هل ميزانية الدولة التقديرية لعام 2009 ميزانية تقليدية؟ بمعنى آخر هل أعدت بالفكر نفسه الذي أعدت به ميزانيات السنوات السابقة؟ تقوم ميزانية الدولة لدينا, وفي معظم دول العالم النامية, على أساس رقابي فقط, بحيث تتم مقارنة المصروفات الفعلية بما تم تقديره في الميزانية وأي انحرافات عن ذلك غير مسموح بها إلا بإذن من المستويات الإدارية العليا التي تمتلك بعض صلاحيات تجاوز بنود الميزانية. "تستغل بعض الوزارات هذه النقطة لتصنع تجاوزاتها قبل إعداد ميزانياتها"، وهنا أقول إن ميزانية هذا العام لم تختلف عن سابقاتها وأعدت بالفكر نفسه, لكن هذه ليست قضية المقال. لا تعد الميزانية الرقابية لتؤثر في الحركة الاقتصادية الكلية, فلا تهدف إلى تحفيز الطلب أو التأثير في مستويات الأسعار, وإذا حدث مثل هذا الأمر, فسيكون ثانويا جدا, ويأتي بشكل عارض ولم تبن الميزانية على أساسه. لا أعتقد أن الميزانية لدينا أعدت لتخالف هذا المسار رغم تعهدات المملكة في قمة العشرين بأن تسهم في التحرر من مشكلة الأزمة العالمية بإنفاق ضخم. درجت ميزانية الدولة على أن يتم تقدير المصروفات وفقا لمتوسطات السنوات السابقة فيما يتعلق ببنود الميزانية الثابتة من سنة إلى أخرى مع تحديد نسبة تخفيض في الإنفاق أو نسبة الزيادة وتتجادل وزارة المالية وجميع الوزارات بحدة على أساس الأهداف التي رسمت للإنفاق وقياسات مستويات العجز أو الفائض التي تحققها الدولة في إيراداتها وقدراتها على التحرك لمواجهة المشكلات محتملة. هنا لم تزل مشكلة الميزانية أنها تراقب تصرفات الإدارات وليس البرامج. فنحن نعرف اليوم أن المقدر صرفه على الصحة والتنمية الاجتماعية يبلغ 52 مليارا لكن البرامج الصحية تقدمها وزارات مختلفة ومتعددة منها: وزارة الصحة, وزارة التعليم, العالي, الداخلية, الدفاع, والحرس الوطني, فهل نحن نعرف جديا حجم الإنفاق على البرامج الصحية بشكل عام؟ كم المخصصات الموجهة لمشروع أو برنامج مكافحة السرطان مثلا؟ لاحظ أن مثل هذه البرامج تقدمها وزارات مختلفة, فهل هناك تقدم ملموس أو هدر ليس من ورائه طائل؟ هل تتم عمليات التنفيذ بشكل منسق أم أن كل الأطراف تطالب بميزانيات كبيرة وتنفق بسخاء بعيدا عن الآخرين؟ هل هناك برنامج مشتريات موحد للبرامج المشتركة بين الوزارات المختلفة؟ برنامج مشتريات يسهم في التقليل من الهدر ويمكن من الرقابة الفاعلة على البرنامج ويسهم في دعم وتطوير السوق العاملة فيه. عندما نتحدث عن مشاريع الأمن مثلا نتذكر فقط تلك التي الأرقام الخاصة بوزارة الداخلية فقط بينما تتجه جميع الوزارات اليوم إلى تخصيص جزء من ميزانياتها للمؤسسات الأمنية الخاصة, فهل نحن نعرف الآن كم يصرف على برنامج الخدمات الأمنية الخاصة؟ كيف يمكن لميزانيات هذا البرنامج التأثير في سوق الخدمات الأمنية؟ وهل تمكننا الميزانية بوضعها الحالي من مد الأسواق بمعلومات تتعلق بهذا الأمر؟ إن مقاييس الإنفاق التي ننتهجها قديمة جدا ولا تخدم مصالحنا المتطورة والمتجددة ولا نستطيع أن نستخلص من ميزانياتنا معلومات حقيقية وفعلية تدعم الاقتصاد الكلي. لذلك أعتقد أنه ورغم حجم الإنفاق الهائل في الميزانية إلا أنها تقليدية جدا في طريقة عرضها ومناقشتها, وهنا أتفق مع وزير المالية على أن الميزانية تم إعدادها بطريقة متحفظة (وكالعادة).
لكن ميزانية هذا العام تحمل مفارقات كبيرة أيضا. تعلمنا من ميزانيات السنوات الماضية أن وزارة المالية تتحفظ جدا في تقديراتها لأسعار النفط العالمية وحجم الطلب لذلك وجدنا الفروق كبيرة بين الفعلي والمقدر منها. في عام 2006 كان المقدر 390 مليارا بينما الفعلي بلغ 655 مليارا، وفي عام 2007 قدرت الإيرادات بـ 400 مليار بينما بلغت الفعلية 621 مليارا وفي العام الماضي قدرت بـ 450 مليارا وبلغت 1100 مليار فعليا. في عام 2007 تم تقدير إيرادات النفط عند مستوى 35 دولارا لسعر برميل النفط بينما سعر النفط فعليا كان يبلغ 55 إلى 60 دولارا وكانت التنبؤات تشير إلى ارتفاع محتمل. لم يتغير الحال في عام 2008 الذي تم تقدير الإيرادات عند مستوى 40 دولارا للنفط بينما الواقع يصل إلى 80 دولارا, وهناك احتمالات كبيرة بزيادته. لكن الوضع اليوم مختلف بشكل كبير, فنحن نقدر إيراداتنا عند مستوى 40 دولارا في الوقت الذي تلامس فيه الأسعار مستوى 40 دولارا, وهناك احتمالات بانخفاضها أكثر من ذلك. فلماذا تغيرت سياسات وزارة المالية التحفظية؟ لماذا لم يتم تقديرها عند مستوى 20 دولارا مثلا وفقا للسياسات القديمة؟ نعرف أن سوق النفط العالمية تتأثر كثيرا بالتزامات الدول المنتجة تجاه ما أقرته في ميزانياتها من مصروفات، والدول المستهلكة تعرف هذا أيضا وتتابعه. فالميزانية وثيقة ملزمة ولو حدث أن انخفض سعر البرميل فإن هذه الدول مجبرة على أن تزيد إنتاجها كلما انخفض سعر البرميل كي تحافظ على إيراداتها ومن ثم تغطية ما التزمت به من مصروفات, ما يفاقم مشكلة العرض. وفي سوق تعاني – كفعل لازم لها - مشكلة عدم توافق جميع المنتجين لهذه السلعة العالمية, فإن "أوبك" نفسها لا تستطيع ضمان مستويات الإنتاج داخل المجموعة. لقد كان هذا هو السبب الرئيس الذي دفع وزارة المالية في السنوات السابقة إلى تقديرات متحفظة بشكل ملحوظ جدا حتى لا تتورط في مخالفة سياسات "أوبك" الإنتاجية, فلماذا اليوم تقرر الوزارة أن تتخلى عن تلك الحكمة المعهودة وتبتعد عن التحفظ "المعتاد"؟
الحقيقة أنه ليست لدي إجابة حاسمة ويمكن للنقاد اعتبار ذلك بعدم وجود "سالفة" عندي. إن وجود فائض متاح للصرف منه لا يعني التخلي عن سياسة ثابتة لتقدير الإيرادات. نعم قد تجد الدولة عدم الحاجة إلى زيادة مستويات الإنتاج مهما انخفض سعر البترول لأنها ستغطي المصروفات مما تم تحقيقيه من فوائض في السنوات السابقة, وبالتالي فلا داعي للسياسة المتحفظة. لكن هذه الإجابات لا تقدم ولا تؤخر لأن القضية أن العجز سيكون ضخما أكثر مما هو متوقع لو انخفضت الأسعار فعلا وسيكون الخطأ في تقدير الإيرادات كبيرا وغير مبرر. لكنني أعتقد أن هناك إجابة أكثر مقاربة للواقع وهي أن النظرة للميزانية قد تغيرت. فالميزانية تسعى إلى التأثير في اتجاهات وتوقعات أسعار البترول وليس استخدامها فقط. بمعنى أن الدولة تسعى إلى تهدئة السوق النفطية من خلال تنبؤات جيدة عن الأسعار وكأن الرسالة التي بثتها الميزانية أن الأسعار ستتجه إلى الاستقرار أو إلى الارتفاع خلال عام 2009، كما تضمنت هذه التقديرات رسالة أخرى أكثر أهمية وهي أن الدولة ستدعم التوجهات نحو استقرار السوق بكل جدية. هذه الرسائل تمت قراءتها جيدا من قبل عدد كبير من المحللين, ولذلك اتجهت غالبية التوقعات نحو سوق بترولية جيدة عام 2009 رغم سوء أحوال الطقس الاقتصادي الدولي, الذي لم يزل يشير إلى عواصف مالية مستمرة. بل هذا الأمر جعل البعض يرى إمكانية تحول العجز إلى فائض كبير. مع كل احترامي لهذه التنبؤات ستحمل الأيام المقبلة الإجابة الصحيحة لكل هذه الاستفسارات.
