الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

عندما دعا العاهل السعودي الملك عبدالله قبل ستة أشهر إلى عقد قمة للطاقة في مدينة جدة، كان المزاج بين البلدان المنتجة والبلدان المستهلكة يتسم بالعداء السافر. فقد كان سعر النفط 130 دولاراً للبرميل، وفي ازدياد، وكان يبدو أن منظمة البلدان المصدرة للنفط والدول المنتجة الأخرى لا تبالي بالعواقب المترتبة على ذلك. وقلة هم الذين توقعوا في ذلك الوقت أن يعقد وزراء الطاقة قبل نهاية العام قمة ثانية في لندن مع تراجع أسعار النفط إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل.

ستكون الحالة المزاجية في الاجتماع الذي يعقد في الأسبوع المقبل مختلفة. فهناك إدراك متنام بين الدول المنتجة والمستهلكة أن التذبذب الذي رفع الأسعار من 60 دولاراً قبل أكثر من عام إلى ما يزيد على 140 دولاراً في تموز (يوليو)، قبل بدء التراجع الحالي، أضر بجميع الأطراف.

لقد عمل الارتفاع الحاد الذي ترافق مع توقعات قوية بأن الأسعار ستواصل ارتفاعها إلى 200 دولار (توقعات جولدمان ساكس) أو حتى 250 دولاراً (توقعات شركة غازبروم) على زعزعة النشاط الاقتصادي في فصل الربيع وأوائل الصيف. وأدت ارتفاعات الأسعار إلى انتقال مفاجئ للثروة من الاقتصادات الكبيرة والصغيرة، في حين أن خطر التضخم قيّد الحكومات التوّاقة إلى تحفيز النمو المتعثر. وأدى عدم التصرف إلى فقدان الثقة في أسعار الموجودات المهمة.

بالنسبة للبلدان المنتجة والمستهلكة الألم بدأ للتو. فبالمستويات الحالية، لا يستطيع عدد من البلدان المنتجة الأعضاء في "أوبك" تغطية ميزانياتها الوطنية. إيران وفنزويلا، مثلا، بحاجة إلى سعر 90 دولاراً للبرميل لدعم الإنفاق الحالي. وبعد أن تعودت على الأسعار العالية، فإن بلداناً مثل روسيا ونيجيريا تواجه بدورها تعديلات صعبة. إن المسرح مهيأ لانكماش مؤلم ولإمكانية حدوث قلاقل سياسية في 2009.

وعلى المدى الطويل، لحقت أضرار بالاستثمار من جراء حالة انعدام اليقين التي تكتنف الأسعار. كما أن المشروعات المكلفة المقامة في المياه شديدة العمق، وفي منطقة القطب الشمالي، وكذلك مشروعات معالجة الصخور الزيتية لا تعتبر مجدية بسعر 40 دولاراً للبرميل. وبالنسبة لبعض الشركات النفطية، بدأت عملية الموازنة بين توزيعات الأرباح والاستثمار الجديد تصبح صعبة. في هذه الأثناء، الشركات المملوكة للدول، التي يجب عليها وفقاً لأحدث دراسة أجرتها الوكالة الدولية للطاقة أن تؤمن 80 في المائة من النفط والغاز الإضافيين اللذين تقوم الحاجة لهما من الآن حتى عام 2030، تجد نفسها واقعة تحت ضغط الحكومات الراعية لها والتي تشغل بالها تلبية المتطلبات الفورية للإنفاق.

السؤال المطروح على اجتماع لندن هو ما إذا كان بالإمكان عمل أي شيء لاستعادة بعض القدر من الاستقرار. والجواب هو نعم، ويكمن المضي قدماً في فحص أسباب التذبذب الذي حصل في الإثني عشر شهراً الماضية.

إن ارتفاعات وانخفاضات أسعار النفط لم تكن مدفوعة بالتغيرات التي طرأت على الاستهلاك الحقيقي أو بالعرض. فقد سار الطلب هذا العام على النمط الموسمي العادي، متفقاً مع توقعات الصناعة بحدوث زيادة تراوح بين 1 في المائة و2 في المائة في النصف الأول من العام ويتراجع بعدئذ بشكل طفيف في الأشهر القليلة الماضية مع انكماش الاقتصاد. وبالقدر نفسه، لم تكن هناك مفاجأة على جانب العرض. فرغم الصراع الدائر في الشرق الأوسط ونشوب حرب حامية الوطيس في جورجيا، ظل العرض موازياً للطلب في جميع الأوقات.

التذبذب يعكس المخاوف والتوقعات ولا يعكس الحقائق المادية. أما المخاوف فتتعلق بما يمكن أن يحدث للإمدادات من روسيا أو العراق، وتتعلق التوقعات أولاً بزيادة الطلب من الصين والهند، وفي عهد قريب بالكساد الاقتصادي العميق الذي أدى إلى تراجع حاد في استهلاك النفط.

وتعتبر المخاوف والتوقعات من سمات معظم أسواق التداول. وفي حالة النفط تضاعف أثرها بغياب الآليات التي تشيع الاستقرار وبنشاط المضاربين الذين يسعدهم إجراء تداولات على الورق في المنتجات التي لا توجد لديهم نية لاستخدامها.

وإذا كان وزراء الطاقة راغبين في استقرار السوق، فينبغي عليهم أن يبدأوا بإجراء تحليل مفصل ومستقل للأمور التي سارت على نحو خاطئ. وبعدئذ ينبغي عليهم أن يطوروا آليات الاستقرار التي من شأنها أن تحد من إمكانية تكرار ما حدث في عام 2008.

وأكثر الآليات فاعلية أن يتم الاتفاق على مدى واسع للأسعار المستهدفة - وليكن هذا المدى بين 50 و75 دولاراً للبرميل – يكون مدعوماً بالاحتفاظ بمخزون استراتيجي تتم زيادته أو توزيعه عندما تنحرف الأسعار عن المدى المتفق عليه. ومن أجل دعم هذا الاتفاق يتم قصر التداول على أولئك الذين لهم مصلحة مباشرة في السوق.

وانطلاقاً من قاعدة جديدة من الاستقرار النسبي، يستطيع الوزراء أن يتدارسوا قضايا المدى الطويل التي تشكل سوق النفط: الحاجة الكبيرة للاستثمار في البنية التحتية (350 مليار دولار سنوياً وفقاً لوكالة الطاقة الدولية) وفي التغير المناخي.

وينبغي أن يكون الهدف إيجاد نقاط اهتمام مشتركة. ومع توقع ارتفاع أعداد السيارات الصغيرة من 650 مليون سيارة عام 2005 إلى نحو 1.4 مليار سيارة بحلول عام 2030، وفي ظل عدم وجود بديل معقول لمحرك الاحتراق الداخلي حتى الآن، سيستمر استخدام النفط في الازدياد لسنوات كثيرة مقبلة. ومع ارتفاع نسب تركيز الكربون في الجو إلى 400 جزء في المليون، فإن المخاوف المتعلقة بالتغير المناخي لن تتلاشى.

لدى البلدان المنتجة والمستهلكة مصلحة في التوقعات الواقعية وفي السوق المنتظمة. وهناك حاجة الآن إلى تطوير فهم مشترك لما كان يجري، وإلى وجود بنية مؤسسية يمكن أن يجري الحوار داخلها. وأفضل البنى القائمة هي المنتدى الدولي للطاقة الذي تم تأسيسه عام 1991 ومقره مدينة الرياض.

إن الطاقة والنفط يكملان وظيفة المجتمعات الحديثة ويتطلبان وجود منظومة قواعد تستطيع البلدان المنتجة أن تستثمر بثقة ضمن نطاقها. وسيكون التحدي أمام إد ميليباند، وزير الدولة البريطاني لشؤون الطاقة والتغير المناخي، الذي يترأس الاجتماع الوزاري، هو إيجاد الثقة بين مجموعة متنوعة اعتادت على الصراع بينها في لعبه يرى كثيرون أن طرفاً فيها يربح على حساب الطرف الآخر. هذا التحدي يعتبر تحدياً كبيراً، لكن قلة تتمنى تكرار المسيرة الخطرة لعام 2008.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية