الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الأسهم عام 2009 .. نصف صعب والنصف الآخر مخاطرة

هاشم عبدالله الصالح
هاشم عبدالله الصالح
الجمعة 2 يناير 2009 2:3

هل نالت أسواق الأسهم كفايتها من الأزمة الاقتصادية العالمية؟ فبسبب هذه الأزمة وفي خلال ثلاثة أشهر من عمرها فقدت السوق الأمريكية ما يقارب 40 في المائة من قيمتها, وفقدت السوق اليابانية ما يقارب 45 في المائة من قيمتها ووصلت خسائر السوق الصينية إلى أكثر من 70 في المائة من قيمتها, أما السوق السعودية فقد وصلت خسائرها إلى ما يقارب من 60 في المائة من أعلى قيمة لها عام 2008. السؤال المطروح اليوم وبقدر كبير من القلق والحيرة هو: هل سيستمر هذا الانحدار في العام المقبل 2009؟ وهل ستواصل السوق السعودية نزيفها المتواصل تأثرا بهذه الأزمة العالمية وما تسببت فيه من انهيار لأسعار البترول في الأسواق العالمية؟ أم أن العام الجديد سيشهد احتواء لهذه الأزمة ومعاودة الاقتصاد العالمي نموه من جديد؟ وهذا بدوره سينعكس على أسواق الأسهم لتنتعش بفعل عودة الرساميل التي خرجت من السوق واختارت أن تبقى بعيدة عن السوق انتظارا لمعرفة ماذا ستنتهي إليه الأزمة, وما حجم التداعيات التي ستتسبب في حدوثها؟

ابتداء لا بد من الإقرار بصعوبة قراءة ما سيكون عليه وضع الأسهم في العام المقبل في ظل أزمة اقتصادية عالمية هي باتفاق كل المحللين الاقتصاديين لا تحدث إلا مرة واحدة في كل 100 عام. العالم في حيرة ولا يدري من أين يأتي بالأموال اللازمة, التي تتزايد كل يوم تقديراتها لإصلاح النظام المالي المنهار وانتشال القطاعات الاقتصادية التي تداعت بفعل هذا الانهيار. وحتى المحافظ السابق الشهير للبنك المركزي الأمريكي السيد كرين آسبان وفي جلسة استماع أمام الكونجرس الأمريكي أبدى اندهاشه وصدمته للحجم الذي وصلت إليه الأزمة وأظهر تشاؤما ملحوظا بما ستسببه هذه الأزمة من كوارث اقتصادية قد يطول أمدها. لا بل هناك من المحللين من يحذر من أن تبعات هذه الأزمة الاقتصادية ستمتد إلى ما هو أبعد من الاقتصاد, فهناك خوف من عدم الاستقرار في الصين إذا ما انخفضت معدلات النمو فيها إلى أقل من 8 في المائة. وهناك قلق مشروع من أن الأموال الضخمة التي ذهبت لإصلاح المؤسسات المالية المنهارة ومعالجة الآثار المترتبة على انهيارها ستتسبب في نضوب الدعم المقدم للقضايا الاجتماعية ومساندة التنمية في الدول الفقيرة, وفي هذا مخاطرة بزيادة الفقر والجريمة والإرهاب وعدم الاستقرار وانتشار الأمراض في العالم.

التنبؤ بما ستكون عليه سوق الأسهم في العام المقبل وإن كانت مهمة صعبة, بل إنها عند البعض مستحيلة, إلا أنها تستدعي منا الإحاطة والتحليل للعوامل التي سيكون لها حضور قوي ومؤثر في المستقبل. وفي النقاط التالية استعراض ومناقشة لبعض هذه العوامل:

1- لقد تسببت الأزمة الاقتصادية العالمية في حدوث انكماش اقتصادي عالمي, وهناك قناعة عند شريحة واسعة من المحللين الاقتصاديين بأن هذا الانكماش لا يمكن الخروج منه في سنة واحدة, وبالتالي فقد يمتد الركود الاقتصادي العالمي حتى نهاية عام 2010, فالأزمة الاقتصادية في بدايتها وسيتوالى تأثر القطاعات الاقتصادية المنتجة بتداعياتها مما يزيد من فرص انهيار مزيد من البنوك والشركات, وهذا يعني مزيدا من التراجع في أسعار أسهمها وأسهم غيرها, وبالتالي فالأسهم تتجه لمزيد من الانحدار في العام المقبل. ولكن هناك رأي آخر يستمد قوته من متابعة تاريخ الأسواق المالية بأن أسواق الأسهم تسبق مرحلة الانتعاش الاقتصادي وأن الأزمة ستكتمل صورتها في النصف الأول من العام الجديد, ما يعني عودة النشاط للأسهم في النصف الثاني استعدادا لتجاوز الأزمة واستعادة الاقتصاد العالمي لعافيته.

2- إن أكثر ما يهمنا من الأزمة الاقتصادية العالمية هو أسعار البترول التي فقدت أكثر من 70 في المائة من أعلى سعر سجلته في العام الحالي. فالمحافظة على أسعار البترول في حدود 60 دولارا وحتى 50 دولارا للبرميل الواحد سيضمن لنا استقرار النشاط الاقتصادي المحلي, وهذا بدوره, وإن لم يكن كافيا للنهوض والصعود بأسعار الأسهم, إلا أنه يكفي لحماية السوق من مواصلة الانحدار وتسجيل مستويات قيعان جديدة في العام المقبل. مراكز الدراسات البترولية والمؤسسات المهتمة بقطاع الطاقة تتوقع أن أسعار البترول ستعاود ارتفاعها وستستقر في مستويات جيدة نظرا لحاجة العالم المتزايدة إلى البترول, وفي المقابل تتسبب أجواء الخوف والقلق من تزايد حجم الأزمة وعمق امتدادها في الضغط على الأسعار على الأقل في النصف الأول من العام المقبل.

3- لقد كانت البنوك والمؤسسات المالية هي التي في قلب العاصفة لأن القطاع المالي في أمريكا والدول الغربية هو من تسبب في حدوث الأزمة, وبما أن قطاع البنوك والشركات المالية لها نصيبها الكبير والمؤثر في حركة السوق, وبالتالي فإن السوق ستتأثر بما سيكون عليه وضع هذه البنوك والمؤسسات المالية مستقبلا. فمن جهة هناك تراجع في أرباح البنوك وربما ستظهر لها خسائر إما أنها كانت غير محققة وإما تم التغاضي عنها انتظارا لتحسن الأوضاع الاقتصادية. ومن جهة أخرى هناك أجواء عامة تدعو لمزيد من الضغط والمطالبة بالشفافية لأعمال البنوك, وهو بالتالي سيؤثر في البداية سلبا على وضعها ما ينعكس على السوق حتى يعود الاستقرار إليها ولأوضاعها المالية.

4 - ما زالت السوق المحلية تفقد مزيدا من الثقة بها على الرغم من المحاولات التي تجتهد لتنظيم السوق وتعزيز الشفافية فيها. الممارسات المشكوك بسلامتها والتأخر في التعامل معها وعدم الوضوح والدقة في عرض نتائج التحقيق فيها تجعل من الصعب على المساهم وبالأخص الذي اكتوى بالانهيارات المتلاحقة أن يعاود الدخول من جديد في السوق. ويبقى المطلوب من هيئة السوق أن تعزز خطواتها لمزيد من التنظيم لأعمال ونشاطات الشركات المساهمة في السوق, لأن غير ذلك سيصل بالمساهم العادي إلى مرحلة من الصعب اقتناعه بنزاهة ما يحدث فعلا في السوق.

5- ما زال الاقتصاد المحلي عنده من القدرات المالية والأوجه الاستثمارية ما يمكن أن يبقيه في مستويات جيدة من النمو ليس في السنة المقبلة فقط وإنما حتى لسنوات مقبلة, وهذا بالتأكيد هو لمصلحة الاستثمار في سوق الأسهم. المملكة ما زالت في حاجة إلى تخصيص مزيد من مواردها لمشاريع البنية التحتية, ولقد التزمت المملكة في قمة العشرين بتعزيز مثل هذا الإنفاق التنموي, وبالتالي فإن أحسنا إدارة هذه المشاريع وعظمنا عوائدنا منها وحرصنا على تحجيم أوجه الهدر والفساد فيها فسيكون لها شأن كبير في تعزيز متانة الاقتصاد المحلي.

إن تركة العام الحالي ستكون ثقيلة جدا على الاقتصاد في العام المقبل, وإذا كانت دول العالم تأمل أن تتمكن بفعل القرارات والإجراءات التي اتخذت لاحتواء الأزمة إلا أنها تعلم أن هذه الإجراءات ستكون في حاجة إلى وقت لظهور نتائجها إذا ما هي نجحت فعلا وكانت قادرة على الإحاطة بكل تداعيات الأزمة. نصف العام المقبل لن يخرج من ظلمة وصعوبة هذه الأزمة الضخمة وستتلقى الأسواق المالية, ومنها سوقنا المحلية, مزيدا من الصفعات القوية ويبقى الأمل أن يكون النصف الثاني أكثر استقرارا ولكن تبقى المخاطرة موجودة وحاضرة بقوة لأن رفع مثل هذه الأزمة عن كاهل الاقتصاد العالمي ربما أكبر من كل الجهود والموارد المالية التي خصصت لمواجهتها والتصدي لها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية