الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

كتب الدكتور سويس العظيم في الماضي كتاباً صغيراً بعنوان السلحفاة يورتل، حول بناء هرم من السلاحف عالياً للغاية، بحيث تستطيع أعلى سلحفاة في الهرم أن ترى كل شيء على أميال حولها. وحالما تمت إضافة السلحفاة الأخيرة إلى هذا الهيكل الملتف، قام يورتل، وهو سلحفاة صغيرة في القاع، بالتجشؤ، الأمر الذي أدى إلى انهيار الهيكل بأكمله. ووجدت السلحفاة التي في القمة أن الأمر مهين، غير أن الآخرين عاشوا بسعادة إلى الأبد.

قصتنا اليوم مشابهة للغاية، فيما عدا أن الرجل الصغير الذي تجشأ كان يدعى نينجا. بينما انتهى الأمر بالسلحفاة التي في القمة، رغم أنها تعرضت للذل، ثرية للغاية، ولكن سيمضي وقت طويل قبل أن نعرف ما إذا كان الجميع عاش بسعادة إلى الأبد.

في وسط عمليات الإنقاذ وإعادة الرسملة، دعونا لا ننسى كيف بدأ الانهيار العظيم لعام 2008: بوجود الأشخاص الصغار في القاع، ويمثلون نينجا الرهونات العقارية (لا دخل، أو وظيفة، أو أصول). ولم يأبه الوسطاء والبنوك الذين أقرضوهم الأموال ما إذا كانوا يستطيعون السداد أم لا. واعتقد المصرفيون أن قيمة البيوت التي تم شراؤها بالقروض العقارية سوف ترتفع إلى الأبد، وعلى أية حال، كانوا يخططون لحزم هذه القروض وبيعها.

تحت الانهيار العظيم، يكمن الانفصال العظيم بين البنوك وزبائنها. وربما لم تمض المملكة المتحدة إلى البحث عن قروض النينجا، ولكن كان لديها أبناء عمومتها، الرهونات العقارية المقدمة وفق نموذج المصادقة الذاتي.

كانت البنوك في الماضي تعرف زبائنها. فعندما أخذت أول قرض عقاري في منتصف الثمانينيات، تم استدعائي إلى مكتب مدير الفرع في البنك لإجراء مقابلة. وكانت الرسالة الموجهة من رئيسي في العمل التي توضح راتبي بالتفصيل على مكتبه. ولم يكن هناك نموذج مصادقة ذاتي عندئذ.

لم يكن المقترضون فقط هم من تعرفهم البنوك بشكل أفضل، فهي اعتادت أيضاً أن ترى المدخرين لديها، إلى أن بدأ ذلك يبدو وكأنه إزعاج غير ضروري.

في إحدى المرات، وكجزء من الجهود المتفرقة التي يقوم بها البنك الذي أتعامل معه لترويج ذاته، تم استدعائي لحديث ودي. وكان المدير لطيفاً، رغم مرور عدة سنوات على أول حلاقة لذقنه. وقام بإظهار كافة التفاصيل بشأني على شاشته. ولا أعتقد أنه تم تحديثها منذ المرة الأولى التي فتحت فيها الحساب عندما كنت طالباً. وكان بإمكاني أن أرى أن عنوان الصفحة القديمة للغاية بشأني كان يقول "إمكانيات عالية". وعندما شعرت بالحاجة إلى أن أسأل، هل تغيرون هذا العنوان بعبارة "إمكانية غير مكتملة"؟، وعد المدير بالبقاء على اتصال معي، ولم أسمع منه مرة أخرى.

ليست البنوك فقط هي التي فقدت الصلة مع زبائنها، بل كذلك الأمر بالنسبة لشركات المياه، وشركات الطيران، ومزودي خدمة الإنترنت. وعندما تتحدث إلى الأشخاص بشأن تعاملاتهم مع الشركات، فإنهم غالباً ما يتحدثون وكأنهم في حالة حرب معهم – أو هكذا ستكون الحالة لو أنهم استطاعوا التحدث معها.

التقنية التي أنجزت الكثير لتخفيض التكاليف على الشركات، خلقت فجوة بينها وبين زبائنها.

هناك العوائق الهاتفية، المطالب للضغط على رقم تلو الآخر قبل أن تستطيع التحدث مع أي شخص، وفي العادة في مركز الاستفسار عبر الهاتف.

الكثيرون من العاملين في مراكز الاستفسار عبر الهاتف لا يبدو أنهم معنيون عندما تتحدث إليهم. فعندما استمر اتصال الإنترنت في التأخر، قال لي العاملون في مركز الاستفسار إن المشكلة كانت في الكمبيوتر الخاص بي. ولكوني يائساً، دفعت مبلغاً لمهندس كمبيوتر لكي يفحصه. ولم يستطع أن يجد خللاً به. فهاتفت مركز الاستفسار، وقلت للشخص الذي تحدثت معه منتصراً بقرار المهندس. فقال لي "إن مهندسك كاذب".

أنا شخصياً لا ألوم الموظفين، إذ إن تحت هذا الانفصال بين الشركات وزبائنها، انهيار للثقة بين الشركات وموظفيها.

جانب كبير من ذلك يتمحور حول الراتب. وإن الفجوة المتنامية بين رواتب الإدارة العليا والموظفين، والشعور بأن الموظفين في القمة يعلمون لصالح أنفسهم، أدت بالعديد من الموظفين إلى التساؤل عن سبب إزعاج أنفسهم. وأقنعهم إغلاق برامج التقاعد بألا يزعجوا أنفسهم.

كيف أصبحت الشركات بهذه الطريقة. تحت أساس ذلك كله، في المصرفية وفي كل مكان آخر، كان هناك هوس "بتحقيق الأرقام". وأدت الضغوط لتحقيق زيادات في العوائد برقم من خانتين إلى تخفيض التكلفة الجنوني، وتجريد الموظفين من المزايا، واختفاء موظفي الخطوط الأمامية الذين كانوا يعرفون الزبائن، ويهتمون بما يكفي للعناية بهم.

كان السبب لأن الرؤساء التنفيذيين حققوا الأرقام، بحيث أن أعضاء مجالس الإدارة والمساهمين كانوا سعداء لأجلهم، لأنهم حصلوا على مبالغ خيالية. وكان السعي الشديد لمواصلة تحقيق هذه الأرقام هو الذي أدى بالمؤسسات المالية إلى تورقة القروض الرديئة بنفس جنون البنك المجاور.

لا أحد يعرف كيف ستنتهي هذه المشكلة. ولكن عندما تنتهي، فسوف تعود الشركات إلى ممارسة الأعمال. وستكون الأرقام مهمة رغم ذلك. وبدون تحقيق الأرباح، لا توجد أعمال. وبدون ضبط التكاليف، لا توجد أرباح. ويحتاج المستثمرون إلى عائد أفضل مما يحصلون عليه في أماكن أخرى. (هل تتذكرون عندما اعتدنا القول إنهم بحاجة إلى عوائد أفضل مما يمكنهم الحصول عليها بوضع نقودهم في البنوك؟).

لكن في حين أن الأرقام مهمة، إلا أنها بلا قيمة في عمل ليس مستداماً. فما الذي يجعل العمل مستداماً؟ الزبائن، الذين يخدمهم موظفون محفزون. وهذا الأمر، على النقيض من مقايضات التخلف عن السداد الائتماني، ليس معقداً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية