الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

بأي حق تعيق إدارة التربية والتعليم نمو شركاتنا الوطنية؟

الاثنين 22 ديسمبر 2008 6:17
بأي حق تعيق إدارة التربية والتعليم نمو شركاتنا الوطنية؟

قبل عامين، تم اختياري مستشاراً تسويقياً لإحدى الشركات الوطنية المختصة في تصنيع وتسويق الثياب الجاهزة داخل المملكة وخارجها. وقد كان لي الشرف خلال تلك الفترة بالعمل مع مجموعة متميزة من الشباب السعودي الطموح (ملاك وموظفي الشركة) في التخطيط والدراسات التي تهدف إلى نمو الشركة ووصولها - على المدى البعيد – إلى مستوى شركات الملابس العالمية ومنافستها محلياً، كأول شركة سعودية تصل إلى هذا المستوى.

وفي تلك الفترة تحديداً، ظهرت لنا الفرصة واضحة جلية لوضع اللبنات الأساسية لتلك الخطط، حيث أظهرت الدراسات التي قمنا بها وجود ثغرة بين ما يرغبه مرتدو الثياب الجاهزة، وما يباع في السوق. فالوضع تغير، وأصبح الرجال - والشباب منهم على وجه التحديد - يرغبون في تجديد وتطوير الثوب السعودي، وهو ما أدى إلى توجه الفئة الغالبة منهم إلى محال الخياطة لتفصيل ثياب تتناسب وأذواقهم المختلفة من تطريز وأقمشة وتصاميم. بينما اتجه الجيل الجديد نحو تجديد أكثر حدة (اللباس الغربي)، حيث أظهرت بعض الدراسات أن طلاب أحدى الجامعات السعودية يرتدون الثياب بواقع مرتين أسبوعياً فقط!

ولأن معظم الصناعات تقوم وتتطور على أكتاف شركات، وليس أفراد، بقيت محاولات محال الخياطة خجولة محدودة في تطوير هذه الصناعة وتطوير الزي الوطني بطريقة تتناسب مع تغير الأذواق والأجيال. عندها، أردنا أن نتدخل - كشركة رائدة في هذا المجال ونرتقي بهذه الصناعة، ونعيد أبناءنا إلى زيهم الوطني بطريقة تتناسب مع متطلباتهم. وذلك من خلال تصميم وإنتاج وتسويق ثياب جاهزة متجددة ومتنوعة تتناسب مع تغير الذوق العام وتسد الثغرة الحالية.

وكانت البداية بتعيين مصمم أزياء سعودي شاب (21 سنة) ليتفهم متطلبات هذا الجيل الذي يرتدي (الجينز والتي- شيرت) معظم أوقاته. ثم بتعيين فريق عمل سعودي خالص من مديرين وإخصائيين في مختلف المجالات ومنها البحوث، التصميم، التخطيط والتسويق.. عملنا معاً ليلاً ونهاراً لنحقق هذا الحلم، ونسهم في تطوير زينا الوطني من خلال ماركة تنافس الأزياء العالمية على الأقل محلياً.

ولأن قيام شركة بتصنيع مثل هذه الثياب بكميات تجارية ليست بسهولة افتتاح محل خياطة صغير، فقد كان حجم الاستثمار كبيراً، وكان الجهد المبذول جباراً (نعم مرت علينا أيام عملنا فيها منذ الصباح وحتى منتصف الليل) حتى تحقق ما عملنا من أجله. وتم تدشين ماركة الثياب الجديدة في احتفال كبير وسط ترحيب كبير من الشريحة المستهدفة (الشباب).

حققت العلامة التجارية لهذه الثياب الجاهزة المبتكرة نجاحاً كبيراً خلال الأشهر الأولى لطرحها، مع ارتفاع الآمال بتغطية تكاليف الدراسات والتصنيع والإعلانات التي وضعت من أجلها، وبدأت تلوح في الأفق آمال التصدير لدول الخليج الأخرى حيث تلقينا طلبات لتوزيع هذه المنتجات في تلك الدول، حتى جاءت الصدمة من حيث لا نحتسب. ففي الأول من ذي القعدة عام 1428هـ أصدرت إدارة التربية والتعليم في منطقة مكة المكرمة قراراً بمنع ارتداء الثياب المطرزة في المدارس. وتضمن التعميم: "إنه في الآونة الأخيرة بدأت تنتشر أنماط من التطريز والتلوين وغيرها، ما أدخل على الزي السعودي "الثوب" فأفقده رونقه وجماله وسمته الخاصة به فخرج عن المألوف الذي اعتاد عليه الناس في المظهر وانشغل به الشباب عما يهمهم".

لقد كانت لذلك القرار عواقب استثمارية كارثية على الشركات التي دخلت هذا المجال –لتلبية احتياجات السوق- بحيث تم منع الشريحة الأساسية المستهدفة من استخدام هذه المنتجات. فأصبحت الإعلانات التي تم إنتاجها بتكاليف عالية عديمة القيمة، وهبطت المبيعات في مشهد أشبه بمشهد نراه في سوق الأسهم السعودية تكراراً، وألغت الشركة مخططاتها التوسعية – ومن ضمنها التوسع في التوظيف، كما تورطت الآن في الديون لتعويض نقص السيولة الذي تمر به بعد الإنفاق "المدروس" على إنشاء وتسويق تلك الماركة وفقاً لدراسة الجدوى التي أكدت احتياج السوق لها.

القرار لم يثر دهشة الشباب فحسب، بل كذلك العديد من الكتاب الصحافيين، والكثير من الآباء، بل وحتى المدرسين الذين كانوا يرتدون ثياباً مطرزة مثلها مثل أي ثياب أخرى، فإن عدداً من الأسئلة لا تزال تدور في رأسي إلى اليوم، أهمها:

ما الذي يعطي إدارة التربية والتعليم الحق في أن تلحق أضرارً بالغة بشركات تمثل عماد اقتصادنا الوطني ويمتلكها ويديريها أبناء الوطن بطريقة تعسفية ودون إنذار مسبق؟

ما المرجعية التي تستند إليها إدارة التربية في تحديد تصميم الزي الذي يتلاءم مع الذوق الوطني؟ وهل هي مسؤولة عن ذلك؟

لماذا سمحت إدارة التربية والتعليم بتطوير العقال والشماغ كجزء من التغيير على الزي الوطني؟ وهل كان التغيير من شكل العقال الذي كان يرتديه المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله إلى أنواع العقال الحالي يعد تعدياً على حقوقها؟

ما معنى ما ذكر في البيان بأن الثياب المطرزة تشغل الشباب عما يهمهم؟ وما نوع التطريز الذي يسبب هذه المشكلة؟ هل هو ما يكون على الجيب العلوي؟ أم الياقة؟ أم ماذا؟

حقيقة، أكتب ما كتبت بعد اطلاعي على التقارير الأخيرة لمبيعات هذه الماركة السعودية التي طعنت في ظهرها منذ المهد، وبعد اجتماعي الأخير مع مالك الشركة الذي تخلى عن رؤيته في الارتقاء بالزي السعودي لمنافسة ماركات الملابس العالمية، وبعد فترة من التحسر على الأيام والليالي الطويلة التي بذلناها من أجل ذلك الحلم، الذي قتل بقرار متعسف غير مبال.

أخيراً، لن أنادي إدارة التعليم، أو أي جهة مسؤولة عن تحديد ما نرتديه - إن وجدت - بإلغاء هذا القرار (لأن مالطه قد خربت، وتحتاج لأكثر من ذلك لإصلاحها)، إنما أدعو الجهات المعنية بحماية أكبر للشركات الوطنية، وللشباب السعودي المنتج، وللمستثمرين السعوديين الذين يفضلون الاستثمار الوطني عن الأجنبي.. أطالب بأن تكون وزارة التجارة – كجهة مشرفة على نشاط الشركات- هي المسؤولة عن وأد أو دعم أي نشاط تجاري وصناعي ولاسيما إن كان وطنياً.. كما أطالب بتعامل أكثر رقياً مع الشركات الوطنية كجزء مهم من اقتصادنا الوطني، لأنني لا أستطيع أن أصف قرارا يمحو جهود واستثمارات كهذه في لحظة ودون إنذار مسبق بالتعامل الراقي والداعم للصناعة الوطنية. أخيراً، أطالب بتفهم أكثر للشباب كجزء متميز من المجتمع بدأنا نفقده بتعنتنا وإصرارنا على أن نعيده للعيش في زمن سابق غير زمنه، وأن نكفل له أبسط حقوقه بارتداء الزي الوطني المناسب له، بدلاً من أن ننفره منه إلى الملابس الغربية.

أخيراً، أتمنى – كمواطن - أن تتفرغ إدارة تعليم المنطقة الغربية لمهامها الجسام المتمثلة في تطوير التعليم وتحسين المدارس والرقي بآليات التدريس فيها من أجل مستقبل أفضل لأبنائنا، عوضاً عن الانشغال بأشكال التطريز على ثيابهم.

هتان عبد الإله ساعاتي

[email protected]

استشاري وباحث تسويق

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية