الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

مثلما يمكن حتى لأي زائر عادي لليابان أن يشهد، يتوفر في هذه الدولة المرصعة بنجمة ميتشلين، الغذاء وغذاء رائع, من الولائم المترفة الفخمة التي يتم إعدادها بالكامل من الخضراوات البسيطة إلى التشكيلات التي لا حدود لها من كرات الأزر المتواضعة التي تعرف بـ "أونيجيري"، التي تحتل مكانا بارزاً على أرفف الأسواق التجارية الكبيرة، فان روح الإبداع والرعاية التي يتمتع بها قطاع إنتاج الغذاء في اليابان تجعله فردوسا حقيقيا للمأكولات الغذائية.

لكن الثقافة الغذائية الثرية لليابان المعاصرة تدين بدرجة كبيرة للتدفق الحر للتجارة العالمية في قطاع الإنتاج الزراعي وبالقدر ذاته لروح الابتكار والإبداع التي يتميز بها طهاتها. وعلى الرغم من الموقف الحمائي القوي للبلاد تجاه الزراعة، والتي حددته بوضوح تام أثناء مفاوضات منظمة التجارة العالمية، فان اليابان تعد إحدى أكبر الدول المستوردة للمنتجات الغذائية. وتنتج هذه الدولة التي قدمت للعالم منتجات مثل حساء ميشو وطبق توفو والصويا، 20 في المائة فقط من محصول فول الصويا الذي يستخدم في صناعة تلك الأطباق اليومية.

بات اعتماد اليابان على الطعام المستورد يزداد بدرجة كبيرة على مر الأعوام، إلى جانب إضفاء الذوق الغربي على عاداتها الغذائية، وبالتالي فان الاكتفاء الذاتي من الغذاء الذي يقاس بكمية السعرات الحرارية التي يتناولها الفرد، بدأ ينخفض من 79 في المائة في 1960 إلى 40 في المائة في الوقت الراهن. ويعد ذلك الأدنى من بين كل الاقتصادات الأكثر تقدماً في العالم، ويماثل معدل الاكتفاء الذاتي من الغذاء السائد في المملكة المتحدة البالغ 70 في المائة.

لم يكن أي من ذلك يمثل مشكلة ذات بال حينما كان العالم ينتج كميته من المواد الغذائية تفيض عن حاجته، وكانت الدول المصدرة للغذاء تسعى جاهدة لتسويق أفضل منتجاتها الزراعية لثاني أكبر اقتصاد عالمي.

لكن مع التأثير السلبي لانفجار الطلب من الاقتصادات النامية على الإمدادات وإقدام عدد متزايد من الدول على حظر تصدير المواد الغذائية الأساسية، باتت هناك مخاوف متنامية من أن اليابان ربما لا تستطيع الاعتماد على بقية العالم لإشباع حاجتها من الطعام.

يقول هيروتا ماتسوموتو، الرئيس التنفيذي لغرفة الزراعة الوطنية: "هناك العرض والطلب لغذاء البشر وأنا قلق للغاية بشأن معدل الاكتفاء الذاتي غير العادي من الغذاء لليابان".

لا ريب، لا أحد يتوقع بأن تنخفض واردات الغذاء إلى درجة تضطر اليابان للبقاء على قيد الحياة بالاعتماد على البطاطس والأرز والأخير يمثل المادة الغذائية الأساسية التي يمكن لليابان أن تحقق فيه معدل اكتفاء ذاتي 100 في المائة تقريبا. ومع ذلك فان هناك شبه موافقة جماعية على أن اليابان بحاجة إلى إعادة النظر في سياستها الزراعية، والتي جعلت عديدا من الأجزاء في القطاع الزراعي يواجه مستقبلاً مظلماً.

ينطبق ذلك على وجه الخصوص على زراعة الأرز، والتي سبب الموقف الحمائي للحكومة وسياسة تحديد مستوى الإنتاج بغية إبقاء الأسعار عالية، ضرراً بليغاً للجدوى التجارية للقطاع.

تتخذ اليابان موقفاً حمائياً متشدداً بشأن الأرز، عبر فرض رسوم تصل إلى 778 في المائة على الواردات. وعندما انهارت مفاوضات التجارة العالمية بجولة الدوحة في الصيف الماضي، كان هناك ارتياح جماعي من قبل جماعة ضغط الأرز، كدليل واضح للمقاومة الدائمة لفتح تلك السوق. ولكن سياسة حماية قطاع الأرز من المنافسة الخارجية ومن قوى السوق، جعلت اليابان غير مستعدة بشكل مخيف للتحديات التي تواجه إنتاج الأرز المحلي.

من جهته، جعلت الجدوى التجارية طويلة الأمد لقطاع الأرز الياباني تعيش تحت ضغط رهيب، إذ إن الفشل في إنتاج كميات كافية لاحتياجات السوق، يعني أنه رغم أسعار الأرز اليابانية العالية، فإن زراعة الأرز باتت غير مربحة لدرجة أن عددا ضئيلا من المزارعين الشباب يرغبون في مواصلة نشاطهم في هذا المجال. نتيجة لذلك فإن ما يربو على نصف مزارعي الأرز تفوق أعمارهم 70 عاماً ومعظمهم يزرعون الأرز كعمل جزئي.

الأكثر من ذلك هو أن 60 في المائة فقط من الأراضي المتاحة كمزارع للأرز تم استغلاله بالفعل ومع تقاعد المزارعين المسنين، من المتوقع أن تنخفض هذه النسبة المستغلة. إذا تركت الأوضاع كما هي فإن إنتاج محصول الأرز الياباني يمكن أن يتراجع من 8.5 مليون طن سنوياً إلى نحو أربعة مليون طن كما يقول اكيو شيباتا، مدير معهد ماروبيني للأبحاث. يخشى شيباتا من أنه حتى لو فتحت اليابان سوقها لواردات الأرز، ربما لن تستطيع شراء كل الكميات التي تحتاج إليها في ظل الاتجاهات العالمية الحالية.

ثانياً، على الرغم من الموقف القوي تجاه جماعة ضغط الأرز، هناك قبول متزايد كما يقول شويشي إيتو، الأستاذ في جامعة كيوشو: "ينبغي التخفيف من قيود الاستيراد حتى يتمكن المزارعون اليابانيون من المنافسة في تلك السوق المفتوحة".

عوضا عن الاستمرار في تدليل صناعة الأرز، يجب على اليابان أن تتخذ إجراءات تهدف إلى رفع قدرتها التنافسية. وبالتالي فإن السماح باستيراد الأرز خطوة في ذلك الاتجاه، والتي ستوفر القدرة على تعزيز، يتعاظم الحاجة إليه، للجهود الرامية لتحسين الكفاءة والجدوى التجارية لإنتاج الأرز.

المسألة لا تتعلق فقط بإطعام الشعب الياباني، ولكن كواحدة من أكبر الدول المستوردة للمواد الغذائية في العالم، فان عدم الاكتفاء الذاتي من الغذاء لليابان يمكن أن يسبب ضرراً بليغاً في الإمدادات الغذائية لدول أخرى لديها قوة شرائية أضعف.

تواجه اليابان حالياً انتقادات لاذعة بسبب إخفاقها حتى الآن لفك الحظر عن 1.3 طن من الأرز التي تحتفظ بها كمخزون لإيفاء جزء من تعهداتها لمنظمة التجارة العالمية لدعم الدول التي تواجه نقصا مثل الفلبين.

كدولة تعتمد اعتماداً كاملاً على استيراد الغذاء، فان اليابان بحاجة إلى لعب دورها في تأمين استقرار تجارة الغذاء العالمية. وإذا نجحت اليابان في رفع القدرة التنافسية لقطاعها الزراعي، وربما أكثر من ذلك، تصبح مصدرة للغذاء قادرة على تقديم العون في تخفيف الشح الذي تعانيه الإمدادات العالمية، فإن ذلك سيكون ميزة أغلى كثيراً من أي عدد من النجوم ونياشين ميتشلين.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية