كانت إدارة الرئيس المنتهية ولايته جورج بوش في كل الأحوال ستترك للرئيس المنتخب باراك أوباما مشكلة ماذا يفعل بصدد باكستان حليف الولايات المتحدة المتناقض في الحرب ضد الإرهاب. وتفاقمت المشكلة حين قتل متشددون إسلاميون يزعم أنهم من باكستان 171 شخصا في هجوم على مدينة بومباي الهندية الأسبوع الماضي ما وفر سببا محتملا لنشوب صراع بين الخصمين النوويين بجنوب آسيا. وحذر مسؤولون أمنيون باكستانيون بأن جميع قواتهم ستنقل إلى الحدود الشرقية مع الهند مما يسمح لعناصر القاعدة وطالبان بالتجول بحرية على الحدود الأفغانية إذا حدثت مواجهة. غير أن محللين هنودا يقولون إن من المستبعد نشوب مواجهة عسكرية نظرا للثمن الكبير الذي ينطوي عليه مثل هذا التصرف. ووصلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى نيودلهي يوم الأربعاء فيما وصل رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميرال مايك مولن إلى إسلام أباد في مهمة لتهدئة الأجواء. وقالت سامينا أحمد مديرة مشروع جنوب آسيا بالمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات "تظهر جهود الوساطة الأمريكية أن هذا الوضع ربما يخرج عن نطاق السيطرة ما لم تتم مراقبته بحرص شديد". وأضافت "أعتقد أن أوباما اطلع على الأسرار. أجرت رايس عدة أحاديث معه. إنها مسألة صعبة على الإدارة الجديدة". والتعامل مع باكستان من أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة إذ أن هناك قوات أمريكية قوامها 32 ألف فرد في أفغانستان وتعتزم الولايات المتحدة إرسال المزيد كما أن زعماء تنظيم القاعدة يخططون لجهادهم العالمي في الأراضي القبلية الباكستانية على الحدود مع أفغانستان. ويعلم أوباما أن جزءا من السبب في إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق الاستقرار لأفغانستان هو أن إدارة بوش لم تحصل قط على دعم باكستان الكامل لمساعدتها في القضاء على مئات من عناصر القاعدة. كما ألمح أوباما إلى اعتقاده بأن التوصل إلى تسوية بين الهند وباكستان بشأن كشمير جزء من المعادلة. وقالت أحمد "السلام في هذه المنطقة سيؤتي ثماره.. سيؤتي ثماره على صعيد السلام في أفغانستان والسلام العالمي والمكاسب ستكون كبيرة جدا". وهناك حاجة إلى دعم باكستان لهزيمة القاعدة ولتحقيق انتصار عسكري على التمرد في أفغانستان ومن أجل أي تسوية سياسية بين الحكومة في كابول وزعماء طالبان. وكثيرا ما قال الرئيس الأفغاني حامد كرزاي أن قيادة القاعدة متمركزة في كويتا عاصمة إقليم بلوخستان بغرب باكستان كما أشار قادة أمريكيون إلى أن مراكز القيادة والمراقبة الخاصة بالمتمردين موجودة في باكستان. وأكبر نفوذ تتمتع به واشنطن على إسلام أباد الفقيرة هو المال. ولم ينقذ باكستان من أزمة في ميزان المدفوعات سوى صندوق النقد الدولي الشهر الماضي. وتقاوم باكستان الضغوط الأمريكية للتخلص من المتشددين بمزيد من القوة قائلة إن من شأن هذا زعزعة استقرار البلاد مثلما أظهرت موجة من التفجيرات الانتحارية في العامين الماضيين. ويقول بعض المحللين إن هذا مثل التفاوض مع دولة تصوب مسدسا على رأسها. ويرى محللون أنه تحت هذا الغطاء حافظ الجيش الباكستاني سرا على الدعم لطالبان أملا في أن يستعيد بعض