الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

حالات وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، تعتبر بديهياً ترتيب مجامل للمتقاتلين - تمكنهم من حشو بنادقهم من جديد - وهكذا حين انتهت هدنة الأشهر الستة بين حماس وإسرائيل في هذا الشهر، لم يفاجأ أحد عندما استؤنف القتال، لكن ما يثير الدهشة ألا أحد يبدو رافعاً أصبعه في محاولة لوقف هذا القتال!.

إن مدى الضربات الجوية الإسرائيلية "غير المتناسب"، رداً على الاستفزازات التي هي أشبه ما تكون بوخزة دبوس، شيء أقل إثارة للدهشة، فهو يتلاءم مع المبدأ الإسرائيلي باستخدام القوة الساحقة التي حصدت يوم السبت من أرواح الفلسطينيين في يوم واحد، أكبر مما حصدته منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة، في حرب الأيام الستة عام 1967!

هذا المستوى من العنف يتجاوز الأهداف المفترضة لدى (حماس) وإسرائيل – محاولة تأمين هدنة جديدة من موقف قوة – ويبدو هذا المستوى من العنف مهيأ لخلق أزمة شديدة يمكن لها أن تؤثر في النتيجة، حين يذهب الإسرائيليون والفلسطينيون ( كل على حدة) إلى صناديق الاقتراع في الأسابيع المقبلة.

وفي حقيقة الأمر، فإن ضراوة الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة المكتظ بالسكان يفسرها، إلى حد ما قرب التصويت، فحزب كاديما الحاكم بقيادة وزيرة الخارجية تسيفي ليفني، وحلفاؤه من حزب العمل بقيادة وزير الدفاع أيهود باراك، يخشون من تصنيفهم بأنهم ضعفاء، ويبدو أنهم يحاولون التفوق في الصقورية "التشدد" على حزب الليكود، الذي يدعو إلى استرداد كامل أرض إسرائيل التورائية، بقيادة بنيامين نتنياهو.

ولا بد أن نتنياهو المتفوق فعلاً في استطلاعات الرأي يضحك فيما بينه وبين نفسه، فعندما جرّب زعيم حزب العمل (الرئيس الإسرائيلي الحالي) هذا التكتيك عام 1996 – غزا لبنان وقصف غزة – فإن زعيم الليكود فاز في الانتخابات اللاحقة.

لكن محاولة سحق (حماس) من الجو شيء يحقق الهزيمة الذاتية بطرق أخرى، فهذه المحاولة تزيد من حنق الرأي العربي والإسلامي على إسرائيل وحلفائها الأمريكيين، وتقوي جاذبية المتطرفين الإسلاميين، وكما أدت حرب الـ 34 يوماً الفاشلة التي شنتها إسرائيل على لبنان في عام 2006 إلى تضخيم مكانة حزب الله، فإن حماس تبدو الآن في وضع تكسب فيه إذا استطاعت أن تصمد.

والإسلاميون لا يلامون كثيرا من قبل الفلسطينيين، ليس لمجرد تشيعهم الطائفي بل بسبب الوهم الحافل بالغرور، بأن بإمكانهم أن يقلدوا القوة الرادعة التي امتلكها حزب الله، والتي خلقت توازن رعب عبر الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية.

لقد انتخب الفلسطينيون حركة حماس قبل ثلاث سنوات لأن (فتح)، أداتهم التقليدية للطموح الوطني، كانت غارقة في الفساد وفشلت في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإيجاد دولة مستقلة، ومع هذا فإن أغلبية الفلسطينيين ما زالوا يؤمنون بحل تفاوضي، وليس بالأساليب العنيفة التي تستخدمها (حماس).

لكن إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة ورضا أوروبا الصامت، تسعى إلى عزل (حماس)، فبعد أن كسبت (حماس) المعركة ضد فتح وأخرجتها من غزة قبل 18 شهراً، عانى الـ 1.5 مليون غزّي من حصار - فرض تقنين دخول الغذاء والوقود والدواء - إلى القطاع المحاصر من كل جانب.

وهذه السياسة تجعل الفلسطينيين يعتمدون على (حماس) لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وتجعل العنف بديلاً جذاباً حين تفشل هدنات (حماس) في رفع الحصار ومحادثات (فتح) السلمية في تحقيق السلام.

وعلى أية حال فإن إسرائيل واهمة حين تتصور أن بإمكانها صنع السلام مع نصف الفلسطينيين، بينما تشن حرباً على النصف الآخر.

وينبغي تذكر أن السبب الجذري للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني هو الاحتلال الإسرائيلي - كان انسحاب إسرائيل عام 2005 من غزة يعني ترسيخ هذا الاحتلال - من خلال توسيعها اللاحق المستوطنات اليهودية، في الضفة الغربية والقدس الشرقية العربية.

وبوجود إدارة عرجاء في واشنطن، فإن من الصعب أن نرى من الذي سينفس تصعيد هذه الأزمة، لكن يجب على (فتح) و(حماس) حالياً أن تضعا خلافاتهما جانباً، وأن تتفقا على برنامج للمحادثات مع إسرائيل تؤدي إلى دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، تكون القدس الشرقية عاصمة لها.

وحين يتولى باراك أوباما مقاليد السلطة فإن عليه أن يطرح هذا الحل – الوارد في المحددات التي طرحها بيل كلينتون في كانون الأول (ديسمبر) 2000 - وأن يبدأ أوباما بالضغط على كلا الجانبين لتطبيقه، وهو يملك فرصة فريدة للتأثير في كلا الجانبين، وحتى ربما لإقناعهما بانتخاب زعماء قادرين على إبرام الصفقة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية