هل وقعت غزة وأهل غزة أسرا للأخطاء السياسية؟ لست كاتبا سياسيا لكي أجيب عن هذا التساؤل – لذلك ليس لدي في هذا الجانب سالفة – لكن الحصار قضية اقتصادية أو اقتصادية مستغلة سياسيا. لماذا يذكرني حصار أهل غزة بحصار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه بنو هاشم في شعب أبي طالب؟ لم يكن كل بني هاشم قد آمنوا بالرسول لكن الحصار لم يستهدف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط بل بني هاشم جميعهم لكي ينتفضوا على الرسول الكريم. لم ينتفض بنو هاشم – كما قدر مردة مشتركي قريش - رغم طول زمن وقسوة الحصار الذي امتد لثلاث سنوات وكذلك لم ينتفض أهل غزة – كما قدر مردة الصهاينة. ليس أهل غزة كبني هاشم وليست "حماس" كمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلا شك لكن الحصار هو الحصار والنظرية لم تتغير. حصار لقهر الحرية وفرض الحياة المذلة وسياسات الأمر الواقع. أخطأ كفار قريش في حسابات صبر بني هاشم وأخطأ الصهاينة في قياس صبر غزة وهنا تتشابه الأخطاء وتستوي النتائج والحصار. أكل بنو هاشم الخبط وورق الشجر، وفي غزة أكل الغزاويون "الخبيزة" - وهي نبتة تنمو في شوارع غزة - والعالم هو العالم في ذلك الزمن واليوم يتابع صبرهم بين مؤيد وناقم، مؤيد يتمنى نجاحهم ولم يفعل لهم شيء وناقم يتمنى هلاكهم ولم يقدر عليه.
هل كانت قوارب التحدي كإبل حكيم بن حزام وهشام بن عمرو التي كانت تُرسل لبني هاشم في جنح الليل، بالطبع لا فلم نصل بعد حتى لمستوى فعل حكيم بن حزام – رضي الله عنه – وهو مشرك وقتئذ ولم يؤمن بالرسول في زمن الحصار ولم نصل لمستوى هشام بن عمرو وهو الرافض لفكرة نبوة الرسول لكنه يؤمن ببطلان الحصار وظلمه. نعم اختلف مع الرسول واختلف مع بني هاشم لكنه لم يختلف مع نفسه، مع الإنسانية، لم يختلف مع الواجب ولا مع شرعيه الصراع والاختلاف. نعم كان حيكم بن حزام وهشام بن عمرو في زمن الجاهلية لكنهما أكثر تحضرا منا جميعا. منا ونحن أهل القضية وتربطنا بغزة وأهلها روابط لا انفصام لها. أين التحضر والإنسانية ونساء غزة يقفن على معابر الحصار بحثا عن حليب طفل أو حبات قمح لصنع الخبز بلا جدوى؟! أين التحضر وأطفال غزة يموتون ولا يجدون قبرا يدفنون فيه؟! لم نستطع أن نحميهم، لم نستطع أن ندفئهم أن نطعمهم أن نعالجهم. لكن كيف أنا لم نستطع أن نضمن لهم مدفنا إنسانيا ولو لم يكن كريما يوارى سؤاتهم. فهل كان غراب قابيل أكثر تحضرا منا اليوم؟
آه يا غزه كم أنا خجلان منك ومن أطفالك حتى في كتاباتي لم أكن متحضرا بما يكفي لأصرخ ضد هذا الحصار الظالم وغير الإنساني وغير العادل وغير الحضاري وغير كل شيء أخلاقي يكمن أن يفسره. نعم للاختلاف مع "حماس" وللرأي المختلف – لكننا مع القضية الفلسطينية بكامل فصولها - فلماذا لا نقف موقف حكيم بن حزام وهشام بن عمرو ونتحضر أكثر مما نحن عليه اليوم ونكسر حصار اللئام. نعم لنختلف مع "حماس" لكن يجب ألا نسمح للصهيونية أن تجعلنا نختلف مع أنفسنا مع إنسانيتنا وقيمنا الدينية والحضارية. لنبيت لأمر يسجل في صفحات التاريخ كما سجلها لنفر من مشركي قريش (وهم على الشرك جميعا)، سجلها لهم المسلمون وهم أعداؤهم بحروف من أصالة عربية وحضارة إنسانية تتبنى كل فعل جميل وشرف لا يرام. خمسة نفر كان أحسنهم بلاء في نقض حصار المشركين هشام بن عمرو ثم زهير بن أبي أمية والـمُطعِم بن عــدي والبختري بن هشام وزمعة بن الأسود وفاز بشرف الحديث بنقضها في بطن مكة وبين صناع المؤامرة التاريخية زهير بن أبي أمية واجتمعت معهم في هذا الفعل الحضاري المهيب "الأرضة" وهي حشرة أكلت معاهدة الحصار والكفر في جوف الكعبة. وكأنها الحياة بأسرها اجتمعت لرفض تلك الاتفاقية الغادرة. أن تحارب إسرائيل الفلسطينيين فتلك الدنيا كما شاهدها "زهير" دولا، ولكن أن نسكت على الحصار والدمار والحرب على الشعب البريء الأعزل ونحن أهل القضية فذلك لعمري الفعل الذي تخجل منه حشرة الأرضة وغراب قابيل وزمن الجاهلية العربية بأسره.
