قلت لصاحبي رجل الأعمال.. خذني بحلمك.. اسمح لي أن أطرح سؤالا وأقوم بالتعليق عليه وكلي رجاء أن تتصبر إلى أن أفرغ من الحديث ثم أعدك أنني سألتزم الصمت والإنصات لما تقول بكل اهتمام وحرص لأفهم وجهة نظرك. فأجاب صاحبي: لقد اتفقنا. بدأت حديثي بالسؤال الذي طالما حيرني: هل تستطيع أن تصمد كل الشركات في القطاع الخاص من دون الاعتماد على العمالة الأجنبية المتدنية الأجر؟ وما أن فرغت من السؤال إلا وانطلق صاحبي بالكلام يريد الإجابة عليه.. إذ يبدو أن السؤال كان مستفزا له، فاستوقفته وذكرته بالاتفاق الذي عقدناه منذ البداية.. فأبدى اعتذاره بكل لباقة وطلب مني إكمال حديثي.. فشكرته وأكملت حديثي قائلا: لنفترض جدلا أن وزارة العمل رفعت القيود عن استقدام الأيدي العاملة وأصبح في مقدور رجل الأعمال أن يستقدم من يشاء ومن أي بلد كان، فما نوع العمالة التي سيقوم باستقدامها؟ ثم عقبت مجيبا أنه استنادا إلى النمط المعتاد والملاحظ من الأعوام السابقة فإن الاستقدام سيتركز على النوعية نفسها من البلدان ذات المستوى المعيشي والدخل المنخفض كالهند وبنجلادش وباكستان والفلبين أي مزيد من العمالة المنخفضة الأجر ذات القوة الشرائية الضعيفة هذا ما تؤكده الأرقام التي ذكرها التقرير الإحصائي للتأمينات الاجتماعية لعام 1427هـ والذي جاء فيه أن 78 في المائة من العمالة المسجلة غير سعودية وأن 52.7 في المائة من المجموع الكلي تقل أجورهم الشهرية عن ألف ريال, وأن 30 في المائة من العدد الكلي تقل أجورهم عن ثلاثة آلاف ريال, أي أن الغالبية العظمى من العمالة السعودية وغير السعودية ذات أجر ضعيف أو متدن جدا وبالتالي قوة شرائية ضعيفة.
بعد أن انتهيت من استعراض الأرقام آنفة الذكر بادرت صاحبي وقلت: هنا أود أن أطرح سؤالا آخر وسأقوم بالتعليق عليه وليتسع صدرك لي فأنا لست خبيرا اقتصاديا ولكني أرغب في التفكير معك بصوت عال، فسألت: هل هذا هو حال القوة الشرائية التي يتمناها المستثمرون في المكان الذي توجد فيه مصانعهم؟ ثم واصلت حديثي وقلت: لا أعتقد أن للمستثمر مصلحة في ذلك، ولكن المؤسف أن البعض منهم يسهم عمليا في تكوين هذا الواقع الذي يتمنون خلافه، فإذا كانوا قد أسهموا عمليا في خلق قوة شرائية ضعيفة بهذا المستوى ولعدد كبير يصل إلى 83 في المائة من العمالة في القطاع الخاص، فالسؤال التالي هو: لمن سيقومون ببيع المنتجات التي يتم تصنيعها داخل المملكة؟ هل هي فقط للعاملين في القطاع الحكومي و17 في المائة من العاملين في القطاع الخاص؟ أو أن معظم منتجاتهم هي سلع موجهة للمؤسسات والشركات في القطاعين العام والخاص والأسواق الخارجية وليست سلعا يحتاج إليها جمهور الناس من المواطنين والمقيمين، فإذا كانت هذه استراتيجيتهم ألا يوجد ما يستوجب تعديلها وتطويرها والتفكير بخلق قوة شرائية عالية من خلال بناء مصانع تنتج سلعا يحتاج إليها جمهور الناس في السوق المحلية، ويكون معيارهم في اختيار العمالة هو درجة التأهيل والمهارة سواء كانت وطنية أو غير وطنية ولكن بأجور جيدة تتلاءم مع مستوى المعيشة في المملكة، لتقوم بعد ذلك هذه العمالة بإعادة ضخ معظم ما تكسبه من أموال في السوق المحلية للصرف على الاحتياجات المعيشية ، فتدور العجلة الاقتصادية بوتيرة أسرع ويتمكن المستثمرون من رفع الطاقة الإنتاجية لمصانعهم إلى الحد الأقصى فتتعاظم مكاسبهم من هامش الربح المعقول الناتج عن حجم المبيعات الكبير، فتعم الفائدة على الجميع المستثمرين والمواطنين والمقيمين والبلد ككل، ولنا فيما يحدث في الصين والهند عبرة ألم ترتفع أسعار المواد الغذائية ومواد البناء والنفط على مستوى العالم؟ - قبل أن تنهار بسبب أزمة الرهن العقاري في أمريكا - وكان أحد أهم أسباب ارتفاع الأسعار زيادة الطلب على هذه المنتجات في هذين البلدين والذي يعود لتحسن مستوى دخل الفرد وبالنتيجة القدرة الشرائية في أكبر دولتين في العالم من حيث عدد السكان. بعد ذلك توقفت عن الحديث وجلست صامتا عندما فرغت من قول كلما كان يجول في خاطري. حينها أشار لي صاحبي بيده متسائلا هل انتهيت من الكلام فقلت نعم؟ فقال حسنا.. لقد تركتك طوال فترة الحديث تسأل وتجيب وتعلق ولكي أقول لك رأي في كل ما قلت احتاج منك الوقت نفسه.. فقلت بالتأكيد لك ما طلبت.. عندها حان وقت صلاة العشاء فنبهنا العامل في المقهى لذلك, فغادرنا المكان على أن يكون للحديث بقية بعد أداء الصلاة.
