يمكن أن تلجأ البنوك المركزية في غضون فترة قريبة إلى أكثر أسلحتها فتكاً ضد الانكماش: مطابع العملات الورقية، والحالة التي تكون فيها معدلات الفائدة السائدة متدنية بينما معدلات الادخار عالية. وهو الوقت الذي استعد له بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، منذ فترة طويلة. فهل ينجح هذا السلاح؟ دون أدنى شك، نعم: عند استعماله بلا شفقة، فهو يقضي على الانكماش. غير أن العودة إلى الوضع الطبيعي ستبرهن على أنها بعيدة للغاية.
ألقى برنانكي خطبة احتفالية حول الموضوع في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، عندما كان محافظاً.* وتحدث بعد فترة وجيزة من انفجار فقاعة سوق الأسهم الأمريكية عام 2000. وكان صانعو السياسة في ذلك الحين يخشون من احتمال أن تحذو الولايات المتحدة سريعاً حذو اليابان في الانكماش – وانخفاضات مستدامة في مستوى الأسعار العام.
#2#
مع ذلك، أصر برنانكي في ذلك الحين "على أن الفرصة لحدوث انكماش ملحوظ في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور ضئيلة للغاية". وأشار إلى "قوة نظامنا المالي. فعلى الرغم من الصدمات السلبية التي حدثت في العام الماضي، إلا أن نظامنا المصرفي يبقى متعافياً ومنظماً بشكل جيد، كما أن الميزانيات العمومية للشركات والأسر هي في معظمها بحالة جيدة". وتحضر في الذهن كلمتا "فخر" و"هبوط". فبعد مرور ستة أعوام، وتشكُل فقاعة الإسكان مع الائتمان، لا بد أن الرئيس برنانكي أكثر حزناً، وحكمة.
كانت وجهة نظر برنانكي أيضاً أن "أفضل طريقة للخروج من المشكلة هي عدم الدخول فيها في المقام الأول". والخوف من أن يبرهن تغيير التوقعات الانكماشية على أنه أمر صعب يفسر سبب قيام الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض معدلات الفائدة الرسمية بسرعة منذ أن اندلعت الأزمة عام 2007.
هل الانكماش احتمال واقعي؟ تشير المؤشرات الأساسية للتضخم بقوة إلى أنه ليس كذلك. لكن ثمة مؤشر واحد للتضخم المتوقع – الفجوة بين العوائد على سندات الخزانة التقليدية وتلك المرتبطة بمؤشر – انهار إلى 14 نقطة أساس. وعلاوة على ذلك، فإن العوائد على سندات الخزانة الأمريكية لمدة عشر سنوات، هي تماماً عند المستوى الذي كانت عليه سندات اليابان فعلياً عام 1996، بعد ستة أعوام من بدء أزمة تلك الأخيرة. (انظر الرسم البياني الذي يبدأ قبل عام واحد من ذروة أسعار الأصول ذات العلاقة).
لماذا إذاً ينبغي على البنوك المركزية أن تخشى الانكماش؟ أولاً، الانكماش يجعل من المستحيل أن تعطي السياسة النقدية التقليدية معدلات فائدة فعلية سلبية. وكلما كان الانكماش أسرع، تكون معدلات الفائدة الفعلية أعلى. ثانياً، وكما أوضح الاقتصادي الأمريكي العظيم إيرفينغ فيشر Irving Fisher في الثلاثينيات، فإن "انكماش الدين" – القيمة الفعلية المرتفعة للدين عندما تنخفض الأسعار – يصبح عندئذ تهديداً فتاكاً. وفي الولايات المتحدة، التي ارتفع فيها الدين الإجمالي للقطاع الخاص من 118 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي عام 1978، إلى 290 في المائة عام 2008، فإن انكماش الدين من شأنه أن يحدث دوامة هبوط في عدم الملاءة الشاملة، وانخفاضا في الطلب، ومزيدا من الانكماش.
في واقع الأمر، الاحتياطي الفيدرالي تبنى مجموعة من الإجراءات غير التقليدية لإبقاء الاقتصاد نشطاً. وبحلول العاشر من كانون الأول (ديسمبر)، وصلت الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي إلى 2245 مليار دولار، أي قفزة تبلغ 124 مليار دولار في غضون أسبوع، و1378 مليار دولار في غضون عام. وهو يحتفظ بنطاق عريض من الأوراق الحكومية والخاصة، بما في ذلك 476 مليار دولار على شكل أوراق مالية للخزانة، و448 مليار دولار على شكل "ائتمانات المزادات المشروطة"، و312 مليار دولار على شكل أوراق تجارية، و233 مليار دولار على شكل "قروض أخرى"، تتضمن 57 مليار دولار على شكل ائتمان إلى "أيه آي جي" AIG وحدها. وإذا استمر على هذه الحال، فمن المرجح أن يصبح الاحتياطي الفيدرالي أكبر بنك في العالم.
هل يواجه أي قيود؟ في واقع الأمر، كلا. وكما أثبت روبرت موجابي، بإمكان أي شخص أن يدير طباعة أوراق مالية بنجاح. وحالما تصل معدلات الفائدة إلى صفر، يستطيع الاحتياطي الفيدرالي أن يعمل بسهولة أكثر. والحقيقة أنه يستطيع أن يخلق النقود دون أية حدود. وتخيل ماذا يمكن أن يحدث إذا استطاع عالم كيمياء أن يحول الرصاص إلى ذهب دون أية تكلفة على الإطلاق، حينها لن تكون للذهب قيمة كبيرة عندئذ. وبإمكان البنوك المركزية أن تخلق كميات غير محددة من الأموال دون أية تكلفة. وبالتالي يمكنها أن تخفض قيمتها إلى لا شيء دون أية صعوبة. وعلاج الانكماش أمر سهل للغاية في حالة "النقود الورقية" – نظام النقود التي يصنعها الإنسان.
بناءً على ذلك، ما الذي يمكن أن تفعله البنوك المركزية؟ يمكنها أن تخفض معدلات الفائدة الأطول أجلاً عن طريق شراء العدد الذي ترغبه من السندات الحكومية طويلة الأجل، أو أن تعد بأن تبقي معدلات الفائدة قصيرة الأجل متدنية لفترة أطول. ويمكنها أن تقرض القطاع الخاص مباشرة. وفي واقع الأمر، ربما تشتري أي أصول خاصة، وبأي سعر كان، وبالكمية التي تختارها. ويمكنها أيضاً أن تشتري أصول العملات الأجنبية. وربما تمول الحكومة بأي نطاق تجده ضرورياً.
في المقابل، تستطيع السلطات المالية أن تدير عجزاً بأي حجم ترغبه، ومن ثم تمويله بإصدار أوراق قصيرة الأجل يضطر البنك المركزي لشرائها من أجل إبقاء معدلات الفائدة متدنية. وعند حدود معدلات الفائدة صفر، فإن السياسات المالية والنقدية تصبح واحدة. وعندئذ فإن الحق الوحيد للبنك المركزي في أن يضع سياسة نقدية يزول تماماً. غير أن العكس صحيح أيضاً: بإمكان البنك المركزي أن يرسل نقوداً إلى كل مواطن. وهذا هو إسقاط الهيلوكبتر الذي اقترحه الراحل ميلتون فريدمان، وناقشه أخيراً إيرك لونرغان في منتدى الاقتصاديين الذي تعقده "فاينانشيال تايمز".
عند هذه النقطة ربما يتساءل المرء لماذا صارعت اليابان مع الانكماش لفترة طويلة للغاية. أنا شخصياً لديَّ فكرة بسيطة. لكن يبدو أن التفسير هو أن بنك اليابان لم يرغب في اتخاذ مثل تلك التدابير المتطرفة، ولم تجرؤ وزارة المالية على فرض هذه النقطة. ومثل تقييد الذات هذا لن يعيق السلطات الأمريكية.
إذن، هل يُغرق الاحتياطي الفيدرالي العالم بالدولارات، بحيث يمكننا عندئذ أن نستيقظ من هذا الكابوس؟ وكما يبين ويليام بويتر في مدونة حديثة، "اعترافات كينزي غبي"، الإجابة هي: لا.
فحالما يعود التضخم سيضطر البنك المركزي إلى بيع الأصول في الأسواق، من أجل القضاء على الأموال الفائضة التي خلقها عند محاربة الانكماش. وبالمثل، يجب على الحكومة أن تخفض عجزها إلى حجم تستطيع عنده التمويل في الأسواق. وبخلاف ذلك، التوقعات الانكماشية يمكن أن تتحول بسرعة إلى توقعات تضخم أعلى من الهدف. ويمكن أن يحدث ذلك أيضاً إذا تم اعتبار أن بيع الديون لمحاولة تعقيم الممتلكات النقدية الهائلة أكبر من قدرة الحكومة على الخدمة.
البلدان التي ليست لديها عملة قوية يمكن أن تصل إلى هذه النقطة مبكراً. وحالما يلمح أي بنك مركزي إلى إجراء "تخفيف كمي"، فمن المرجع أن يتبع ذلك هروب من العملة. وهذا الأمر محتمل تحديداً عندما تبقى البلدان ترزح تحت ثقل حجم ضخم من الدين المحلي والأجنبي. ويعرف المقرضون أن انفجار التضخم يحل العديد من المشكلات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. وربما تسيطر الولايات المتحدة على خطر انبعاث التوقعات التضخمية، وعلى الأرجح أن تجد المملكة المتحدة أن الأمر أكثر صعوبة. وإن تفادي الانكماش سهل، بينما يكون تحقيق الاستقرار بعد ذلك أصعب بكثير.
على نحو يدعو إلى المفارقة، نحن في المكان الذي نحن فيه الآن، والسبب جزئياً أن الاحتياطي الفيدرالي كان خائفاً للغاية من الانكماش قبل ستة أعوام. والآن، بعد حدوث فقاعة الائتمان فيما بعد، على برنانكي أن يتأقلم مع ما كان يخشاه عندئذ، والسبب في الغالب هو محاولات الاحتياطي الفيدرالي البطولية للوقاية. وثمة أخطار مماثلة تظهر الآن مع التدابير المتطرفة التي يبدو اتخاذها أكثر احتمالاً. وإنني شخصياً أشك في أن تكون النتيجة هذه المرة ـ في نهاية المطاف ـ ليس الانكماش، وإنما تضخم عال بصورة غير متوقعة، على الرغم من أن ذلك سيكون على الأرجح بعد سنوات من الآن.


