الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

العيد عودة بالإنسان إلى إنسانيته

هاشم عبدالله الصالح
هاشم عبدالله الصالح
الجمعة 12 ديسمبر 2008 2:39

كل الناس, الرجل والمرأة, الأسود والأبيض وما بينهما, لهم جوهر إنساني واحد هو تلك النفخة الإلهية, ونفخت فيه من روحي, والتي ارتقت به لتجعل منه أكرم المخلوقات وأفضلها على الإطلاق. ففضل الإنسان على غيره من المخلوقات هو ببقاء توهج هذا النور الإلهي في وجوده وكينونته, وأما إذا تلاشى هذا النور خلف حجب الجسد وما يحويه من شهوات وما ينطوي عليه من غرائز تشده إلى طبيعتيه المادية والحيوانية فإن مقام هذا الإنسان يتلاشى بتلاشي هذا النور, ولا يعد له فضل وكرامة وسمو على غيره من الموجودات, بل ربما يصبح هذا الإنسان المظلم أكثر استعدادا لقبول الشر وأكثر تقبلا للوسوسات الشيطانية ليتحول بها إلى كائن يعبث ويفسد ويقتل ويخرب ويضيع الأمانة التي استودعتها عنده السماء.

فالإنسان مطالب دائما بالحفاظ على توهج هذه النفخة الإلهية في داخله ليبقى على إنسانيته وليحفظ نفسه من الوقوع في دائرة الشيطان. والله ـ سبحانه وتعالى ـ تفضل علينا بالعبادات من صلاة وذكر وتسبيح لتبقى أرواحنا متعلقة ومتصلة به تستمد منه النور ليبقى نور أرواحنا متوهجا في داخلنا فنستهدي بهذا النور في ممارستنا للحياة. وكلما استقوى هذا الارتباط الروحي بالله ، سبحانه وتعالى ـ استطاع هذا الإنسان أن يجسد إنسانيته ويعبر عنها بالصفات الإلهية التي أشرقت على روحه. فمثل هذا الإنسان المنفتح على نور السماء لا يستطيع أن يظلم أو يقتل أو يفجر أو يفسد أو يتعدي على حقوق الآخرين أو يعيش الكراهية للآخر لأن نفس هذا الإنسان متحصنة بهذا النور وهو كفيل بحفظها من أن تخترق إنسانيتها أو يشوه الخير في داخلها. فالله ـ سبحانه وتعالى ـ عندما ربط خلقنا ووجودنا بعبادته, وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، إنما أراد ذلك ليؤكد لنا أن العبادات هي طريقنا لتأكيد إنسانيتنا وعندما لا نرى لها من أثر في إنسانيتنا فهذا يعني أننا نمارس العبادات شكلا لا مضمونا وحركة لا فعلا.

فالإنسان هو بمثابة وعاء وجودي مثله مثل كل المخلوقات ولكنه يتميز عنها بسعته الكبيرة لاستقبال الفيض الإلهي لتعزيز حقيقة وجوده وهي إنسانيته, ولكن هذا الأمر مرهون به وبإرادته وعليه أن يبذل جهده لاستقبال المزيد من هذا الفيض ليرتقي بإنسانيته, يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه,. والله ـ سبحانه وتعالى ـ هدانا إلى الطرق والمسالك التي نزداد بها عبودية له وتزداد بذلك إنسانيتنا, فهناك عبادات وأعمال محددة ومفروضة تضمن لنا بحسن أدائها استقبال الحد الأدنى من هذا الفيض. وبإمكان الإنسان أن يزداد نورا بالمزيد من العبادات والأعمال الخيرة والصالحة, وهناك أماكن وأوقات أكثر حظا ووسعا لاستقبال الفيوض والرحمة الإلهية وصلاتنا واحتفاؤنا وربما وجودنا فقط أو ممارستنا أفعالا معينة في مثل هذه الأوقات أو في تلك الأماكن هو فرصة للإنسان أن يستقبل المزيد والمزيد من الرحمة الإلهية. فالصلاة في شهر رمضان تعود على الإنسان بالخير أكثر من العبادات في غيره من الشهور, والعبادة والعمل الصالح في ليلة القدر خيرها أكثر بكثير من العبادة في غيرها من الليالي. والصلاة في المسجد أفضل من الصلاة في غير المسجد. ويوم الجمعة وإن كانت ساعاته ودقائقه لا تزيد على بقية الأيام إلا أن لدقائقه وساعاته وعاء وجوديا واسعا ولذلك تتنزل فيه الرحمة والنور أكثر من بقية الأيام وهو بذلك يتيح فرصة لمن يريد أن يستزيد إنسانية وقربا إلى الله.

وفي العيد يدعونا الله ـ سبحانه وتعالى ـ لنغسل نفوسنا ونطهر قلوبنا وننقي مشاعرنا ونلطف عواطفنا بالنور الإلهي المنسكب بغزارة في مثل هذه الأيام. علينا حقا أن نستثمر أنوار العيد لنسترجع بها إنسانيتنا، التي ربما فقدناها في خلافاتنا مع بعضنا أو أنها قد تراجعت عندنا لانشغالنا بأنفسنا ورغباتنا ونزواتنا. ولا يمكن أن نستثمر العيد إلا عندما نجعل منه عودة حقيقية إلى الخير المتأصل في نفوسنا.

وفي عيدنا هذا محطات ومواقف وممارسات وأذكار كلها ترشدنا إلى وجهتنا المطلوبة وتبارك لنا عودتنا إلى إنسانيتنا. نحن في حاجة في يوم العيد إلى أن نستخدم العديد من العدسات لنوجه بها نور هذا اليوم إلى الأماكن المظلمة في نفوسنا, وإننا في حاجة إلى هذا النور المكثف لنحرق به كل النتوءات النفسية التي شوهت صفاء نفوسنا وأفسدت علينا علاقتنا مع بعضنا. إن العيش في إطار الثقافة المذهبية الحادة التي جعلتنا نكره بعضنا بحدة ونتناقش بعدائية صارخة ونختلف وكأننا لا ننتمي لدين واحد ولا نؤمن برسول وكتاب واحد, إنها ثقافة مشوهة جعلتنا نعيش في جزر منعزلة عن بعضنا, كل هذا يجعلنا في حاجة أكثر إلى نور هذا العيد. هذه القسوة في علاقتنا مع بعضنا لا يمكن أن ننهيها من ثقافتنا ولا يمكن أن نراها في سلوكياتنا ما لم نحرق بنور هذا العيد مشاعر الكراهية التي أنتجتها لنا مثل هذه الأجواء الطائفية والمحتقنة.

وببركة نور هذا العيد يستطيع الإنسان أن يحقق العودة إلى الخير المتأصل في فطرته من خلال التجرد عن كل الأفكار والمواقف والأحكام التي أخذ بها وأسس عليها أفعاله وممارساته وعلاقاته مع الآخرين وهي ربما كانت أفكارا وأحكاما عبر بها عن نفس كانت متأزمة بفعل عوامل سياسية أو مصالح فئوية أو شخصية أو هي ربما كانت نزعات ورغبات دفعت بنا للاستقواء على من يختلف معنا. في العيد فرصة لنا للتخفف من الأحكام والمواقف تجاه الآخر والتي ربما تسرعنا للأخذ بها من دون أن نعطي الفرصة لذلك الآخر أن يشرح موقفه ويكشف لنا عما أراد توضيحه. فما أكثر ما اختلفنا وتراشقنا بكلمات قاسية ضد بعضنا ولم يكن في الموضوع ما يختلف عليه لو سلمت نوايانا وصفت النفوس من الكراهية المسبقة لبعضنا.

ونحن في طريق العودة لإنسانيتنا علينا أن نشارك الحجيج في رمي شيطان الأنا القابع في داخلنا, فالأنا المتضخمة هي شيطان تمنع الإنسان من رؤية الوقائع على حقيقتها ولا تسمح للإنسان بأن يبتعد عن دائرة رغباته ومصالحه الشخصية. وإذا كان الإنسان العادي في حاجة إلى تفتيت الأنا المتضخمة عنده فإن العلماء وصناع الرأي وأهل الثقافة والفكر هم في حاجة أكثر من غيرهم إلى التخلص من هذه الأنا المتضخمة. فأكثر ما افتتنا به من خلافات وصراعات واعتداء على بعضنا وانتهاك لحقوق من يخالفنا هو بسبب تلك الأنا المتورمة عند بعض علمائنا وأهل الرأي عندنا, وكم نحن في حاجة إلى أن يجتهد هؤلاء لإصلاح أنفسهم قبل أن يهتموا بإصلاح أمرنا. فهم لن يغيروا منا قبل أن يغيروا من أنفسهم.

ففي العيد متسع كبير لما تمطره السماء من فيوض إلهية ورحمة ربانية وما علينا إلا أن نستثمر هذا المطر الكثير والخير الوفير لنزرع في نفوسنا كل القيم والمعاني والأخلاق التي تعزز من إنسانيتنا وتنقي مشاعرنا وتلطف أحاسيسنا وتقوي أواصر الحب بيننا وترتقي بممارساتنا وسلوكياتنا. إننا عندما نحتفي بالعيد فإننا نريد أن ننفتح بأنفسنا وقلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا على أنوار هذا اليوم لنغتسل به ولتعود لنا إنسانيتنا، والتي بعودتها يعم الخير كل جوانب حياتنا. بارك الله للمسلمين عيدهم وأعاده الله عليهم وهم أكثر عزا وأقوى وحدة وأكثر رشدا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية