عندما أجلس في العادة لأضع قائمة، فإن ذلك شكل من أشكال التأجيل. لكن يمكن لي، مرة واحدة في السنة، أن أخضع عادتي في وضع القائمة للتطبيق العملي؛ عندما أكتب مقالة نهاية السنة واختار "اللحظات الحاسمة"، الخمس التي شهدتها الشهور الاثنا عشر الماضية.
كانت هذه السنة حافلة بالأخبار، ومعظمها كئيب، ولم أحتج سوى إلى بضع لحظات حتى أدون أربعة أحداث بارزة في نظري: انهيار بنك ليمان براذرز، وباراك أوباما، وألعاب بكين الأولمبية، والحرب الروسية - الجورجية. وكان الاختيار الخامس صعباً لذلك سعيت إلى اقتراحات من قراء مدونتي.
وخرج القراء بسلسلة واسعة من الاقتراحات، كان أكثرها تكراراً الهجوم الإرهابي على مومباي. وكانت هناك أحداث أخرى ظهرت عدة مرات هي إعلان كوسوفو الاستقلال، ورفض إيرلندا معاهدة لشبونة، وأشهر نيكولا ساركوزي الستة "رئيسا" لأوروبا، وأول قمة لمجموعة دول الـ 20، والاتفاقية النووية بين الولايات المتحدة والهند، وعودة القتال في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتفكك المستمر في الصومال وزيمبابوي.
#2#
وأراد البعض أن أشمل أحداثاً مالية أكثر، وهو اقتراح معقول جداً في عام الأزمة المالية. وشملت الأفكار: "سقوط آل مادوف" و"آيسلندا تغطس في ركود اقتصادي". وكان الاقتراح غير المألوف "تراجع أستراليا رهن الاختبار ولعبة كريكت ليوم واحد"، وهو اقتراح من شخص هندي.
هذا السيل في الأفكار جعلني أيضا أعيد النظر في خياراتي الأصلية. فقد أخبرني عدة أشخاص أن الصدام بين روسيا وجورجيا كان شجاراً بسيطاً لا يمثل شيئاً مخيفاً، لكنني بعد بعض التفكير غير الناضج كثيراً، أتمسك بخياراتي الأربعة الرئيسية الأصلية.
هل سيثبت انتخاب أوباما رئيسا لأمريكا، أو انهيار بنك ليمان براذرز أنه أهم حدث؟ ذلك يعتمد إلى حد ما على ما إذا كنت تعتقد أن التاريخ تشكله تصرفات أفراد بارزين، أو "قوى ضخمة مجهولة". والأزمة المالية العالمية جعلتني في مزاج حملني على أختار القوى الضخمة المجهولة.
وكان انهيار بنك ليمان براذرز يوم 15 أيلول (سبتمبر) اللحظة البارزة في أزمة الائتمان. فقد أثار أحداثاً بدت أموراً لا تخطر على البال قبل اثني عشر شهراً: عمليات إنقاذ ضخمة مولتها الدولة لبعض المؤسسات المالية البارزة في العالم، واختفاء البنوك الاستثمارية، وشركات مشهورة مثل جنرال موتورز على حافة الإفلاس، وتخفيض نسب الفائدة قريباً من الصفر.
وكما قال لي أخيرا مصرفي باريسي متشائم، هذه ليست مجرد دورة أخرى من الطفرة والإفلاس، بل هي فشل نظام، إنها انهيار جدار برلين. وربما تكون لحظة ميلودرامية تافهة، لكن الأزمة المالية تهدد استقرار الحكومات الاقتصادي والسياسي في كل أنحاء العالم.
وهل يثبت انتخاب أوباما أنه حدث استهلالي آخر؟ ولأنه ما زال عليه أن يؤدي قسم تولي المنصب، فمن الواضح أنه من السابق لأوانه كثيراً أن نعرف. لكن انتخاب أول رئيس أسود لأمريكا هو بحد ذاته حدث تاريخي، وكانت الحملة الانتخابية أكثر الحملات إثارة في التاريخ الحي.
والحدثان الثالث والرابع، الألعاب الأولمبية والحرب الجورجية، زوجان واضحان. فحفل افتتاح الألعاب الأولمبية المثير للاهتمام والمخيف بعض الشيء في بكين وتحرك الدبابات الروسية إلى جورجيا حدثا في اليوم نفسه – الثامن من آب (أغسطس). وبطرق مختلفة جداً بدا أن الحدثين مثلا الاتجاه الواسع نفسه - انبعاث قوة المتحدين الاستبداديين لديمقراطيات الغرب المتحررة.
ومع نهاية السنة، فإن فكرة انبعاث مستمر "للرأسماليين المستبدين" كانت تبدو أكثر إثارة للشك قليلاً. فالاقتصاد الصيني يعاني متاعب، بنمو متباطئ وصادرات متراجعة واضطراب اجتماعي في القلب الصناعي لجنوبي الصين. والنمو الاقتصادي واحتياطيات العملة الصعبة وأسعار الأصول في روسيا تنحدر بشكل مثير. لكن الألعاب الأولمبية والحرب الجورجية ما زالتا تستحقان مكانتيهما على القائمة. فقد تم تصوير الألعاب على أنها رمز لتحول الصين الذي مضى عليه عشرون سنة، ونظر إليهما في كل أرجاء العالم بهذا الضوء. وربما يؤدي هجوم روسيا إلى إنهاء الحياة السياسية لميخائيل ساكاشفيلي، الرئيس الجورجي الموالي للغرب. ومجمل القول إن الحرب شكلت تأكيداً ناجحاً "لمنطقة نفوذ" روسية وشكلت نكسة لآفاق عضوية جورجيا وأوكرانيا في حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي.
إذن، ما الخيار الخامس لعام 2008؟ قال عدة قراء لو إن الهجمات الإرهابية في مومباي وقعت في لندن أو نيويورك لوضعتها على القائمة بلا تردد. هذا صحيح، فلو حدثت الهجمات في مقديشو لما كنت لأضعها بشكل أكيد، في القائمة. ومما لا شك فيه هذا يقول شيئاً غير سار حول القيم النسبية التي يضعها الصحافيون الغربيون للأرواح في كل أنحاء العالم، لكن هناك تفسيراً أكثر قبولاً، وهو أن هجوماً إرهابيا يكتسب أهمية جيوسياسية حقيقية إذا كان له تبعات عالمية. ولذلك، إذا أثارت الهجمات الإرهابية في مومباي حرباً بين الهند وباكستان، فإنها تكون بلا شك واحداً من أهم أحداث السنة، لكن بفضل الله لم يحدث ذلك حتى الآن.
ولذلك خياري الخامس لعام 2008 هو ارتفاع وهبوط سعر النفط. ارتفع إلى أكثر من 147 دولاراً للبرميل في تموز (يوليو)، ثم هبط حالياً إلى أقل من 40 دولاراً. وفي النصف الأول من السنة، ومع ارتفاع ثمن النفط بشكل كبير، كان كل الحديث يدور حول ندرة الموارد، والتأثير المتزايد لصناديق الثروة السيادية، والقوة المتزايدة لمنتجي الطاقة في العالم.
وبهبوط بلغ مائة دولار في ثمن النفط، فإن الحكومات الغنية بالنفط تبدو مثل بنك في وول ستريت. والروس والصينيون، إضافة إلى سائر بلدان العالم، أخذت تتعلم من جديد، واحداً من الدروس الأساسية للماركسية. فالاقتصاد يحرك السياسة، وهذا درس من المحتمل أن يشق طريقه داخلياً بقوة أكبر في 2009.


