كنت في زيارة عمل لأحد الأصدقاء وبعد أن أنجزنا معظم ما كنا نعمل عليه دعاني لشرب كوب من القهوة خارج مكتبه في الحديقة الصغيرة التي تقع بين مكاتب الشركة لنستريح قليلا ونستمتع بالطقس الذي كان في ذلك اليوم غائما وجميلا، ويبدو من كثرة المدخنين في الحديقة أنها المكان الوحيد الذي يلجأ له من يرغب بالتدخين لأن نظام الشركة لا يسمح بذلك في داخل المكاتب. معظم من في الحديقة كانوا من المواطنين يتكلمون في كل شيء إلا العمل، ما عدا ذلك العامل الذي يبدو من سحنته أنه أمريكي أو أوروبي الجنسية فقد كان جالسا لوحده ممسكا بقلمه مستغرقا في الكتابة على الكراسة التي بيده وهو يدخن سيجارته ويبدو أنه كان يكتب في موضوع شائق وذي أهمية كبيرة لعمله فلم يكن يلتفت لأحد من حوله مركزا تفكيره فيما يكتب وكأن هذه الفترة هي كل ما تبقى لديه من وقت لإنجاز ذلك العمل .
فأشرت لصاحبي وقلت: انظر لذلك العامل وقارنه بالباقين من حولك. لماذا يا ترى لا يحتاج إلى من يذكره أن هذا الوقت هو ملك للشركة؟ مع أنها هي من منعت التدخين في مكاتبها وهي على علم أن هناك من سيسيء استخدام هذا القرار فيترك العمل متعللا بالرغبة في التدخين, ولكن هذا العامل بدلا من أن يترك العمل في المكتب أحضره معه إلى هذا المكان مستغلا الفترة التي يقضيها في التدخين لإنجاز عمله وهي فترة قصيرة لا تتجاوز 15 دقيقة ومع ذلك فإنه لا يود أن يضيع من وقت العمل أي قدر مهما كان محدودا. هذا الفعل الذي بدر من العامل هو سلوك عفوي وتلقائي فغالب من يقومون به لا يفعلونه تحت ضغط من مسؤول أو عمل بل يفعلونه من باب الاستمتاع بالعمل في كل الأوقات, فهم لا يريدون أن يتوقفوا عن العمل عندما يهموا بفعل أمر آخر طالما أن باستطاعتهم الجمع بينهما، فتجد البعض يتصفح الصحيفة أو يقرأ كتابا أو تقريرا وهو يتناول طعام الإفطار أو الغداء في فترة الراحة. هذا النوع من العاملين الحياة بالنسبة لهم عمل فإذا توقفوا عن العمل أصبحت حياتهم كئيبة لا متعة فيها وهذا ما قد يفسر حالات الاكتئاب الشديدة التي يصاب بها من يحالون إلى التقاعد وهم لم يستعدوا له بعد، فهذا السلوك هو ليس وليد اللحظة أو الصدفة، إنه نتاج قيم ومبادئ تربى عليها ذلك العامل منذ الصغر عندما بدأ يتعلم ويكون ثقافته الأولى عن طريق محاكاة الوالدين وأفراد العائلة الذين يكبرونه سنا، ثم نمت تلك الثقافة وتطورت مع مرور الزمن من خلال الاحتكاك بمجتمع الحي الذي كان يقطنه والمدرسة والجامعة التي درس فيها، كل تلك المراحل المتتابعة هي من كون ثقافة وقيم هذا العامل قبل أن ينضم إلى العمل في أي شركة, ونحن عندما نعجب بسلوك البعض منهم وبالأخص ممن ينتمون للدول المتقدمة صناعيا , فإننا لا نشاهد من العاملين إلا سلوكهم لكن هناك أمرا آخر يغيب عنا وهو الثقافة التي ينتمي إليها هؤلاء العاملون فإننا لا ندركها ونضعها في الحسبان لحظة مقارنتنا إياهم بالعمالة الوطنية, فتصبح المقارنة غير موضوعية فلكي تكون أحكامنا منصفة يجب أن نراعي ظروف النشأة لكلا الفئتين وبالتالي تكون توقعاتنا متوافقة مع هذه الظروف، فنحن لا نتوقع من الخادم أو السائق الذي نستقدمه من منطقة نائية بعيدة عن الحضارة أن يحسن التصرف في العمل كمن نشأ واعتاد حياة المدن المتحضرة ولذلك نقوم بتدريبه وتعليمه أسلوب العمل السليم الذي نرغب فيه . بمعنى آخر قبل أن ننكر على العمالة الوطنية سلوكياتها ونمارس الانتقاد غير المجدي لتغيير واقعها لا بد أن نبدأ أولا بتصحيح قيم وثقافة العمل عندها, ولذلك فإن المطلوب من الشركات الوطنية أن تقوم بإعادة صياغة قيم وثقافة العاملين لديها من خلال التدريب والتوعية كما فعلت شركة أرامكو السعودية في الجيل الأول من العمالة الوطنية فقد كانوا مجموعات قدمت من كل مناطق المملكة من البادية والحاضرة من القرى والمدن وكانوا ينتمون لحياة بسيطة غير معقدة بهموم العصر فكان الوقت لا يشكل لهم هاجسا فما لم يعمل اليوم بالإمكان إنجازه في الغد، فتحولوا بعد ذلك وفي وقت قياسي لم يتعد ثلاثة عقود من الزمن إلى عمال ماهرين وفنيين ومهندسين ومديرين تخرج بعضهم من أرقى الجامعات الأمريكية يخططون لأعمالهم ويستغلون كل دقيقة لإنجاز المهام والأهداف في واحدة من كبرى شركات النفط في العالم هذا لم يحدث بفعل النقد القاسي الذي يمارسه البعض منا ضد هذا الجيل الذي أفسدت ثقافة العمل لديه تلك الممارسات الخاطئة في التنشئة التي ارتكبها المجتمع بأكمله بعد الطفرة الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط فوفرة المال خلقت لدى هذا الجيل الثقافة الاستهلاكية لكل ما هو جديد من صنع الآخرين فجلس كثير منا كالمتفرجين خلف حلبة المتسابقين في المجال الصناعي والاقتصادي والعلمي والكل يتقدم ونحن في مكاننا نصفق لما يحققونه من إنجازات.
فيا شركاتنا ويا رجال الأعمال في هذا الوطن ألم يحن الوقت لنكرر تجربة شركة أرامكو السعودية مع جيل الأوائل من آبائنا؟ خاصة وأن فيكم كثيرا ممن كان أبوه ثمرة لهذه التجربة لكي ننتشل هذا الجيل من الثقافة الاستهلاكية ونستبدلها بثقافة العمل ولكن ليس بتوجيه التهم له ووصمه بالاتكالية والدعة وعدم الالتزام كما يفعل البعض عندما يتحدث عن رأيه في توطين الوظائف والاعتماد على العمالة السعودية في تشغيل المشاريع بل باحتضانهم وتدريبهم وتوعيتهم وتحفيزهم للعمل ومنحهم الثقة، هذا الكلام ليس كلاما نظريا ونوعا من الخطابة، بل هو سيناريو كلنا يعرفه أو سمع به ممن كان قريبا من صناعة النفط في المملكة، فلماذا لا نكرر تجاربنا الناجحة بدلا من الإصرار على تكرار التجارب الفاشلة، فالاعتماد على العمالة غير الوطنية في العمل هو هروب من مواجهة المشكلة وليس حلا لها، فالحل هو ما أقدمت عليه شركة أرامكو السعودية في السابق وشركات سابك في الوقت الحاضر من إعادة بناء ثقافة العمل عند العمالة الوطنية والاعتماد عليها في تسيير دفة العجلة الاقتصادية وتصحيح المعادلة لتصبح العمالة الوطنية أكثرية والعمالة غير الوطنية هي الأقلية في الشركات، فنحن نقدر الدور الذي تقوم به العمالة غير السعودية لأن تبادل الخبرات مطلب تفرضه حاجة العمل لكن لا يجب أن تقلب المعادلة في غير مصلحة المواطن، وأخيرا أختم كلامي بالآية الكريمة "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
