تحتبس أنفاسك وأنت تشاهد ما تشاهده من تلك العمليات الإجرامية التي تقف على قدم وساق في غزة كي تحصد البقية الباقية من الأطفال والنساء وتشرد الأسر دون أي خطوط حمراء تنقذ أقل ما يمكن من أرواح أولئك البشر الذين طحنوا تحت وطأة المأساة وذهبوا في النهاية ضحية النار والبارود ويتوالى ذلك المسلسل كلما أرادت إسرائيل أن تذكر الجميع أنها ما زالت هي القوة الضاربة في المنطقة ومن يرى تلك المناظر التي تفطر القلب للفلسطينيين لا يمكن أن يوازن في ذهنه أن تلك الكارثة التي تقع تحتها غزة الآن هي رد طبيعي أو منطقي للصاروخ الذي انطلق من غزة وكأن هذا الصاروخ جاء ليعلن ساعة الصفر في تدمير غزة وإبادة أهلها، ولكن تلك المعادلات التوازنية كثيرا ما تغيب في القواميس الصهيونية إذ تسعى إسرائيل إلى أن تشعل مساحات أكبر مقابل أحداث لا تستدعي سوى الرد بالمثل، إن الجميع يدرك أن إسرائيل لديها قوة تستطيع من خلالها أن تحقق الانتصار من وجهة نظر افتراضية خاصة إذا كانت تلك القوى التي تواجهها إسرائيل تتمثل في جيوش منظمة ولكن في مبادئ علم الحروب فإن هزيمة الجماعات هي من أصعب أشكال الحروب لأنها في الواقع تبدو ظاهريا كحرب الميدان ولكنها في الحقيقة غير ذلك تماما، إن الاعتداء الوحشي على غزة خاصة مع بداية عام جديد إنما يحبط كثيرا من الآمال العربية التي ما تلبث أن تسعى إلى لملمة جروحها حتى تنزف وبشدة مرة أخرى ولا يخفى على أحد أن تعدد الأحزاب والجماعات وما يتبعها من وجود للخلافات المستمرة داخل الصفوف الفلسطينية إنما تترك الفرصة والمجال الكبير أمام التدخلات الخارجية وبذلك فهي تتسبب بشكل أو بآخر في إشعال ما هو خامد من نار القتال والفتنة ضد ذلك الشعب الذي تفاجأ بدفع الثمن لذا فإن لا أحد يستطيع أن يدرك حجم الكارثة سوى الفلسطينيين أنفسهم بل وحتى لو قدمت المساعدات وتوالت الوساطات المختلفة من كثير من الدول التي اعتادت منذ التاريخ أن تناصر القضية الفلسطينية وتسعى سعيا حثيثا إلى حل مشكلاتها وحلحلة أزماتها إلا أن الأمر في نهاية المطاف يحتاج من الفلسطينيين أن يبحثوا في الداخل أولا ويقدموا من التنازلات لبعضهم ما من شأنه أن ينقذ الوضع الكارثي الذي يحدث، إذا فالأمر يحتاج إلى معادلة تزن الأمور وتحقق السلام على أن يكون هذا الهدف مشترك تسعى إليه كل الأطراف الفلسطينية وبكل الطرق، فالأمر الآن لا يحتمل التحديات الداخلية والاستعراضات والمهاترات فعندما يمس الأمن القومي للدولة لا بد أن يكون هناك تكاتف حثيث من قبل جميع الأحزاب المعارضة ولكن الأمر للأسف لا يقاس هكذا في علم السياسة داخل بعض الدول العربية بل إن ما يحدث هو العكس و يتوالى إلقاء اللوم على الآخرين مع استمرارية الخلافات الداخلية الفلسطينية الأمر الذي ربما يدفع إسرائيل إلى أن تجد الثغرة التي من خلالها تحارب وتهاجم وتدمر وهي التي تتعامل في ردودها بمنتهى الوحشية ممزقة أمام العرب أي خطة للسلام.
