عودة الكرامة إلى ساكني أحياء دكا الفقيرة
تمتد أنابيب المياه بشكل ملتو في الزوايا الصدئة للأكواخ المعدنية المموجة وتسير بشكل متعرج في الأزقة الضيقة لحي كوريل المكون من الأكواخ. وتنتهي الأنابيب في خزان أسمنتي تصب فيه قدراً قليلاً من المياه.
كوريل هذا مكان بدائي وخشن يبتلع ضوء النهار، وهو ليس مربوطاً بشبكة المياه العامة في مدينة دكا، عاصمة بنجلاديش، لأن سكانه، كسكان معظم الأحياء الفقيرة، يعيشون فيه بصورة مخالفة للقانون لأن الأرض ليست ملكاً لهم.
ولذلك هم مضطرون لشراء الماء من الباعة الخاصين، من أمثال شاديا أخطر، وهي امرأة ملامحها أنيقة تدير شبكة الأنابيب هناك.
تقول شاديا إنها وزوجها يعملان في هذه التجارة لإنقاذ جاراتها من الصعوبات التي كانت تواجههن في شراء الماء من خارج الحي: "كنت اضطر لترك طفلتي حديثة الولادة في البيت وأمشي مسافة طويلة لجلب الماء. كانت طفلتي تبكي لوحدها. وكنت أتألم لمرآها عندما أعود".
لكن جاراتها لا يشعرن بالامتنان لها، بل كن يتجمعن حولها وهي تتحدث بجانب الخزان ويفندن ما تقوله.
وتقول شاديا إنها دفعت رسوماً مقابل تمديد الأنابيب بصورة مشروعة، لكنهن يقلن إنها أعطت رشوة لمسؤول فاسد يعمل في سلطة المياه. وتقول إنها تملأ الخزان لمدة ساعة ونصف في اليوم، بينما يقلن إن المياه تجري لمدة 20 أو 30 دقيقة. وعندما تشعر أنهن يتفوقن عليها عدداً، تعتذر شاديا وتغادر المكان.
وتقول عميلاتها إن المياه لا تتوافر في كثير من الأحيان في فصل الجفاف، الأمر الذي يضطرهن إلى الاستحمام في مياه البحيرة النتنة التي تحيط بحي كوريل.
وعندما تفيض المياه تسبب لهن الإسهال، خاصة أنهن لا يرغبن في أن يدفعن أكثر مما تدفعه عائلة من الطبقة المتوسطة تحصل على المياه من الشبكة العامة بعشرين مرة.
لكن هناك إشارات تدعو إلى الأمل في الأماكن الأخرى في دكا، المدينة التي يعيش ثلث سكانها البالغ عددهم عشرة ملايين شخص في الأكواخ. ذلك أن منظمة WaterAid الخيرية التي تدعم "فاينانشيال تايمز" برنامجها الموسمي تعمل مع أحد الشركاء المحليين، DSK، على تغيير السياسة المائية.
ففي 1992 بدأت DSK بمحاولة إقناع سلطة المياه والمجاري في دكا بأن لساكني الأكواخ حقاً أخلاقياً في الحصول على المياه من الشبكة العامة، وهم مستعدون لدفع ثمن معقول مقابلها. إلا أن السلطة كانت متشككة. ففي بداية الأمر وافقت على تزويد الحي بنقطتين للمياه، عندما وافقت DSKعلى أن تقوم بدور الضامن لدفع الفواتير.
وبشكل تدريجي، شعرت السلطة أن ساكني الأكواخ يدفعون الفواتير المستحقة عليهم واستمرت في الإبقاء على نقاط الماء من خلال اللجان التي شكلها المستخدمون.
ووجدت السلطة أيضاً أن مد شبكتها إلى الأكواخ في الأحياء الفقيرة قلل الخسائر التي كانت تتكبدها من عمليات سرقة المياه بصورة مخالفة للقانون.
وواصلت DSK تكرار أنموذجها في سائر أنحاء دكا. وفي العام الماضي وافقت سلطة المياه على تسجيل نقاط المياه المخالفة التي يبلغ عددها 200 نقطة باسم ساكني الأكواخ، بدلاً من اسمها.
ومن الأماكن التي استفادت من هذه المبادرة حي زاكيرر Zakirer. فقد قالت رئيسة لجنة المستخدمين في الحي، رانو بيجوم: "إننا نشعر بأننا أفضل حالاً لأن بيوتنا نظيفة وملابسنا نظيفة. وأصبح لدينا ماء كاف للطبخ ونستطيع أن نستحم يومياً".
وتتشارك في مضخة المياه 20 عائلة تدفع رسماً ثابتاً يراوح من 30 إلى 50 تاكا (0.44- 0.74 دولار) شهرياً مقابل ما تستهلك من المياه، مهما كانت كميتها. وتقرر اللجنة الرسوم التي تدفعها كل عائلة وفقاً لدخلها.
تقول بيجوم التي تكسب عيشها من المتاجرة بالخردوات: "DSK تشبه الملائكة بالنسبة لنا. لقد مكنتنا من مواصلة حياتنا. لقد ساعدتنا على العيش بكرامة وشجاعة".
لا يوجد تعليقات