الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

الأداء السابق لا يشكل ضمانة لمعرفة المستقبل

توني شوارتز
توني شوارتز
الخميس 25 ديسمبر 2008 1:27
الأداء السابق لا يشكل ضمانة لمعرفة المستقبل

"من الأفضل ألا تعرف شيئاً، من أن تعرف ما لا يساوي شيئا"، حسبما قال فنان القرن التاسع عشر، الكوميدي جوش بيلينجز.

على الأرجح أن يمثل هذا القول ذكرى عام كان فيه المديرون، والمستثمرون، والمنظمون، والسياسيون، غارقون في أمور كانوا يعرفون سلفا أنها لا يمكن أن تحدث.

جزء من المشكلة هنا هو ما يمكن أن نطلق عليه وهم العلم. فمنذ عقود كان يُزعم أن الإدارة والاستثمار نظامان عِلميان، أي أنهما يوفران اكتشافات تجريبية مستدامة، تماماً مثل الفيزياء والأحياء.

عندما تتراكم هذه الاكتشافات، فإن المعرفة تتقدم. ويستتبع ذلك أننا نعرف أكثر من الذين سبقونا. وإذا لم نكن حذرين، سنفترض أيضاً أننا أكثر ذكاءً منهم.

إذا نقلنا ذلك إلى حقل الاقتصاد، نجد أن هذا هو السبب في الاعتقاد الذي ما زال منتشراً على نطاق واسع بأننا لا يمكن أن نعاني من ركود على غرار الثلاثينيات، لأن الركود في ذلك الوقت كان بسبب جهل أو غباء أجدادنا. حسناً، سنرى.

بالنسبة للإدارة، دعونا نختبر هذه النظرية بالأخذ في الاعتبار جنرال موتورز. ففي السنة الأولى من الكساد الكبير، هبطت المبيعات المحلية لجنرال موتورز بنسبة 30 في المائة، مقارنة بهبوط نسبته 41 في المائة في المبيعات المحلية لجنرال موتورز في أحدث سنة، الأمر الذي يعتقد أنه مزعج. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. وبحسب أدنى نقطة في دورة النشاط الاقتصادي عام 1932، انخفضت المبيعات بنسبة 78 في المائة عن ذروتها.

مع ذلك استمرت جنرال موتورز في تحقيق الأرباح. بالتسليم جدلاً، فإن رقم عام 1932 البالغ 165 ألف دولار كان مخيباً للآمال للغاية، مقارنة برقم عام 1929 البالغ 248 مليون دولار. غير أن أرباح عام 1932 كانت ممتازة، إذ بلغت 63 مليون دولار، تم دفعها من احتياطي السيولة. والتناقض مع جنرال موتورز في يومنا هذا أمر يدعو إلى الشفقة.

فكيف حصل ذلك؟ وفقاً لرئيسها في ذلك الحين، ألفرد سلون، فإن جنرال موتورز لم تستشرف حدوث كساد على الإطلاق. لكنها أوشكت على الانهيار في عام 1920 نتيجة هبوط صغير سيئ، رافقته أزمة مالية داخلية تسببت في طرد مؤسسها، ويل دورانت.

لم يكن في نية سلون أن يدع هذا الأمر يحدث مرة أخرى. وفي الأعوام الأربعة حتى عام 1929، تضاعفت الأصول الثابتة لجنرال موتورز، لكن دون أن تلجأ إلى رأس مال خارجي. وارتفع احتياطي السيولة، رغم أن ثلثي العوائد تم دفعها على شكل أرباح.

بالكاد كان ذلك يبدو مقنعاً في سنوات فقاعة الائتمان. فبادئ ذي بدء، لم يكن المساهمون ليحتملوا عدم الكفاءة المالية هذه. أين كانت القوة؟ وأين كان العلم؟

بالنسبة لهذه الأيام، يتوافر الكثير للغاية من العلم. فقد جلب نصف القرن الماضي هيكلاً عالياً من النظريات المالية: أنموذج تسعير أصول رأس المال، والهياكل الأفضل لرأس المال، ورواداً يتمتعون بالكفاءة، وباقي الأمور الأخرى. وكانت جميعها تهدف بطريقة، أو بأخرى إلى زيادة المخاطر التي يمكن للمؤسسات والمحافظ الاستثمارية أن تحتملها دون أن تصبح فاشلة.

خلال فترة ما يطلق عليه الاعتدال الكبير، لم يصبح الكثير منها فاشلاً لفترة طويلة للغاية. وهذا بحد ذاته كان من شأنه أن يسبب ارتفاعاً في المخاطر. وحقيقة أن بالإمكان محاكاة ذلك بمعادلات مقنعة بشكل جذاب، جعلت الأمور أسوأ بكثير.

مثلما هي الحال مع قطاع الأعمال، فكذلك الأمر بالنسبة للتمويل. ففي 1873 كتب وولتر باجهوت في كتابه "لومبارد ستريت" Lombard Street: "إن الأوراق المالية الوحيدة التي يجب على أي مصرفي أن يلمسها، باستخدام الأموال التي يمكن أن يطلب منه تسديدها خلال فترة قصيرة، هي الأوراق التي يمكن بيعها وفهمها بسهولة".

إن المرء يرتعد عند التفكير في ما كان باجهوت الذي تدرب في قطاع المصرفية العائلي، سيفعل بالأدوات الاستثمارية المهيكلة. كان يتم تمويل هذه الأدوات التي لا يتم تسجيلها في بنود الميزانية العمومية، من أسواق المال قصيرة الأجل. وحقيقة أنها تستثمر بطريقة أكثر غموضاً من المشتقات الائتمانية، كانت ستعتبر بالنسبة له أمراً جنونياً.

كذلك يتساءل المرء ماذا كان سيعتقد بشأن احتياطيات البنوك في يومنا هذا – أصر في كتابه على أنها كانت العامل الرئيسي لأمن المصرفية. في السنوات الأخيرة خفضت البنوك احتياطياتها إلى مستويات انتحارية، جزئياً من خلال مجازفة المنظمين.

الآن، يتعين عليها أن تعيد بناءها، وستكون العقوبة بخلاف ذلك انسحاب دعم المساهم والمقرض. غير أن القيام بذلك يعني حرمان الائتمان المقدم إلى المقترضين القائمين ـ وبالتالي رفع معدل التخلف عن سداد القروض، الأمر الذي يساهم في تخفيض الاحتياطيات مرة أخرى. الحلقة الدائرية لهذا الأمر كانت ستعني أمراً مألوفاً بالنسبة لباجهوت.

لكنه أيضاً رغم ذلك، مثل سلون، كان في هذا الوضع سابقاً. فهو شهد شخصياً ثلاث أزمات مالية خلال فترة نضوجه، بما فيها انهيار عام 1866 لأكبر شركة حسومات في العالم هي "أوفريند غورني" Overend Gurney. وتزامن نشر كتابه مع بداية الكساد العظيم بين الأعوام 1873 و1896، الذي وفقاً لبعض المؤرخين الاقتصاديين يجعل كساد الثلاثينيات يبدو باهتاً.

إذن، ما لدينا هنا هو مزيج خبيث تحديداً. فمن ناحية، لدينا الاعتقاد بأن العمل التجاري الإنساني الشخصي يمكن تحديده وفق قوانين ـ على الرغم من حقيقة أن أولئك الذين يطبقون القوانين هم أنفسهم بشر بشكل عميق. ويتشابك مع ذلك التأكيد على أن الاستقرار الاقتصادي الاستثنائي في السنوات الأخيرة كان سببه المعرفة المتقدمة وليس الحظ الأعمى.

كان جوش بيلينجز رجلاً ذكياً.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية