"لقد تأخر المشروع", "النظام لا يحقق ما نريده", "الضغط على الشبكة عال", "تطوير الشبكة لا يشمل هذا المبنى", "الشركة همشت المواصفات", "عدد المستخدمين كبير جدا"... إلخ, عبارات ما زال يطلقها بعض مديري مشاريع تقنية المعلومات ومع الأسف ليس فيها جديد وما تكرارها إلا تأكيد على تكرار المشاكل الرئيسة نفسها التي ما زلنا نقع فيها (ولا أدري لماذا؟) بعد كل هذه النهضة التي نلمسها في جهات متعددة أخرى. أعتقد ولا أجزم أن المشكلة تكمن في توجه المسؤول والخلفية الإدارية والمالية له، إضافة إلى عدم توثيق خطوات التنفيذ للاحتكام لها عند نشوء أي اختلاف أو خلاف. لقد نوهت وكررت في عديد من المقالات أن مشكلتنا في هذه المشاريع أن كثيرا يسعى وراء أهداف لم يحسن وضعها وترتيب أهميتها والسعي إلى تحقيقها بأسلوب المبدع, ولو أنه ركز مثلا في التعامل مع المشاكل التنفيذية وحقق 20 في المائة من المطلوب في أول فرصة فسيكون محققا لأهدافه بشكل متتال ودون عناء. من ناحية أخرى سيتمكن من التحكم في مستوى الهدر الزمني والمالي المخصص لهذه المشاريع متفاديا بذلك الوقوع في المطبات الصناعية خصوصا في هذا العام المليء بالتحديات. إن مشاكل مثل: 1- المستخدمون لا يستطيعون التعامل مع النظام أو لا يريدون استخدامه, تعني أن النظام لا يحقق ما يريدون أو أن النظام سيتحكم في مهامهم ووظائفهم بما لا يمكنهم من خدمة أنفسهم أو من يريدون بالطريقة المعتادة ولذلك حلول وهي سهلة التطبيق. 2- القيام بالتصميم الصحيح ولكن ظهر أنه لغاية مختلفة أو لوظائف أخرى, وهذا مرده عدم فهم المستخدم والمقاول للمطلوب أو ضعف قدرات المقاول في الوصول لما يراه ويريد تحقيقه المستخدم. من ناحية أخرى قد تتزايد القوائم لما هو مطلوب من دون تنسيق أو ترتيب أولويات فيظل العمل في المشروع لزمن يتخطى ما هو محدد له حسب العقد أو المنافسة. إضافة إلى ذلك إهمال المسؤول الأعلى في متابعة المشروع، إما لعدم فهمه لما يجري أساسا أو تفضيله لجوانب أخرى عن هذا المشروع, ويزيد الشعر بيتا أن يتم الاعتماد الكلي على مكلفين لا يجيدون ما يقومون به هذا ما يعني بالطبع أن الدعم انقطع فعليا واستمر نظريا ووُئد تقدم المشروع عند خط البداية وهذه حلها تكمن في اتباع خطوات تستمد من سياق ما ذكر. 3- نجاح النظام على الورق أو عند الإعداد ولكنه يسقط في أول تطبيق أو تجربة وهذا مرده عديد من الأسباب، أهمها: تسريع غير مبرر للمراحل والثقة المتبادلة بين المقاول والمستفيد الأول (منسوبو الجهة) وإذا لم يطلق البرنامج صحيحا فكيف سيخدم المستفيد النهائي بشكل جيد؟ 4- وضع وقت محدد لنهاية كل مرحلة لا يمكن أن تكون واقعية في ظل وضع الإدارة أو المؤسسة بنية وقوى عاملة ومستوى دعم مالي وأسلوب صرف فتكون النتيجة حرجا شديدا لـ "طلب التمديد"!. في النقطتين السابقتين لا بد من الواقعية وتفهم المسؤولين لحجم مشاكلهم والتصرف في حدودها. 5- القيام بالمقارنات الخطأ بين ناتج النظام وآخر جاهز مشغل في بيئة وظروف لا تتماثل مع هذه التي انتهى بها وبالتالي تكون المقارنة في حد ذاتها ظلما لكلا البرنامجين ويمكن أن يسقط التطبيق الآخر وهو برئ من العمل. أخيرا, إذا ما كان العمل في بيئة تحتاج إلى حماية المعلومات وما تم جمعه من بيانات لئلا تستغل بشكل غير منتج، فإن العجلة ستقف عند الكلمة النهائية لصاحب المشروع, هنا إذا لم يكن الذي يفترض فيه شمولية المعرفة بدهاليز العمل ميدانيا أو ورقيا أو إلكترونيا جاهزا لإقفال آخر محطة وحريصا على ألا تترجم التوجيهات أو الكلمات خطأً حتى لا تكون النهاية غير سعيدة، فالعاقبة ترحيل للمشاكل إلى العام المقبل، وهنا أقول: للأسف قد لا يكون له عام مقبل بعد كل هذا البذل والعطاء في زمن تحديات التمويل كما عهدناها من قبل. من ناحية أخرى لن يفلح أي نظام حاسوبي جاهز بالإيفاء بمراد أي "متورط" ويريد النجاة إلا إذا جهز له الأرض المناسبة وعمل على تسهيل نجاحه بتذليل الصعوبات كافة. هذه بعض من أسرار التعامل مع مشاريع التقنية لا تنشر في العادة بهذا التفصيل لاختلاف ظروف كل موقع عن الآخر، ولكن لأهمية التحرك الإيجابي في المرحلة المقبلة فلا بد من المبادرة، ففي النهاية إنجازاتنا محسوبة علينا نحن أبناء هذا الوطن الكريم.
نحن فعلا في حاجة إلى من تم ابتعاثهم أخيرا، ولكن هل يعني ذلك أن ننتظر إلى أن يعودوا بعد ثلاث سنوات أو أربع فيحولوا العمل إلى الطريقة الآلية والإلكترونية، وسيكون معظمهم في البوتقة نفسها لتقارب أعمارهم وأهدافهم وخلفياتهم العلمية وتوجههم العام؟ هل نحتاج إلى معجزة في زمن انتهت المعجزات فيه؟ أتمنى أن نستشعر أن قوتنا في أنفسنا وأن نؤمن أنه لا يصح إلا العمل الجاد الموجه حسبما خطط له وقرر وهو "خدمة الناس" ولا بد من التصحيح بتجاوز ضعفنا بما لدينا من معرفة ونعيَ أن القوي من تقدم بما ملك من عزيمة وإصرار ومعرفة, والله المستعان.
