عندما فاز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الشهر الماضي، تباهت النخب السياسية ورجال الأعمال في شيكاغو بأن المدينة نفضت عن نفسها أخيراً، سمعتها التي ارتبطت بالسياسات المنحرفة والصفقات السرية.
ومع أن رود بلاجوجيفيش، حاكم إلينوي، لم يتلق أبدا تذكرة لحضور الاجتماع الحاشد للاحتفاء بأوباما في وسط مدينة شيكاغو ليلة الانتخاب، إلا أن الرسالة حول تغير صورة المدينة فشلت حسبما يبدو في الوصول إليه.
ويبذل بلاجوجيفيش كل جهده للحفاظ على منصبه بعد اعتقال السلطات الفيدرالية له في أوائل هذا الشهر. فهو متهم بجملة ممارسات فاسدة، بما فيها محاولة بيع مقعد أوباما الذي شغر في مجلس الشيوخ. ويوم الجمعة نفى ارتكابه أي خطأ وأقسم أنه سيحارب المحاولات الرامية إلى تنحيته من المنصب.
يقول بول جرين من جامعة روزفلت في شيكاغو: "إنها أفضل وأسوأ الأوقات. فنحن حكاية مدينتين، لكنها مدينة واحدة فقط".
وكان من المقرر أن يصدر فريق أوباما الانتقالي يوم الإثنين، تقريراً داخلياً يورد فيه كل صلاته ببلاجوجيفيش، في محاولة ترمي إلى تنقية الأجواء حول القضية. وبالنسبة لأوباما، وهو نتاج ثقافة سياسية مميزة لشيكاغو – الفعالية المجتمعية للجانب الجنوبي الذي يقطنه الأمريكيون الأفارقة وذوو الدخل المتدني – فإن إقحام فضيحة بلاجوجيفيش أحيا تقليداً سياسياً آخر كان أوباما يحاول منذ مدة طويلة أن ينأى بنفسه عنه.
إن أكثر من ألف مسؤول محلي ورجل أعمال في شيكاغو أدينوا بالفساد منذ سبعينيات القرن الماضي، بينما سجن ثلاثة ممن حكموها في العقود الأخيرة.
كان بلاجوجيفيش أول حاكم منتخب في 2002، ووعد حينها بنهج جديد لإدارة الولاية بعد جورج ريان، سلفه الذي تشرّب بالفضائح. ويقضي ريان عقوبة تمتد ست سنوات ونصف في سجن فيدرالي، بعد إدانته بتهم فساد، بما فيها إعطاء عقود تابعة للولاية بملايين الدولارات لأصدقاء له مقابل رشاوى.
"إذا لم تكن الولاية الأكثر فساداً في الولايات المتحدة فمن المؤكد أنها أشد المزاحمين في هذا المجال"، حسبما قال روبرت جرانت، العميل الخاص المسؤول عن مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" في شيكاغو، عن إلينوي في اليوم الذي ظهرت فيه الشكوى الجنائية ضد بلاجوجيفيش.
ويقول بعض أبناء إلينوي إن المسوح تظهر ولايات أخرى – وعلى الأخص لويزيانا – أكثر فساداً ويشيرون إلى أن إلينوي أفرزت أيضا سياسيين أنموذجيين يحتذى بهم، مثل إبراهام لنكولن وأوباما نفسه.
لكن هناك نقاشاً محدودا غير مألوف في الولاية، حول إصلاح أنظمة تمويل الحملات الانتخابية التي تسمح بمساهمات مباشرة غير محددة من قبل الشركات لتمويل حملات السياسيين. ومن المقرر تشديد الأنظمة في الشهر المقبل، لكن محللين يحذرون من أن السياسيين سيظلون قادرين على التحايل على الأنظمة.
ويقول البروفيسور جرين: "أذكى الناس الثانويين في الولاية يكتبون قوانين تمويل حملاتنا، وأذكى الناس يديرون الحملات".
ومع هذا، سلطت الفضيحة ضوءاً جديداً على الطبيعة الوراثية لسياسات إلينوي، التي يقول عنها البعض إنها تضاف إلى ثقافة الفساد.
جيسي جاكسون الأصغر، عضو الكونجرس عن ولاية شيكاغو، وابن الناشط البارز في مجال الحقوق المدنية، يكافح لتبرئة اسمه ويبقي على حملته للمقعد الذي شغر في مجلس الشيوخ بانتخاب أوباما، حياً بعد أن ورد اسمه "المرشح رقم 5" على قيود بلاجوجيفيش لدى "إف بي آي"، والذي ادعى حاكم الولاية أنه عرض أن يجمع له ما لا يقل عن 500 ألف دولار مقابل المقعد.
ليزا ماديجان، التي تشغل منصب المدعي العام في الولاية، والتي حاولت إقناع المحكمة العليا في الولاية بتجريد بلاجوجيفيش من سلطاته، هي ابنة مايك ماديجان، رئيس مجلس النواب في الولاية، وهي تعتبر على نطاق واسع أرجح شخص لكسب الانتخابات المقبلة لمنصب الحاكم.
وعمدة شيكاغو، ريتشارد دالي، وشقيقه وليم دالي، وهو عضو في فريق أوباما الانتقالي، حصلا أيضا على بداية مبكرة في عالم السياسة، وذلك بفضل السمعة التي بناها والدهما الذي كان عمدة لـ 21 سنة.
وبلاجوجوجيفيش، من جانبه، حظي بدعم مبكر من ماكينة السياسة الديمقراطية في شيكاغو. وبوصفه ابن مهاجر صربي وعامل حديد وصلب، فهو تحت حماية ريتشارد ميل، والد زوجته، والعضو المتنفذ في المجلس التشريعي للمدينة.
يقول رجل ضغط في الولاية، يعرف بلاجوجوجيفيش معرفة جيدة أن "رود مقاتل وأنه ابن شوارع قاس كان عليه أن يقاتل للاحتفاظ بأي شيء يحصل عليه. وهو حسب رأيه لم يقم بأي عمل خاطئ – هكذا تعمل السياسة، إنجاز المهمات كما هو مألوف، هي الطريقة التي تتم بها بالأمور هنا".
