الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

نحو اقتصاد معرفي

محمد عبدالله البوزيد
محمد عبدالله البوزيد
الثلاثاء 30 ديسمبر 2008 4:25

عندما عاش الإنسان في العصر الحجري Stone Age كانت المعرفة أهم ما يملكه من أدوات ساعدته البقاء على قيد الحياة، فمعرفة الإنسان في ذاك العصر، على الرغم من بساطتها، إلا أنها كانت وما زالت هي الداعم الأساسي له في الانتقال من عصر إلى آخر. على مر كل تلك العصور السابقة كانت المعرفة عنصراً مُساعداً للإنتاج بجميع صوره. خلال القرنين الماضيين كان الاقتصاد بشكله التقليدي يتكون من عنصرين أساسيين للإنتاج: العاملون ورأس المال، أما في عصرنا الحاضر فقد أصبح للمعرفة معنى مختلف، بحيث أصبحت المعرفة أحد أهم عناصر الإنتاج الأساسية للاقتصاد. لتبسيط الموضوع فسنذكر مثالاًًًً يبين الدور الرائع الذي يمكن للمعرفة أن تلعبه في حياتنا، وكيف تؤثر في اقتصادنا وتغير من مفهومنا لمصطلح "المعرفة" والاقتصاد.

هب أن طبيباً يعمل في أحد المراكز الصحية في إحدى المناطق. المهام المنوطة بالطبيب هي استقبال المرضى والكشف عليهم ووصف العلاج اللازم لهم. هذا هو الدور المتعارف عليه لهذا الطبيب، ولو فرضنا أن هذا الطبيب يكشف على ألف مريض في السنة مثلاً، فإنه سيعالج الألف مريض سنوياً.

لو افترضنا أن هذا الطبيب قام بتسجيل بيانات كل مريض يعالجه كاسمه وسنه وجنسه وجهة عمله ومكان سكنه والتشخيص والعلاج، عندها سيكون لدى الطبيب سجل لألف حالة قام بعلاجها في قاعدة بيانات. لو قام هذا الطبيب بتحليل هذه "البيانات" Data لربما وجد أن جميع المرضى الذين يعملون لجهة معينه يعانون نفس المرض أو الأعراض. هنا تتحول هذه البيانات إلى "معلومات" Information مفيدة تبين لنا أن هناك جذورا للأمراض التي عانى منها هؤلاء المرضى. تعرُّف الطبيب هنا على "نمط" Pattern الإصابة بمرض معين قاده إلى مستوى أعمق من المعرفة وزاد من قدرته على توفير الرعاية الصحية لمجتمعه. التواصل مع جهة عمل هؤلاء المرضى ربما يجد الطبيب أن هؤلاء الموظفين يعملون قرب مواد ضارة أو في مبانٍ ملوثة بمواد أثرت في صحتهم وسببت لهم هذه الأمراض. هنا تكونت لدى الطبيب "معرفة" Knowledge ستمكنه من التعامل مع جذور المشكلة، بحيث يتم تصحيح الوضع في بيئة العمل، كأن يتم إبعاد المواد الضارة التي يستنشقها الموظفون أو تصحيح الخطأ الذي تسبب لهم في المرض الذي عانوا منه. الطبيب هنا لديه من المعلومات ما يمكنه من إقناع جهة عمل هؤلاء الموظفين بعمل التصحيح اللازم، حتى إن رافقه تكاليف مالية، كأن يُبين الطبيب عدد ساعات العمل التي خسرتها هذه الجهة جراء إصابة موظفيها بهذا المرض سواء كإجازات مرضية أو مراجعة المركز الصحي أو تدنٍ في مستوى أدائهم بسبب حالتهم الصحية.

بالتخلص من جذور المشكلة بهذه الطريقة فإن عدد المرضى سيقل بشكل كبير، ما سيقلل من تكاليف الرعاية الطبية أيضاً، وسيرفع من المستوى الصحي للمُجتمع، بإذن الله تعالى، بدلاً من الاقتصار فقط على التعامل مع الأعراض دون استثمار المعرفة للوصول إلى المسببات والتخلص من جذورها.

هكذا يكتسب الطبيب وجهات الرعاية الطبية في مثالنا هنا "الحكمة" Wisdom من خلال مراقبتهم سلسلة الأنماط والوصول إلى معرفة أكثر بكثير من مجرد ما درسه الطبيب في تشخيص الأمراض وعلاجها، إذ بالاقتصار على هذا الكم من المعرفة سيعود المرض إلى المريض بعد علاجه مرات ومرات، لأن المسببات لم يتم التعامل معها والتخلص منها بشكل دائم، بل تم التعامل مع الأعراض فقط وتم إخفاؤها بشكل مؤقت لتظهر مرة أخرى بل ومرات.

الطبيب أو المهندس أو التاجر أو الإداري يمكنه تبني هذا الأسلوب في العمل. ذكر لي بعض من طرحت عليهم طريقة العمل هذه أن التطبيق العملي يتطلب أنظمة عمل وميزانيات كبيرة وقيادات تدعمها. قد أتفق معهم في أنه يمكن تحقيق أفضل النتائج عندما يتبنى نظام العمل طرق التفكير الحديثة هذه، ولكن أيضاً علينا أن نكون مبادرين ونبدأ حسبما نملكه من إمكانات. صحيح أن الطبيب لا يملك الإمكانات لتغيير كيف يفكر وزير الصحة، والمهندس لا يملك أن يغير كيف يُفكر وزير الصناعة أو البترول والثروة المعدنية أو التجارة، ولكن وبحكم أن الطبيب والمهندس هم عناصر مثقفة ومتعلمة في وزاراتهم ومجتمعهم فعليهم استخدام أفضل السبل لمساعدة وزاراتهم وجهات عملهم لتحقيق رؤيتهم في توفير الرعاية الصحية واستثمار الثروات الطبيعية أو التجارة بشكل يحقق أفضل النتائج، وليس الاقتصار على الحد الأدنى من الأداء. هذا الحد الأدنى من الأداء يمكن لجهات العمل تحقيقها بطرق أقل تكلفة لو تم توظيف أطباء ومهندسين وفنيين وموظفين من جنسيات أُخرى تقل رواتبهم عن راتب الموظف السعودي بكثير، فلو سأل كل منا نفسه "ما الذي أضفته أنا لجهة عملي غير ما يمكن أن يضيفه الموظف الأجنبي الذي يتقاضى راتبا أقل من نصف راتبي؟" لربما كان هذا حافزاً لنا للأخذ بزمام المبادرة، فلو كان الجواب أن لا يوجد فرق بين ما أُقدمه كموظف وطني وبين ما يقدمه الأجنبي الأقل مني راتبا، فربما كان الأجدى لجهات العمل توظيف عمالة متخصصة وغير متخصصة من دول شرق آسيوية بدلاً من توظيف العمالة الوطنية!

بلادنا تزخر بالمبدعين، ولله الحمد، وبإبداعاتهم يمكن تحقيق نجاحات رائعة في كثير من مجالات الأعمال، ولكن تواجههم عقبات وتحد من مشاركاتهم في إظهار تلك الإبداعات نعرض بعضها في مقالات لاحقة، بإذن الله تعالى.

طريقة التفكير هذه يمكن تطبيقها في جميع مجالات الأعمال وليس فقط في المجال الطبي. وسنطرح تطبيقات عملية لها في مقال لاحق، لعل الله أن ينفع بها في تعزيز استثمار المعرفة ومواكبة العصر الذي يعيشه العالم حاليا, عصر "الاقتصاد المعرفي".

كمخرج من معوقات الإبداع والتوظيف الفاعل للمعرفة في منظماتنا، أتمنى أن تنشأ جمعيات معرفية تهتم بإبداعات المُبدعين وترعاها ليستفيد الوطن منها، وكخطوة نحو التغيير بدلا من دفن الإبداع والمبدعين أحياء مقهورين ومكبوتين يتحداهم مديروهم وأنظمة عملهم ويحاربونهم حتى في مصدر رزقهم بسبب مبادراتهم التي ينظر إليها أنها تمرُّد على نظام العمل الذي لا يقبل إلا الروتين وإجراءات العمل التي أكل عليها الدهر وشرب! هذه العقول المبدعة، إن لم تجد لها من يحتويها، فستجد مكانها في أرض غير الأرض، وتحت سماء غير السماء! فالمبدع الحقيقي لا تقف إبداعاته عند سقف مكتب مدير أو رئيس مهما علا شأنه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية