الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأربعاء, 10 يونيو 2026 | 24 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

توفير المياه النظيفة مطلب للتنمية البشرية في الدول النامية

الثلاثاء 23 ديسمبر 2008 3:40
توفير المياه النظيفة مطلب للتنمية البشرية في الدول النامية

كان في مالي جندي مظلات سابق اسمه أمادو توماني توريه. وكان هذا الجندي يتمتع بخفة الظل لأنه كان كثير المزاح. وقد أطلق عليه لقب "جندي الديمقراطية" في مالي لأنه أطاح بالدكتاتور الذي كان يحكم البلد في انقلاب قام به في عام 1991 قبل أن ينظم انتخابات عامة ويسلم السلطة لإدارة مدنية في العام التالي.

في عام 2002، تم انتخابه رئيساً للبلاد وحصل منذ ذلك الوقت على لقب جديد: فهو في الهيكل الخاص بزعماء العالم أعظم بطل للماء النظيف والحمامات الصالحة للعمل. هكذا يدعوه عمال التطوير وهو يعتبر أن هذا من قبيل المجاملة.

يقول توريه: "الماء هو الحياة، كما نقول هنا، وإن تعزيز الصحة العامة ووجود بيئة نظيفة هما أساس التطور البشري. إن الرجل الفقير النظيف يمكن أن يصبح غنياً. ولكن الرجل الغني المريض يمكن أن يصبح فقيراً بسهولة."

في مالي التي تعد أحد بلدان غرب إفريقيا وأغلب أرضها صحراوية جافة، جعل توريه تعزيز الصحة العامة محور السياسة الحكومية وأطلق أول نسخة وطنية من الحملة الخيرية العالمية "للقضاء على الفقر المائي". إن ما فعله على صعيد توفير المياه النظيفة والحمامات لا يستطيع أن يفعله أي زعيم لأي بلد.

تقول باربرا فروست، الرئيسة التنفيذية لمنظمة WaterAid الخيرية وتتلقى حملتها الموسمية الدعم من “فاينانشال تايمز” لهذا العام: "إننا نعمل في قطاع تم تهميشه وإهماله لسنوات عديدة، وهذا يصدق بشكل خاص على تعزيز الصحة العامة."

المياه والحمامات والأمور الصحية لا تحظى بالاهتمام اللازم على شاشات التلفزة بقدر ما تحظى به جهود التنمية الأخرى في مجال التعليم أو الطب عندما يتعلق الأمر بالدعم السياسي والتوعية العامة والاستثمار والدعم البيروقراطي.

لكن المياه القذرة، وعدم وجود حمامات والأحوال الصحية السيئة تقف مجتمعة وراء الأزمة الصحية التي تتكرر مشاهدها يومياً في الأحياء الفقيرة والقرى في منطقة جنوب آسيا وشبه الصحراء الإفريقية. وتطلق منظمة WaterAid عليها اسم "القضية الملحة المغفلة".

تقول السيدة فروست: "حجم الأزمة هائل. فهناك تسعة ملايين شخص لا يحصلون على المياه النظيفة وهناك 2.5 مليار شخص لا تتوافر لديهم الحمامات اللازمة لقضاء حاجاتهم. وهذه النسبة تشكل 40 في المائة من سكان العالم."

نتيجة لهذا الوضع، فإن الشوارع، والبيوت، والأطعمة، وأيادي الناس مليئة بالجراثيم التي تصيب الناس بالأمراض التي تسبب الوهن والضعف عندما يتناولونها. ومن أهم هذه الأمراض مرض الإسهال الذي يقضي على 4,300 طفل ممن تقلهم أعمارهم عن خمس سنوات يومياً وفقاً لما يقوله صندوق رعاية الطفولة التابع للأمم المتحدة، اليونيسيف Unicef. وهذا الأمر يجعله يحتل المرتبة الثانية بعد مرض ذات الرئة من حيث عدد الأطفال الذين يقضي عليهم، متفوقاً على أمراض الملاريا، والحصبة وفايروس مرض الإيدز HIV مجتمعة.

يقول هنري نورثوفر، رئيس قسم السياسات في منظمة WaterAid: "لو سقطت تسع طائرات جامبو من الجو يومياً، وهذا ما يعادل عدد الأشخاص الذين يقضى عليهم هذا المرض، لعقدت مجموعة الدول الثماني الصناعية مؤتمر قمة فوراً لمناقشة هذا الموضوع."

