التمويل إلى أن يكون أصغر، فإنها تعاني أيضاً. وعلى الأرجح أن تكون الدول المصدرة للسلع – ما مدى حقيقة ذلك؟ في مركز أسوأ منها جميعاً.
ربما ترغب بعض البلدان، مثل بريطانيا التي ولدت ازدهارها بالكامل، على الأغلب نتيجة الثروة التي تولدت في الحي المالي في لندن، بأن تكون اقتصاداتها "فعلية" على نحو أكثر في عام 2009. إن فكرة أنه يمكن لاقتصاد بريطانيا أن يعتمد فقط على التمويل – تصدير البنوك، واستيراد السلع – فكرة ميتة بالتأكيد.
إن التمويل والإنتاج ليسا بدائل لبعضهما البعض، وإنما يكمل كل منهما الآخر. فالاقتصاد الفعلي يعتمد على التمويل من أجل توفير رأس المال للاستثمار، وللمستهلكين القادرين على الادخار، والاقتراض، وبالتالي يغيرون استهلاكهم في الوقت المناسب. وعلى منظمي التمويل العمل لمعالجة الإخفاقات الواضحة والمعينة التي تكشفت هذا العام. غير أن ذلك، وليس منع التمويل من أجل الاقتصاد "الفعلي"، يجب أن يكون هدفهم.