الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

البنوك وأزمة الودائع .. تعديل نسب الفائدة لن يقدم حلا

محمد آل عباس
الجمعة 5 ديسمبر 2008 2:18

حتى كتابة هذا المقال لم يظهر تورط مباشر للمصارف السعودية في الأزمة المالية العالمية – وإن كنا نناقش هذا الموضوع في ظل ثقافة مالية تتسم بالتحفظ الشديد وعدم الشفافية بل تضع لهذا الأمر قداسة النجاح. لكن برغم ذلك فإنه تجب علينا دراسة ردة الفعل التي انتهجها النظام المصرفي السعودي للتعامل مع الأزمة. وعندما استخدم عبارة النظام فإنني أؤكد على عدم إغفال أي جزء من أجزائه. فالنظام المصرفي ليس مجرد بنك مركزي وبنوك تجارية عاملة فقط بل هناك مقترضون وهناك – الأهم - مودعون يجب عدم إغفالهم أو إغفال التعامل مع ردود أفعالهم تجاه الأزمة. عند هذا المستوى فإنه من الصعب القول بعدم تأثر النظام المصرفي بالأزمة فهو يعاني اختلالا بين نسبة نمو الودائع ونسبة نمو القروض بل حتى القول بنمو الودائع يعد مثار شك كبير، خاصة أن تقرير مؤسسة النقد عن شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي يشير إلى انخفاض ودائع الشركات والأفراد سواء الودائع تحت الطلب أو الودائع الادخارية وذلك مقارنة بمستوياتها في الشهر السابق وهي المشكلة التي لم تستطع مؤسساتنا المالية أن تتعامل معها ليس في المملكة فحسب بل في جميع دول الخليج.

عندما ضرب الكساد اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية عام 1929 كانت النظرية الكلاسيكية تهيمن على القرار الاقتصادي، وكان مفكروها يصرون على عدم التدخل وضخ الأموال للاقتصاد، وأن الأسعار ستتراجع إلى مستويات تحفز الطلب وتحرك الإنتاج مرة أخرى. لكن النتيجة أن أعداد العاطلين تتزايد والعاطلون ليس معهم ما يشترون به مهما هبطت الأسعار. لم يكن هناك من حل سوى أن يتم ضخ الأموال "ليد العاطلين ليشتروا بها". والضخ ليد العاطلين ليس بالضرورة أن يكون مباشرا. تعلمت الولايات المتحدة الأمريكية الدرس فعندما هاجمتها الأزمة الحالية نراها تكافح ضد عدم نقص الأموال بيد المستهلكين وتكافح ضد عدم إفلاس الشركات وتزايد نسب البطالة. تظهر الولايات المتحدة بعض النجاح ولكن مازالت الأزمة في أوجها، والنتائج يصعب التكهن بها. تغيرت الكتب الاقتصادية بعد أزمة الكساد وأصبحت الفائدة أداة رئيسة من أدوات توازن الاقتصاد وتحفيز الاستهلاك أو ضبطه. لكن ما كان ثوريا في الماضي يصبح كلاسيكيا اليوم فالنظرية الكلاسيكية التي تعتمد على تعديل سعر الفائدة تكاد لا تحفز شيئا اليوم وخاصة في دول ذات نظام مصرفي نام ومنها دول الخليج.

لم يعان مواطنو دول الخليج من أزمة سيولة فالنظام الاقتصاد ليس نظام سوق بمعنى الكلمة ونسبة مساهمة القطاع الخاص مازالت متدنية. معظم أبناء الخليج موظفون لدى الدولة وهذا يضمن تدفقا نقديا مستمرا لهم يحفز الاستهلاك وخاصة مع تدني نسب التضخم وهي نقطة جيدة لو أن النظام المصرفي أستطاع أن يحفز الودائع لكن هذا لم يحدث. في المملكة على وجه الخصوص لا يتم منح فوائد على الحسابات الجارية في خطوة تعد انعكاسا للثقافة الدينية للمجتمع بينما يتم استخدام تلك الودائع في إقراض الناس بمعدلات فائدة مرتفعة. من هنا يجب النظر إلى أن تعديل معدلات الفائدة لن يقدم أو يؤخر على مستويات الودائع الجارية فهي لن تتأثر بها. بالمقابل فإن للضغط الإعلامي تأثيرا مباشرا على قناعة العامة بسلامة النظام المصرفي – البنوك – وبحسن إدارتها للأموال من هنا يتجه الناس طواعية إلى تقليص مستويات الإيداع ولهذا لم تنمو الودائع بل اتجهت للانخفاض.

وإذا كانت البنوك عبارة (إن جاز التعبير) عن نظام لتصريف الأموال – مدخلات على شكل ودائع ومخرجات على شكل قروض – ومع خفض معدلات الفائدة فإن نسبة المخرجات – القروض – تتزايد بينما نسب الودائع ثابتة أو متناقصة وإذا استمرت الحال على هذا المنوال فإن سلامة النظام ستكون على المحك في المدى المتوسط. في ظل هذه الظروف الصعبة لم يكن مفاجئا أن تظهر تقارير تشير إلى أن البنوك تتجه إلى رفع الفائدة على القروض برغم تخفيضها فيما بينها وبرغم تخفيض مؤسسة النقد لنسب الفائدة. فكأن البنوك تريد أن تخفض مخرجاتها أو أن مخاطر القروض تتزايد "عليها" طالما بقيت نسب الودائع دون تغير محفز. لكن هذا الاتجاه سيؤثر في قدرات الشركات في الحصول على تمويل ومن ثم قدراتها الإنتاجية وبالتالي تتجه إلى لاعتماد على ودائعها أو استثماراتها مما يضاعف من مشكلة الودائع بدلا من حلها.

من جانب آخر يجب علينا ألا نفكر بطريقة كلاسيكية للحل من خلال دعم البنوك وإقراضها فإذا ما قدر و تحول الجمهور إلى سحب الودائع فإن انهيار البنك أمر لا مفر منه مهما دعمه البنك المركزي لأن كل ما سيقوم به الأخير هو مقابلة سحوبات الودائع فقط بينما سيفشل البنك حتما في صناعة ودائع جديدة بدلا عن المسحوبة وسيرتكز بقاء البنك على ودائع الجهات الحكومية والبنك المركزي ويتحول إلى مجرد فرع له. لا أريد أن أتحدث عما هو أسوأ لكن الواضح تماما أن عمليات تعديل سعر الفائدة – بشكل كلاسيكي - لم تؤثر بشيء ويجب التفكير بشكل جدي في حلول مناسبة ولعل في تجربة بنك البلاد بعض الحل. كما أن ما قامت به حكومة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله من دعم لبنك التسليف الذي يقدم قروضا مباشرة للمواطنين سيسهم في تجاوز مشاكل السيولة في الاقتصاد وأي عمل في هذا الاتجاه – دعم مباشر للمواطن – سيكون جيدا وقد يكون الوقت ملائما لتسوية مستحقات المعلمين. كما أن تحسن وضع سوق الأسهم السعودية سيعزز من الودائع بشكل كبير مما سيقلل الضغوط على البنوك. لكن كل هذه الإجراءات ستكون هامشية طالما لم تستطع البنوك تقديم محفزات حقيقية للودائع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية