يلعب وول مارت، وهي شركة بيع التجزئة الرائدة في البلاد التي تتباهى بما يزيد على 144 مليون زبون لديها أسبوعياً، في خضم الفوضى التي تعم الاقتصاد الأمريكي، دوراً رائداً جديداً. ففي دولة يُعتبر فيها كل شخص من بين ثلاثة أشخاص مصاباً بالسمنة، ونحو 47 مليون إنسان تعوزهم الرعاية الصحية، فإن الشركة تتخذ وضعاً فريداً في تثقيف المستهلكين والمزودين.
قبل خمسة أعوام، لم يكن من الممكن أن نسمع كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركة يتحدثون عن تقليص بصمة الكربون للشركة، وتقليص تكاليف النقل، وتقليص حجم التعبئة والتغليف الزائدين، بتحقيق سلاسل تزويد أكثر شفافية، والبدء بمبادرات لتزويد الائتمان لملايين الأمريكيين من ذوي الدخل المتدني، الذين هم في العادة ليس لديهم قدرة الوصول إلى أيٍ من ذلك.
وجد مزيد ومزيد من الشركات أن جهودها لتقليص انبعاثات الكربون، ومساعيها لكي تصبح أكثر صديقة للبيئة، أدت إلى زيادة أرباحها. وفي مؤتمر أمريكا الشمالية للتأثير الصافي 2008 الذي عُقد هذا الشهر في كلية وارتون للأعمال، تحدث مات كيستلر، نائب الرئيس الأول للاستدامة في وول مارت، عن دوره في تحويل ثقافة المستهلك. وبدأت القصة قبل نحو عشرة أعوام، بينما كان كيستلر يُدير مبيعات القهوة في شركة كرافت للأغذية. وبدأت مجموعة طلاب من جامعة يال بالطلب من قسم خدمات الأغذية ألا يقدّم سوى قهوة "واعية اجتماعياً" فقط.
ويعترف كيستلر أن نيته في ذلك الوقت كانت أن يضيف منتجاً إلى محفظة المنتجات التي أرادها المستهلكون، وليس بالضرورة أن يقدّم شيئاً إضافياً للكوكب، ولكن أثناء قيامه بهذه العملية، اكتشف أمراً أكبر من ذلك بكثير. "إن توجهي الاندفاعي للعمل مع مختلف المنظمات غير الحكومية، وأفراد مثل باول رايس، مؤسس ترانزفير يو أس أيه، أنار دربي"، كما يقول كيستلر. وفي عام 2004، وبعد الانضمام إلى وول مارت، طرح السؤال الذي يشير إلى ما إذا كان على الشركة أن تفكّر بشأن الاستدامة في نهجها المتبع في التعبئة والتغليف. وأدت أفكاره المنيرة بكبار مسؤولي الشركة التنفيذيين إلى أن يقرروا عقد أول اجتماع لعملاقة بيع التجزئة حول الاستدامة. "هدفنا هو رعاية الزبون، وإن مثل هذه المبادرات تساعد الناس على توفير المال، وعيش حياة أفضل"، كما يقول.
ومنذ فترة قريبة كان يُنظر إلى الحركة الخضراء على أنها نمط حياة بديل، بدلاً من اتجاه سائد. والآن، بدأ يدرك عديد من الأمريكيين أن ما اعتقدوا أنه بمثابة قواعد الحياة اليومية هو في الحقيقة غير مستدام.
ويقول كيستلر إن الأمر في "وول مارت" لم يكن يدور حول قيام الشركة بالتغييرات فقط، مثل العمل على سلاسل التزويد من أجل مصادر مسؤولة، واستخدام مزيد من المركبات ذات الكفاءة في استهلاك الوقود، بل كان الأمر كذلك يدور حول التأكّد من أن موظفيها البالغ عددهم مليونين يفهمون حقاً أن هنالك أساليب لعيش حياة أفضل.