قدرت إحصائية لمنظمة الصحة العالمية لعدد ضحايا سوء التغذية التي تقترن مع مرض الإسهال والالتهابات المعوية صدرت هذا العام أن توافر مياه ووضع صحي أفضل يمكن أن يحول دون حدوث ما نسبته 6 في المائة من جميع الوفيات – بين الأطفال والبالغين.

إن أرقام الوفيات هذه تعد مذهلة ولكن كما يجادل السيد توريه، فإن تأثير المياه والتعزيز الصحي يمتد إلى أبعد من ذلك. ويقول آندرو هادسون الذي يرأس قسم إدارة المياه في برنامج الأمم المتحدة للتنمية بأن لا أحد يستطيع إنكار العلاقة بين تخفيف حدة الفقر والاستثمار في المياه والصحة."إن تحليلاتنا تبين أنه لا يوجد أي دافع اجتماعي – اقتصادي، بما في ذلك الإنفاق على الصحة، والإنفاق على التعليم والحصول على الطاقة يفسر التفاوت في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة أكثر من الحصول على المياه النظيفة والممارسات الصحية الأساسية."

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن كل دولار يتم استثماره في المياه وتعزيز الأوضاع الصحية يعطي مردود فائدة قدره ثمانية دولارات في الإنتاجية المكتسبة والتكاليف التي يتم تجنبها.

يتضح سبب ذلك في جبال الهمالايا التابعة لنيبال. ففي تلك المنطقة تحرم النساء من الفرص التي تدر الدخل عندما لا يستطعن عمل مصنوعات يدوية لأنهن يمضين أربع ساعات يومياً في جمع المياه من الينابيع، أو عندما لا يكون لديهن ماء كاف لزراعة الخضار في حدائق منازلهن.

إن محصول مزارعي الأرز يتراجع كثيراً في ريف بنجلادش عندما لا يتمكنون من ري حقول الأرز أو من مكافحة الآفات الزراعية بسبب بقائهم على فراش المرض جراء إصابتهم بالإسهال – أو عندما لا يتمكنون من شراء البذور التي تنتج محصولاً أوفر لأنهم ينفقون جزءاً كبيراً من دخلهم على الأملاح التي يتناولونها لتروية أجسامهم بعد الإصابة بهذا المرض.

يتراجع تعليم الأطفال الماليين عندما تفوتهم الدروس والحصص بسبب المرض أو القيام بمهام جمع الماء، أو عندما يتم صرف الرسوم المخصصة للدراسة على شراء احتياجاتهم من بائعي المياه. وتعاني البنات في سن المراهقة أكثر من غيرهن عندما يفضلن البقاء في البيت على تحمل ما يواجهنه من إهانة بسبب اشتراكهن في استخدام الحمامات غير النظيفة مع الأولاد.

هذه المشكلات تزيد من انعدام المساواة لأن توافر المياه النظيفة والحمامات الصحية يتبع توزيع الثروة، وهذا يعني أن الأعضاء الأفقر والأضعف في المجتمع – وهم النساء،والأطفال، والمصابون بمرض الإيدز، والمعوقون، والأقليات العرقية، والطبقات الدنيا- هم الأكثر معاناة بسبب غيابهم. إضافة إلى ذلك، فإن عبء العاملين اللذين يعوقان جهود تحسين نوعية المياه والأوضاع الصحية – وهما التغير المناخي والتمدن السريع – يقع على كاهل هذه الفئات نفسها.

لكن بينما يتم توجيه مزيد من المساعدات الغربية لقطاعي المياه والتعزيز الصحي أكثر من السابق بالأرقام المطلقة، فإن نسبة ما يخصص من هذه المساعدات لهذين القطاعين تراجعت منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وفقاً لما تقوله منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الخاصة بالبلدان الغنية. وفي البلدان النامية، فإن الإنفاق الحكومي على المياه والأوضاع الصحية يقل عن 0.5 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي- ويتدنى إلى نسبة 0.1 في المائة في كل من باكستان وزامبيا، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

يستحوذ الماء على الجزء الأكبر من هذه المخصصات ولا تذهب إلا نسبة 12-15 في المائة منها إلى الحمامات. مع الإشارة إلى أن كثيراً من البلدان لا توجد فيها وزارات لديها مسؤولية محددة عن هذا الموضوع، ولذلك لا يوجد إلا القليل من الخطط الوطنية المفصلة، وفي العادة لا يتم التطرق إلى الاحتياجات الخاصة بهذا الشأن في الاستراتيجيات العامة لتقليل الفقر.

تعكس أهداف التنمية الخاصة بالألفية هذه النتائج بوضوح، حيث تم وضع مجموعة من الأهداف التنموية لعام 2015، بموافقة زعماء العالم في مستهل هذا القرن وذلك لتحسين الظروف المعيشية، والتعليم، والصحة والبيئة في البلدان النامية. ويجري العمل وفقاً للجدول فيما يتعلق بهدف خفض عدد الناس الذين لا يستطيعون الحصول بشكل مستدام على مياه شرب آمنة إلى النصف في الفترة ما بين 1990 و 2015، ويعود الفضل في ذلك إلى التقدم الذي تم إحرازه في الصين على نحو يحجب الأداء السيئ لمنطقة شبه الصحراء الإفريقية. وتقول منظمة WaterAid إن الهدف المزدوج المتمثل في الهدف السابق مضافاً إليه هدف خفض عدد من لا تتوافر لديهم أساسيات الصحة العامة إلى النصف متخلف عن الجدول ولن يكون تحقيقه ممكناً بعد قرن من الزمن.

يقول الناشطون على هذا الصعيد إنه دون إدخال تحسينات كبيرة على صعيدي المياه وتعزيز الصحة العامة، فإن الكثير من أهداف التنمية الخاصة بالألفية ستكون في مهب الريح أيضاً – ومن هذه الأهداف خفض عدد الناس الذين يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم إلى النصف، وخفض عدد الوفيات بين الأطفال بنسبة الثلثين، والحصول على التعليم الابتدائي الشامل. ويقول خبراء التنمية إن أحد أسباب التهميش هو أن كثيراً من السياسيين لا يعرفون أن الماء وتعزيز الأوضاع الصحية يعتبران من أفضل التدابير المتاحة للوقاية من الأمراض- كما يقر بذلك الأطباء- ولا يحبون أن ترتبط أسماؤهم بقضايا التنمية الأخرى.

يقول السيد نورثوفر: "نظام المساعدات لا يستجيب للأدلة أو لاحتياجات الفقراء. إنك تتحدث عن المياه والوضع الصحي والرد هو نعم، ولكنك ستأخذ الأموال المخصصة للصحة والتعليم. إننا لا نحسن عرض قضية أن الاستثمارات في الصحة و التعليم ستجني عوائد متناقصة إذا لم يكن لديك مياه نقية وممارسات صحية جيدة."

وهناك سبب آخر يتمثل في الإدارة السيئة. ففي الشهر الماضي، قال دوجلاس اليكزاندر،وزير التنمية الدولية البريطاني: "البلدان الأكثر تخلفاً على صعيد أهداف التنمية الخاصة بالألفية فيما يتعلق بالمياه وتعزيز الأوضاع الصحية هي البلدان التي تقل فيها الشفافية، والمسؤولية، والاستجابة لاحتياجات مواطنيها."

وفي تقريره الخاص بالتنمية البشرية لعام 2006، حث برنامج الأمم المتحدة للتنمية الحكومات على أن تكون جادة إزاء معاملة الحصول على الماء- بمعدل لا يقل عن 20 لتراً يومياً من المياه النظيفة المقدور على دفع ثمنها- باعتباره حقاً من حقوق الإنسان. إلا أن ذلك لم يحدث. (معدل استهلاك الفرد الأوروبي يزيد على 200 لتر والأمريكي يزيد على 400 لتر) .

وهناك تفسير آخر للمنطقة العمياء، وهو الجنس: إن عملية جمع الماء تعتبر "عملاً نسائياً" والنساء هن أكثر من يشعرن بأثر عدم توافر الحمامات، حيث يتعرضن للإهانة والتحرش الجنسي. ولكن بما أن النساء في بلدان العالم النامي غالباً ما يحرمن من العمل في السياسة، فإنه يتم تجاهل احتياجاتهن وأولوياتهن.

يتعلق العامل الأخير بخجل المسؤولين وترفعهم عن هذا الموضوع. فقد نشرت ماجي بلاك وبين فوسيت كتاباً هذا العام عن تعزيز الأوضاع الصحية بعنوان المحظور الأخير، وبالنسبة لكثير من صانعي السياسات فهذا هو الأمر بالضبط – لأسباب ليس أقلها أن البورسلان والسباكة تمكنان طبقة النخبة في البلدان الغنية والفقيرة على سواء من أخذ موقف "اغتسل وانس". لا يوجد وزير يرغب في أن يعلن عن افتتاح حمام أو أن يقوم بزيارة إلى منطقة أعلن أنها أصبحت خالية من عمليات التغوط في العراء"، كما تقول السيدة فروستا من منظمة Water Aid التي أضافت:" إن هذا الأمر يختلف عن قولك لقد افتتحت مركزاً صحياً أو مدرسة."

هذا وكان التقرير الخاص بالتنمية البشرية لعام 2006 محاولة لإخراج هذه القضايا من وكر التنمية الذي كانت قابعة فيه. لقد رثى التقرير الافتقار إلى "بذل جهد جماعي لتوسيع نطاق الحصول على الماء وخدمات تعزيز الصحة العامة للجميع من خلال خطط وطنية حسنة التصميم وذات تمويل مناسب، تكون مدعومة بخطة عمل عالمية لتحفيز الإرادة السياسية وتعبئة الموارد".

إن التغييرات التي حدثت على هذا الصعيد منذ ذلك الوقت تعتبر عديمة الشأن. فقد أعلنت الأمم المتحدة عن جعل هذا العام العام العالمي للتعزيز الصحي. وفي الشهر الماضي، ذكرت وزارة التنمية الدولية البريطانية أنها ستنفق 200 مليون جنيه استرليني (297 مليون دولار، 238 مليون يورو) سنوياً على تعزيز الأوضاع الصحية العامة في إفريقيا على مدى السنوات الخمس المقبلة. وصادف يوم 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، اليوم العالمي للحمام.

يقول هادسون من برنامج الأمم المتحدة للتنمية بأن التزام بعض البلدان شهد تحسناً ."لكنني لا أستطيع القول إن هناك تحولاً نموذجياً يمكن تحديده – على الأقل من جانب الدول المانحة. لقد زاد الاهتمام بهذا الموضوع عبر المناسبات والمنشورات وما إليها، ولكن فيما يتعلق بما إذا كانت الأموال قد وصلت إلى الطاولة فهذا موضوع مختلف."

هناك حاجة لمبلغ آخر يراوح بين 10 و18 مليار دولار سنوياً لتحقيق الأهداف التي حددها برنامج التنمية الخاص بالألفية بحلول عام 2015، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. هذا مع العلم بأن معظم البلدان النامية التي لا توجد لديها ثروة معدنية لا تتوافر لديها الأموال، ولكن بنجلادش ومدغشقر على الأقل عازمتان على وضع المياه وتعزيز الأحوال الصحية على رأس أجنداتها. وإن موقف توريه في مالي يعطي بعض الأمل بإمكانية تغير المواقف في سائر البلدان النامية.

يرفض توريه الفكرة القائلة بأن استثمار رأس المال السياسي في الصنابير والحمامات لا يعود بفوائد سياسية، وهو يستشهد للدلالة على ذلك بتجربته الخاصة. فعقب تسليمه السلطة للحكومة المنتخبة في عام 1992، ترك الجيش والتحق بالحملة التي يقوم بها مركز كارتر لاستئصال دودة غينيا التي تنمو في جسم الإنسان من اليرقات الموجودة في المياه والتي تتسبب بظهور بثور مؤلمة.

إن الطريقة الوحيدة للوقاية من هذا المرض هي وجود حمامات صحية، وبيئة نظيفة ومياه نقية. يقول توريه مستذكراً: " لقد أخبرني أهل القرى التي تمكنا فيها من السيطرة على المرض أنني إذا استطعت أن أحل مشكلاتهم المتعلقة بدودة غينيا، فربما استطيع أن أحل مشكلاتهم الأخرى. إنني لا أعتقد فقط بأن جميع هذه القرى صوتت لصالحي في عام 2002. بل إنني واثق من أنها فعلت ذلك لأنني راجعت النتائج.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية