الجمعة 07 ذو الحجة 1429 هـ. الموافق 05 ديسمبر 2008 العدد 5534  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 32 يوم . عودة لعدد اليوم

قصي وهاني .. أنتما المستقبل

د.هاشم عبد الله الصالح

هناك كثير من أهل الخبرة, وبالأخص في المجال التنموي والحضاري, من يرى أن من الفوارق المهمة بين الأمم المتحضرة وغير المتحضرة, مقدار انشغال الأمة بمستقبلها, فالأمة المتحضرة وإن كانت في مرحلتها الحاضرة لم تصل إلى ما تريد من مكانة اقتصادية وثقافية ودرجة عالية من الرقي في تنظيم مجتمعها إلا أنها مشغولة بصنع هذا المستقبل الذي تريده لنفسها. فالمستقبليات لا بد أن تكون حاضرة بقوة في ثقافة المجتمع وعقلية صانع القرار, أما إذا استهلكت الأمة والشعوب في المشكلات الآنية واستنفدت قواها في قضايا وخلافات الماضي فإنها تكون غير مستعدة ولا مؤهلة لصنع مستقبلها ولا حتى تشكيل حاضرها وإنما ستعيد إنتاج الماضي وتكرار السابق وربما بأشكال أكثر تخلفا وبواقع أكثر جمودا.

لا شك أن ثقافتنا الجمعية وأطرنا الفكرية تختزن كثيرا من المعوقات التي تمنعنا أو تعوقنا بدرجة كبيرة من التفكير في المستقبل والانشغال بمتطلباته واستحقاقاته, فمعظم الشعوب العربية والإسلامية تعيش حالة طوارئ ثقافية دائمة تفرض عليها أن تنشغل بالدفاع عن حاضرها خوفا من أن يخترق من قبل ثقافات أمم وشعوب أقوى منها حضورا وترى أن خير دفاع عن الحاضر هو الهروب به إلى الماضي. فلا قيمة للتفكير في المستقبل في ظل ثقافة تعيش الماضي أكثر مما هي موجودة في الحاضر ولا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تصنع منا رجالا للمستقبل. فهناك كثير من التغييرات المطلوبة في ثقافتنا للخروج بها من هذا الاستغراق في الماضي والتقوقع والجمود في إطار الحاضر. نريد لثقافتنا أن تبني لنا ذوقا جمعيا لا يتلذذ باجترار حوادث الماضي وخلافات من سبقنا, نريد منها ثقافة تعلمنا ألا نكرر التاريخ بأفعالنا وسلوكياتنا وحتى بخلافاتنا, بل علينا أن نأخذ من هذا التاريخ الدروس والعبر التي تجعلنا أكثر تعقلا في النظر لقضايانا ومستلزمات بناء مجتمعاتنا. إننا نريد ثقافة تجعل منا أكثر إلحاحا واجتهادا في تغيير الواقع بالشكل الذي يرتقي بمستقبلنا, نريد ثقافة تجعلنا أقوى من أن نضعف أمام التحديات والمشكلات والصعوبات التي تعترض طريقنا, إن التغيير بطبيعته هو طريق محفوف بالمشكلات والمعوقات ولكن الإنسان بثقافته الواعية لا يهرب من هذه المشكلات ولا يرى وجودها مبررا لعدم تكرار تجربته في التغيير مرة بعد أخرى. لا نريد للثقافة أن يقتصر دورها في التنظير للواقع من دون أن تجعل منا أدوات لتغيير هذا الواقع والارتقاء به. من المهم جدا أن نعي ثقافيا ألا ننشغل بتحقيق الذات إلا في إطار تغيير الواقع, وبالتالي لا يشكل هذا الواقع مشكلة لي بمقدار ما يمثله من تحد في طريقي لتحقيق ما أريد لنفسي وما أتطلع إليه في مستقبلي.

هذا الاختراق لثقافة ربما نتهمها بأنها غير مشغولة بالمستقبل وأنها أضعف من أن تجعل منا أدوات لصنع هذا المستقبل وجدته حاضرا وبينا عند "قصي" و"هاني" وكليهما شابان ولكنهما مشغولان بالمستقبل, يبتسم هاني وهو يتحدث عن الصعوبات الإدارية وغير الإدارية التي يجتهد في تذليلها ليكون باحثا متميزا في مجال تخصصه وهو العلاج الطبيعي. حاولت تحت وطأة التجربة أن أخفف من حماسه وهو يستعرض لي الأفكار والمشاريع البحثية التي ينوي القيام بها لعلمي أن البيروقراطية الإدارية ستجهض أفكاره وستقف في طريق تحقيق ما يتطلع إليه من مشاريع. أحسست براحة وأنا أرى حماسته ووضوح رؤيته في كيفية التغلب على مثل هذه الموانع, لم يبد أي ضعف في ثقته بنفسه, كان يردد أن الإصرار وتكرار المحاولة كفيلان بأن يكشفا طرقا لتجاوز هذه المعوقات والالتفاف عليها. كم هي جميلة الثقافة وهي تصنع من هاني إنسانا واثقا بنفسه ومؤمنا بقدرته على تطوير ذاته, نعم هي الثقافة التي جعلته يستمتع بإجراء البحوث والقيام بالدراسات وإن لم يطلب منه ذلك, وغياب مثل هذه الثقافة هي التي جعلت غيره من الشباب إما مستسلما للظروف والمعوقات وبالتالي لا يجد في نفسه القدرة على العطاء فتنكمش شخصيته ويتلاشى طموحه وينعدم تفاعله مع المجتمع, وإما تجده مستغرقا في البحث عن صناعة ذات زائفة لنفسه أو السعي والاجتهاد للقيام بأعمال غير جادة, وبالتالي لا يجد المجتمع في هذا الشاب إلا الهم والنكد وعدم الاستقرار وضياع المستقبل.

إن الإنسان ليفرح ويتفاءل بالمستقبل وهو يجد هاني وهو يعمل بنشاط وهمة عالية لتدريب الأقل خبرة منه, إنه بالتأكيد يعلم أن التطوير والتغيير الذي يحلم به لن يتم به وحده ولا بد للواحد من جماعة تشاركه القناعات نفسها وتمتلك ما عنده من المعرفة والخبرات. وحتى عمله في تدريب غيره يريد أن يجعل منه بحثا علميا ليقيس بنفسه ما أنجزه وما أخفق فيه من عمل. وعندما وجد أن إدارته لا توثق وبالطرق الصحيحة والمنظمة كل المعلومات والبيانات التي تخص العمل, وهذا مع الأسف هو حال كثير من المؤسسات العامة عندنا وبذلك تضيع الخبرات ونخسر كل المعلومات الضرورية التي تفيدنا في البحث والتطوير, بادر هو بنفسه بوضع فكرة مفصلة للقيام بمثل هذا التوثيق ولم يثنه تلكؤ الإدارة في تبني الفكرة وتم له ما أراد من خلال التعاون مع إحدى الجامعات, وهو الآن مشغول يريد أن يقنع الإدارة بضرورة الاستعجال في تطبيق ما تم إنجازه من نظام.

وأما قصي هذا الشاب الذي يشتعل حماسة فيكفيك جلسة واحدة معه ليطير بك إلى المستقبل, فهو ما زال طالبا في كلية الطب وعلى الرغم من أن دراسة الطب بطبيعتها تستهلك كثيرا من جهده وطاقته إلا إنه وهو طالب عنده الرغبة القوية والهمة العالية لممارسة البحث العلمي. كلما استمعت إليه وهو يحدثني عن المواد التي يدرسها أحس وكأنه يصف لي طبقا من الطعام اللذيذ قد دعي لأكله, فهو يتلذذ بما يتعلمه ويفرح بكثرة ما هو ملزم بتعلمه. لا تسمع منه إلا كم هي حلوة هذه المادة وكم هو عظيم هذا المدرس الذي استطاع أن يخوض بنا مجاهيل هذا العلم, وكم هو جميل أن تكشف لنا هذه العلوم عظمة الخالق والمخلوق. في كل مرة أجلس إلى قصي وأستمع إلى حديثه أتمنى أن يعود بي الزمن إلى الوراء لأدرس هذا الطب الجميل الذي أراه في كلماته وأحاسيسه وشعوره, وكم أود أن آخذ قصي لأدور به على المدارس ليستمع منه الطلاب ما يثير حماستهم ويقوي من رغبتهم في التطلع إلى ما هو عظيم في حياتهم المستقبلية. لم يقبل قصي فكرة أن على الطالب الدراسة والتعلم وأما التحقيق والبحث فهي مهمة الأساتذة والعلماء وطلاب الدراسات العليا, كان يرى أن من حقه كطالب أن يتعلم فنون البحث العلمي وأن يمارسه وهو على كرسي الدراسة, اجتهد في التأسيس لفكرته, فالبداية كانت تأسيس ناد للبحث العلمي وبموافقة الكلية ومن ثم صار للكلية يوم خاص بالبحث العلمي تستنهض فيه همم الطلاب للدخول في هذا المجال وإتاحة الفرصة لهم للتعرف على الموضوعات الممكن بحثها وإتاحة الفرصة للاتصال بمن لهم الرغبة للمشاركة فيها.

فكم هي جميلة هذه الثقافة التي جعلت من قصي يكبر علميا كل يوم, لم تكفه المقررات الدراسية لإشباع حبه للعلم والمعرفة ووجد أن ممارسة البحث العلمي ما يسد هذا النقص, ووجد أن الكلية بفصولها وقاعاتها ومختبراتها لم تعد تتسع لطموحه فصار يتطلع إلى المشاركة والانضمام إلى مؤسسات علمية وطبية محلية وإقليمية. فهو اليوم يستعد لتقديم أول بحث علمي له في مؤتمر إقليمي خارج المملكة, وهو وإن كان فرحا بهذا الحدث إلا إنك تشعر في حديثه مرارة لا يرغب في أن يظهرها لك ولكنك تحس بها في كلماته وتعابير وجهه لأن هناك من يريد أن يقلل من قيمة هذا الحدث.

ما يجمع قصي و هاني هو حبهما تطوير ذاتيهما والارتقاء بنفسيهما من خلال الانغماس في ممارسة البحث العلمي في تخصصيهما. هاني يعمل ولكنه يرى أن عمله لن يتطور إلا بتطوير معارفه وقدراته, وهذا لا يتم إلا بتتبع العمل وتطويره من خلال البحث العلمي. أما قصي فيدهشك فيه هذا الحماس الذي جعله يعطي وينتج في الساعة الواحد ما يعطيه الآخرون في أسبوع كامل. بالتأكيد أن هناك المئات وربما أكثر من أمثال قصي وهاني في مجتمعنا وهؤلاء هم من سيصنعون مستقبلنا ومن حقهم علينا إن لم نكن قادرين على تشجيعهم وتسهيل الأمور لهم ألا نكون عقبة في طريقهم.

عدد القراءات: 1086

تعليقان

  1. نجيب (1) 2008-12-05 06:48:00

    لقد تفوق الدكتور هاشم هنا على نفسه،أو أن ذاته التربوية ظهرت بأروع ألقها، لأنه من كتابته اليوم تستشف العاطفة المكينة، والعلم الحق، والروح المعلـِّمة تنصعهر معا لتقدم مشهدا طالما تمنيناه لبناة الأجيال أمثال معلمنا الدكتور هاشم.
    مع أن متاباته تتسم دوما بالتواري وراء المعرفة، وهذا طبع العلماء والمفكرين، إلا أنه اليوم يسجل حضورا بازغا ومؤثرا، وقصي وهاني ما هما إلا رمزين لمستقبل واعد، بشرط وهذا ما لم يقله الدكتور، لطبيعته البعيدة عن محور الذات، أن يكون لدينا الروح التلقائية التربوية العلمية الحاضنة والمتبنية والمحبة والعارة مثلما هي روح الدكتور.
    لقد أحببت المقالَ من كل قلبي.
    نجيب..

  2. مقبل الذكير (2) 2008-12-05 11:33:00

    الدكتور هاشم من الكتاب المتميزين .. الذين أحرص على كتاباتهم ففيها عمق فلسفي رصين .. وكنت قد رجوته قبل فترة أن لا يحرم جمهور القراء من فائدة كتاباته .. بمحاولة ضغطها قليلا لنكون في حدود
    800 كلمة تقريبا .. حتى يستفيد منها عامة الناس أما خاصتهم فلا تفوتهم مهما طالت.

    حبيبنا نجيب الزامل سبقني في التعليق ولم انتبه انه اكتفي من توقيعه باسمه الأول .. وعندما وصلت لنهاية تعليقه عرفت من الأسلوب أنه نجيبنا الزامل. فلماذا لم يعرف بنفسه كاملا؟
    إن ذلك كان سيسعد كاتب المقال
    فقد اصبح حتم نجيب الزامل عنوانا على الجودة
    إن بعض التواضع مخل .. وقد يعكس المعني ..
    تحية محبة وتقدير للأخوين القديرين هشام ونجيب.

    مقبل الذكير


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
نحن نتوخى نشر جميع الردود دون أي تدخل. وأي تعديلات تجري على الردود تهدف إلى الارتقاء بالحوار، وعدم الخروج عن الموضوع، أو المساس بأي شخص أو جهة بشكل غير لائق ويتنافى مع الموضوعية، ومع المكانة التي تتمتع بها الاقتصادية الإلكترونية.
الاسم
البريد الالكتروني
تعليق
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق