بدأ العام بقدر كبير من التفاؤل في منطقة الخليج – فقد وصلت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتدفق كم هائل من الاستثمار والمواهب الأجنبية على المنطقة. وفي شهر أيار (مايو) الماضي، كان بنك جولدمان ساكس يتحدث عن ارتفاع حاد، لأنه كان يتوقع أن ترتفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل.
وبالنسبة لمنطقة الخليج، اتسم العام بتراكم مزيد من الثروة. وإذا ما استبعدنا الانهيار المالي الدولي الذي حاق بالغرب، فإن هذه المنطقة كانت الأسرع نمواً في العالم – واحة للرخاء توفر ملاذاً من الفوضى العالمية. وعلى الأقل، بدا ذلك هو الحالة المزاجية السائدة في أوساط المسؤولين الحكوميين، والعديد من العاملين في القطاع الخاص.
ولكن كيف انقلبت الأمور ونحن على وشك الدخول في عام 2009.
يتوقع بنك جولدمان ساكس أن يكون متوسط سعر برميل النفط 45 دولارا في العام المقبل، في حين أن آخرين كانوا أكثر تفاؤلاً ويتوقعون أن يكون متوسط سعر البرميل حول 70 دولاراً. وسواء ثبتت صحة توقعات هؤلاء أو أولئك، فقد تم تأجيل تنفيذ المشاريع أو إلغاؤها، ويشكو المصرفيون من شح السيولة المحلية التي بدأت تظهر بوادر على انحسار شدتها، وانهارت أسواق الأسهم الإقليمية إلى أدنى مستويات لها في سنوات، ووصلت طفرة العقار في المنطقة إلى نهايتها بصورة فجائية.
إذن ما هي الدروس التي يمكن استقاؤها من هذا الانكماش الدراماتيكي؟ لقد أظهر استطلاع لآراء عدد قليل من الخبراء في المنطقة النتائج التالية: كان هناك اعتماد أكثر من اللازم على التمويل الخارجي، وسُمح لنمو الائتمان بالهرب لأن المستثمرين والمصرفيين ورجال الأعمال انساقوا مع المبالغات.
ورغم أنه كان هناك حديث كثير عن الفرص المتاحة، والحاجة إلى تنويع الاقتصادات وخلق وظائف جذابة لأبناء المنطقة من الشباب، انصب تركيز جزء كبير من الطفرة على القطاع العقاري، الذي كان مدفوعاً بالمضاربة في عمليات التداول التي ما كان يمكن لها أن تتخذ صفة الديمومة.
وبالنسبة لصناع السياسات، فإن سجلهم مختلط. وقد تمثل رد فعلهم في البداية بالتظاهر بأن كل الأمور على ما يرام، في محاولة واضحة لطمأنة الأسواق والمستثمرين.
وقد منيت تلك الاستراتيجية بفشل واضح، وبدلاً من ذلك طالت التلميحات الزعماء الذين لم يكونوا على صلة بالحقائق التي واجهوها، عندما وصلت رياح العاصفة العالمية إلى شواطئهم بسرعة متزايدة.
وعندما بدأ رد فعل الحكومات أخيراً على الوضع، جاء ردها بأساليب متباينة ومفتتة، ومفتقراً إلى التنسيق الذي سيكون مطلوباً إذا ما أريد للوحدة النقدية الخليجية أن ترى النور.
والمزعج في الأمر أن هناك إحساساً بأن بعض المسؤولين في الدوائر الرسمية، ما زالوا ينكرون أن الوضع بهذا السوء. ولذلك، من المتوقع أن يكون هناك أداء أكثر نشاطاً ونزاهة في عام 2009.
صحيح أن الدول الخليجية كونت احتياطيات هائلة، وبدت في مركز أفضل من المناطق الأخرى لشق طريقها في العام المقبل. ولكن ازدهارها ما زال مرتبطاً بأسعار النفط، ولذلك فإن القطاع الخاص الذي يفتقر إلى الائتمان، ويعاني من اهتزاز الثقة يتوقع أن يشهد أوقاتاً عصيبة.
وسينصب التركيز الآن على الحكومات لرؤية ما إذا كانت مستعدة لأن تكون على مستوى الحدث. وإذا ما أريد للعديد من المشاريع التي أعلن عنها أن تمضي قدماً وأن تتعزز ثقة القطاع الخاص، سيرجع الأمر للحكومات لكي تقود الدفة بوضوح من الطليعة.
إن أسلوبها لا ينبغي أن يكون "متدرجاً ولكنه ينبغي أن يكون حاسماً لتحويل المد"، كما يقول أحد المصرفيين. ولكن هذا المصرفي وغيره ما زالوا يشكون من أن الحكومات لم تفعل الكثير للتخفيف من ضغوط السيولة.
إن آلام الأشهر القليلة الماضية أثبتت أنه يتعين على الحكومات أن تعالج القضايا بصورة حاسمة، سواء عن طريق عمل اندماجات في بعض القطاعات، أو الحاجة إلى مزيد من الشفافية والتشريعات الأفضل. ولن تكون بداية سيئة إذا وفرت الحكومات نفسها قدراً أكبر من الشفافية.
وقد يكون من الملائم أيضاً أن تُراجع نماذج العمل والاستراتيجيات التي تم تبنيها في سنوات الطفرة. ويبدو أن المسؤولين يقرون بالحاجة إلى تحديد الأولويات الخاصة بخططهم، وأنه حان الوقت للنظر في ازدواجية المشاريع، والتركيز على التطورات التي يمكن أن تدعم التنويع الحقيقي.
لقد كانت هناك دروس للجميع في عام 2008. وسيكون من المثير في العام المقبل أن نرى كم من الدروس تم الأخذ بها.