"بدأنا بمشروع استدامة شخصي للعمل على ضم المساعدين. وإنه مشرع اختياري تم إطلاقه لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث حث على تخفيف الأوزان بآلاف الأرطال، وأن يعمل مزيد من الموظفين على ركوب الدراجات الهوائية للوصول إلى العمل، وأن تدخر الشركة مئات الآلاف من الكيلو واط من الطاقة"، كما يقول كيستلر.
ولفت التغيّر انتباه الموظفين إلى أمور ما كانوا في العادة ليلتفتوا إليها إطلاقاً. فعلى سبيل المثال، لاحظ أحد الموظفين أنه يوجد في آلة البيع مصباح لا حاجة له. وبعد الاقتراح على الإدارة بأن المصباح كان إهداراً للطاقة، أزالت الشركة المصابيح إياها من كافة المتاجر في أنحاء البلاد، موفـّرة على الشركة بذلك مليون دولار سنوياً.
ويضيف كيستلر إن من الممكن أن تمضي الشركة أكثر في إرشاد الزبائن إلى ما ينبغي عليهم شراؤه، ولكن يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكنها المضي في ذلك؟
"ويوضح رئيس مجلس إدارة باتاجونيا، وهي شركة بيع تجزئة للملابس العضوية، إن علينا أن نعمل مع المزودين من أجل تغيير بعض عناصر المنتجات. وعلى سبيل المثال، يُعتبر شراب الذرة المحلّى بصورة مرتفعة جزءا من مكونات بعض المنتجات التي نبيعها. فيمكن لـ "وول مارت" أن تطلب من تلك الشركات التحوّل إلى سكر قصب السكر،الذي يُعتقد أنه بديل صحي"، كما ويذكر كيستلر، الذي يعترف أن الشركة لم تصل بعد إلى ذلك المستوى المطلوب للقيام بمثل تلك الدفعة.
وعلى أية حال، فإن "وول مارت" عمل مع المزودين للعمل على إزالة الإضاءة الحمراء والخضراء على أدوات مثل التلفزيونات. "المدهش هو عدد وحدات توليد الطاقة التي سيتم إزالتها من الشبكة بفعل اتخاذ قرارات بسيطة مثل تلك. وإن التفكير على ذلك النحو بسيط، وشركتنا تلعب دوراً فريداً من نوعه جعل مثل تلك التغيرات تحدث فعلاً"، كما يوضّح.
وإن أكبر عقبة في طريق الشركات هي العمل على تحقيق تلك التغييرات في غمرة الوضع الاقتصادي الحالي. "نحن نرغب في دفع مزيد مقابل منتجات تصنعها شركات تشير إلى أن زيادة أسعارها مرتبطة بقيامها باستثمارات لتصبح أكثر كفاءة في مجال استهلاك الوقود، وللرعاية العاملين لديها بصورة أفضل"، كما يقول كيستلر.
"سنرتكب بعض الأخطاء. وإنه مجال جديد، ولا توجد كتب تملي علينا ما ينبغي علينا القيام به. لا بأس إن جازفنا بمخاطرة حكيمة طالما أن الأخطاء لن تستمر حتى فترة طويلة"، كما يضيف.
بالنسبة لجون بروك، وهو رئيس تنفيذي لشركة كوكا كولا، فإن الاستدامة اتخذت مركز الصدارة في الشركة. "حين تقول شركة وول مارت، وهي أكبر زبونة لنا، إنها ستعقد مؤتمراً حول الاستدامة، ونريد أن يحضر كافة الرؤساء التنفيذيون، فبالتأكيد أننا سوف نحضر. وإن التزام شركات مثل وول مارت، وتيسكو (شركة بيع تجزئة بريطانية)، مميز؛ ومن ناحية مؤسسية، فلم يعد الأمر منهجية نشاط عملي خاص، ولكنه اتجاه عمل سائد"، كما يقول بروك.
ويضيف بروك أن اللعبة تغيّرت بصورة هائلة. "نحن نعمل مع المنظمات غير الحكومية كشركاء، بينما ما كان في الإمكان أن تجدنا مجتمعين في القاعة نفسها قبل خمسة أعوام. ونحن جميعنا ملتزمون بالنتيجة النهائية نفسها. وهنالك بعض الاختلافات حول كيفية الوصول إليها، ولكن الاستدامة أصبحت جوهر كل شيء نقوم به".
إن أحد أهداف شركتنا طويلة الأمد هو بيع لتر من الشراب دون أن تضيع قطرة واحدة من المياه هدراً. ويلزمها اليوم 1.77 لتر من الماء لصنع لتر من شراب الكوكاكولا. وحين طلب المسؤولون الحكوميون في جورجيا، حيث مقر الشركة في الولايات المتحدة الأمريكية، من شركة تصنيع المشروبات أن تقلل من استخدام المياه بنحو10 في المائة، كانت الشركة قادرة على تقليل ذلك بنحو 30 في المائة. ولكن في غمرة الانكماش الاقتصادي الحالي، يعتقد عديدون أنه بينما يزداد وعي المستهلكين، فإنهم لا يرغبون في دفع مزيد من أجل التغيّر.
"والأمريكيون بالذات متحمسون إلى حدٍ كبير، ولكن لن يضحّوا بالتركيبة، ويرفعوا الثمن. إنها مسؤوليتنا لكي نتوصّل إلى كيفية تحقيق الأمر"، كما يقول بروك. ويعتقد عديدون أن كثيرا من الأمور الآن ستعتمد على الريادة التي ستحققها الإدارة الأمريكية الجديدة.
فوفقاً لما جاء عن باول هيرمان، وهو مؤسس هيب إنفيستور – HIP Investor، وهي شركة تقع في سان فرانسيسكو، تنصح المستثمرين، والشركات حول كيف يمكنها أن تكون أكثر استدامة، وأكثر جدوى، ويمكن أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية رائدة العالم في مجال إنتاج تكنولوجيا للطاقة البديلة.
"إنه أمر محتمل في دورة رئاسية واحدة. فاليوم تقوم منافسة على الطاقة الشمسية بين الصين، والولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا. فلو كان هنالك حافز حكومي للاستثمار في ذلك المجال، لاستثمرت شركات كبيرة فيه، مثل جنرال إلكتريك. واستثمرت الصين نحو 586 مليار دولار في بنيتها التحتية، الأمر الذي سيحث على تدفق الاستثمارات قي الطاقة النظيفة"، كما يقول هيرمان.
إن أفضل دور يمكن أن تلعبه الحكومة الأمريكية هو تحديد معايير الكفاءة، وأن تكافئ الناتج، وألا تقوم بوصف وتحديد العملية أو التقنيات التي ينبغي على الشركات أن تستخدمها، كما يقول هيرمان. "على سبيل المثال، حين قدمت الحكومة المعونات المالية لسعر الإيثانول، فرضت ضغوطاً على أسعار الذرة. وكان من الأفضل لو عملت الحكومة على تحديد معايير كفاءة الوقود، بدلاً من ذلك"، كما يوضّح هيرمان، وهو يعتقد أن أولى الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على القيام بأكثر من ذلك بكثير.
"في مؤشر بورصة S&P للشركات المائة الكبرى، تقدّم نحو ثلث الشركات المسجّلة بيانات عن الاستدامة، ودمجها بفعالية بأنظمتها الإدارية. ونحو 10 فقط في المائة تعمل على تثقيف وول ستريت، والقليل منها فقط يعمل على تبادل حوارات تفاعلية مع المساهمين فيما يتعلق بالمسألة"، كما يقول هيرمان.
وتبقى المناقشات على اتساع القطاع محدودة، ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كانت الدفعة الحكومية ستكون كافية لسد الفجوة، أو ما إذا كان سيلزم الأمر أزمة أخرى لتنتقل الشركات من المصلحة الذاتية إلى المصلحة العامة.