النفوذ في كابول ذات يوم. وأكثر ما يخشاه الجنرالات الباكستانيون هو أن يحاصروا حيث إنهم مهددون بسبب صداقة الهند مع كل من كرزاي ومصادر القوة القديمة بين فصائل في تحالف الشمال المناهض لباكستان والذين يشغلون مناصب مهمة في الحكومة الأفغانية. ويقولون إن الهند وأفغانستان تساعدان تمردا انفصاليا في بلوخستان وتثيران الاضطرابات في المناطق القبلية حيث تقيد عناصر القاعدة ومقاتلو طالبان الباكستانيون حرية الجيش الباكستاني. ويشير محللون إلى أن هذا هو المردود الذي تدفعه باكستان للحروب التي أدارتها بالوكالة في أفغانستان من خلال طالبان ومن خلال منظمات جهادية في الشطر الهندي من إقليم كشمير. وقال توماس ويثينجتون وهو استشاري دفاعي مستقل وباحث في كينجز كوليدج بلندن "من الصعوبة الشديدة بمكان الفصل بين هذه المشاكل على التوالي... الوضع في بلوخستان والوضع في كشمير وما يحدث في أفغانستان أيضا". وتشتبه الهند والولايات المتحدة في أن منظمة عسكر الطيبة الجهادية هي التي نفذت الهجوم على بومباي. ويقول مسؤولون هنود إن المسلح الوحيد الذي تم إلقاء القبض عليه اعترف بأن المجموعة التي نفذت الهجوم تلقت تدريبها في باكستان مما يتركهم يتساءلون عن مدى عمق أي صلة لهذا بجهاز المخابرات التابع للجيش الباكستاني. ويشير محللون إلى أن جماعة عسكر الطيبة كانت تحظى برعاية المخابرات التابعة للجيش الباكستاني فيما مضى على الرغم من حظرها رسميا عام 2002 كما أن باكستان كانت تؤكد دوما أنها لا تقدم إلا دعما معنويا ودبلوماسيا لمقاتلي كشمير الساعين إلى الحصول على الحرية. وقالت الهند إنه سيكون من الصعوبة بمكان المضي قدما في عملية السلام المستمرة منذ أربع سنوات والتي تحقق نتائج بطيئة. وحال مزيج من الحذر من قبل الهند والاضطرابات الداخلية في باكستان دون إحراز مزيد من التقدم. ويقول دبلوماسيون إن الهند وباكستان كانتا على وشك تسوية النزاعات على الأراضي بشأن منطقة سياتشين الجليدية في شمال كشمير والحدود البحرية في منطقة سير كريك عام 2007 لكن لم يحدث شيء لأن قائد الجيش السابق برويز مشرف غرق في أزمة سياسية كلفته في نهاية المطاف رئاسة البلاد. وأشار مسؤول بارز في الحكومة - خدم في عهد مشرف طلب عدم نشر اسمه - إلى أن الجانبين أحرزا تقدما من خلال جهود دبلوماسية غير رسمية للتوصل إلى حل سياسي للنزاع الأساسي على كشمير لكن هذه الجهود تعثرت أيضا. وفي ظل المناخ الحالي المشحون سيكون من الصعب استمرار عملية السلام ناهيك عن إحراز تقدم وستظل كشمير حجر عثرة بين الدولتين. وقال ويثينجتون "لا أتوقع تغير هذا واقعيا على مدار الأعوام الخمسة أو العشرة المقبلة ما لم تكن هناك تسوية سياسية قابلة للاستمرار تقبلها جميع الأطراف ولا أتوقع حدوث هذا في ظل المناخ الحالي". ولا شك أن أوباما ووزيرة خارجيته التي اختارها هيلاري كلينتون سيحاولان تحقيق هذا في أقرب وقت ممكن. وفي الوقت نفسه على رايس أن تقنع الحكومة الهندية بألا تفعل أي شيء من شأنه زعزعة استقرار الحكومة المدنية في باكستان التي يمكن أن تصبح في النهاية شريكا في السلام.
مشكلات باكستان المتلاحقة تهدد بخروج الأمور عن السيطرة وتصعب مهام أوباما

"الاقتصادية"
الجمعة 5 ديسمبر 2008 1:54
