كانت السنوات الـ 150 الماضية بمثابة عهد للبطولة الصحافية، وكانت زمناً طور فيه الصحافيون صورتهم الذاتية. وقدم هذا العهد شهوداً على الرعب، مثل وليم هوارد رسل، من صحيفة التايمز، الذي ساعدت أخباره الصحافية حول حرب القرم في تدمير حكومة وتحديث جيش.
واعتباراً من ستينيات القرن الماضي ظهر فيلق من المحققين الذين برروا وجودهم بإيجاد وإدامة كادر وظيفي مهني صلب للغاية. وتلقى هؤلاء المراسلون دعماً ضخماً من خلال شهرة ووضع آل مورو من CBS على مستوى البث الإعلامي في الخمسينيات، وكذلك من قوة صحافيين في واشنطن بوست، هما بوب وودوارد وكارل برنشتاين، اللذان اشتهرا بتقاريرهما حول فضيحة ووترجيت في السبعينيات.
يمكن القول بطرق مختلفة إن ثلاثة كتب نشرت حديثاً هي نتاج فترة الانتقال من العصر البطولي للصحافة إلى ماذا؟ العصر الجديد ليس له اسم، غير أن المؤشرات المبكرة تفيد بأن سمات "عصر الكتابة الشعبية" يمكن أن تكون مناسبة للوصف هنا، نظراً للانفجار الشديد الذي شهدته الإنترنت في السنوات العشر الأخيرة على صعيد انتشار المدونات، ومواقع التشبيك الاجتماعي، ورسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية. ويتم كل ذلك بكثافة لم تشهدها حتى فترة شدة الاعتماد على الرسائل الخبرية في العصر الفيكتوري.
يرى شارلي بيكيت، في سوبر ميديا، العصر الجديد بهذه الصفات. وهو يتوقع بقوة أن يأتي عصر يمكن أن يحل فيه هذا النوع من صحافة المواطن محل الأنموذج التقليدي، كما يصف ذلك بتعبير "أنقذوا العالم". أما أدريان مونك، منتج الأخبار السابق في كل من ITV وسكاي، وأستاذ الصحافة في جامعة لندن سيتي، فيفضح زيف عصر البطولة، ويقول إنه لم يكن عصراً بطولياً على الإطلاق. كما أن المقالات الواردة في مجموعة ديموس، فتتعامل مع قناعة حديثة بأن الشخصيات العامة ليس لديها الحق في أن تكون لها حياتها الخاصة.
يمكن القول من بعض الجوانب إن نشاطات الإنترنت والمدونات في أيامنا هذه تشكل عودة إلى الأسلوب الصحافي الذي كان سائداً في القرنين 17 و18، وهو عصر المغامرين من أصحاب المشروعات الذي كان فيه الناس ممن لديهم شيء يقولونه، يستطيعون إنشاء متجر ينشرون عبره أوراقهم وكتيباتهم. وهو كذلك أقرب إلى عصر من عدم اليقين، حيث يستذكر أيام العصر الـفيكتوري، إذ كان الشباب المتأنقون في ملابسهم يشكلون مجموعات أدبية تعيش حياة صعبة في عالم غلب عليه الصحافيون الذين يكتبون لعدة جهات. واعتمدت الصحافة في القرن الـ 20، ومازالت تعتمد على القواعد التنظيمية، أي بوجود صحف ذات أقسام وهيكل تدريبي وتوجه لجعل المهنة مسيرة حياة، إضافة إلى شركات تلفزيونية استثمرت في الأخبار، وفي أقسام الأحداث الجارية، واتحادات عمالية زودت الصحافيين في الدول المتقدمة، لبعض الوقت، ببعض الحماية من الطرد من العمل، وهي الميزة التي تميز بها الطابعون في مناسبة سابقة.
لم تنته هذه الأمور، إلا أنها تتعرض للاهتزاز. فالفضاء الصحافي ملطخ في أيامنا هذه بمصانع الأخبار الكبرى التي تقلصت وأصابها المرض. ولدى CBS في أيامنا هذه عدد قليل من المراسلين الأجانب، والقليل من حماس التحقيقات. أما صحيفة لوموند التي أسسها هيوبرت بوف ميري، لإعادة تأسيس وترسيخ شرف الصحافة الفرنسية لفترة ما بعد الحرب، فتصارع الآن من أجل البقاء. وصحيفة ديلي إكسبرس التي كان لها حضور مؤثر للغاية بين أفراد الطبقة الوسطى في بريطانيا، تقلصت الآن لتصبح شيئاً في جيب ناشر أخبار ومواضيع جنسية فاضحة.
كان القاسم المشترك لذلك هو فقدان الجهمور والعوائد خلال العقد الماضي. وكما يلاحظ تشارلي بيكيت، في سوبرميديا SuperMedia "هناك ضغط على الصحافة بأكثر مما يكفي لجعلها خائفة من المستقبل". وهو يستعير مقطعاً من خطاب ألقاه في كانون الثاني (يناير) عام 2007، إد ريتشاردز، رئيس الهيئة المنظِمة لوسائل الإعلام في المملكة المتحدة OFCOM يطرح هذا السؤال: في ظل الابتعاد عن استهلاك الأخبار، سواء في البث الإذاعي، أو وسائل الإعلام المطبوعة، وما يبدو أنه اتجاه عملي متصاعد، فما مدى أهميته في وجود مجتمع مدني سليم؟ والحقيقة أنه سؤال ملائم. وأسست الصحافة نفسها على التبرير، والصورة الذاتية، وعلى اعتقاد بأنها تعمل على تمكين وتقوية جمهورها العام كي يصبح أفراده مواطنين أفضل. فإذا انتهت الصحافة فما الذي يحدث للمواطنة؟
تتم الإجابة الشاملة في هذا المقال على سؤال مونك الذي شكل عنوان كتابه "هل بإمكانك الثقة بوسائل الإعلام؟". الإجابة لا. فلا يمكنك الثقة بوسائل الإعلام، مثلما أنك لم تثق بها من قبل. ولا يعتقد مونك أن المعايير تتهاوى، لكنه يعتقد أن درجة متزايدة من انعدام الثقة تعتبر استجابة عقلانية من قبل الجمهور على وسائل الإعلام التي ظلت مدعاة لعدم الثقة. ويكتب في ذلك "من وجهة نظر تجارية، الثقة من الموجودات التي لا قيمة لها". وهو يسخر من "الثقة العاطفية التي تعتمد فقط على ما إذا كان الناس يمكن أن يكونوا شهداء على الحقيقة، فإنهم حينئذ يتصرفون من أجل الفضيلة". ويشدد على الرزمة العاطفية، بدلاً من الرزمة المنطقية التي يجلبها جمهور القراء والمشاهدين إلى كل أمر.
ويلاحظ مونك أن "القضايا الأخلاقية لا تكاد تثار على الإطلاق" في الممارسات الصحافية. وهو يعتقد أكثر بالحاجة إلى الصحافة من أجل الكشف والتفسير، ويريد تحرير قوانين الخزي والعار، وأن تصبح الخدمات السرية أكثر انفتاحاً، حتى نفهم جوانب الخطر في الحرب على الإرهاب بصورة أفضل. وإذا كانت الصحافة تعيش أزمة، فإن بعض مكونات تلك الأزمة قديمة قدم الصحافة ذاتها، كما لا يمكن فصلها عنها. وفي هذا الكتاب الذي يمكن فهمه بسهولة، إضافة إلى أنه مكتوب بأسلوب ممتع، فإن مونك ينتهي إلى قناعة تفيد بحاجتنا إلى الصحافة، لكنه ينظر إليها بعين والسخط، وعلى أنها معِيبة وأنها حين تفعل شيئا جيدا، فان ذلك يكون من قبيل الصدفة.
أما حجة بيكيت فعلى النقيض من ذلك، ويتم تلخيصها في عنوانه الفرعي "إنقاذ الصحافة حتى تستطيع إنقاذ العالم". ويبدو أنه يعني ما يقول. ويثير بيكيت تعبير "صحافة المواطن"، وهو مصطلح يشمل كل شيء من المدونات، مروراً بشاهدي الكوارث أو الحروب، إلى الهواة من صحافيي الإنترنت، وكذلك وضع الإنقاذ الصحافي. ويرى أن معظم تغطية الصحافة المعاصرة للشؤون السياسية "عمل منحاز، ومغرض، وضحل". وهو يعتقد أن مديري الأخبار في العواصم ممن ينتمون إلى الطبقة الوسطى، يغضبون نسبة عالية من جماهير القراء المحتملين، لأنهم لا يكتبون قصصاً حول نوع الفقر الذي تفهمه الجماهير من خلال التجربة والخبرة.
وفوق كل ذلك، يعتقد بيكيت أنه "كلما تصرف الصحافيون بصورة أقرب إلى المواطنين، فإن الصحافة تصبح أقوى". وهو يعتقد كذلك أن الصحافة يفترض أن تكون متجذرة في الواقع المجرب، وأن صحافة المواطن تكتسب ممارستها، وشرعيتها من ذلك الواقع.
إن هذه القطعة من أعمال بيكيت ذات الحجج القوية، والمصادر الجيدة، تكتسب مزيداً من المعلومات والاستنارة من الوقت الذي أمضاه في التعامل مع الأخبار وبرامج الأحداث الجارية في كل من هيئة الإذاعة البريطانية والقناة الرابعة لتلفزيون المملكة المتحدة. وهذا أشد ما قرأته من تبن من حيث الاستدامة والحماسة لصحافة المواطن، حيث يظهر إيمانا بقوة الصحافة المتحالفة مع مواطنة نشطة وفاعلة.
وهو يزيد من أهمية قضيته بتقديم مثل من "ذي نيو برس" The New Press في فورت مايرز، في ولاية فلوريدا، التي دفعت من أجل الحصول على قائمة بدفعات الإغاثة التي قدمت لضحايا إعصار كاترينا. وقامت بعد ذلك بنشر تلك القائمة، وطلبت من قرائها إخبارها عن الجوانب الشاذة في تلك الدفعات، حيث استخدمت ذلك فيما بعد أساسا لكتابة القصص الإخبارية. وهو يكتب كذلك عن الرهبان والاحتجاجات خلال أعمال العنف والتظاهر في بورما، الأمر الذي عوض عن ذلك الحظر شبه الكلي على النشاطات الصحافية حول ذلك الحدث، وذلك بإرسال الرسائل النصية، والمدونات، وإرسال الصور إلى العالم الخارجي. وفي مرور رقيق على الصحافة الإفريقية ، فإنه يقتبس، بصورة مطولة بعض الشيء، من كتابات المدونين المؤثرين والغاضبين الذين يشاهدون السلوك الإجرامي من جانب حكوماتهم الفاسدة بصورة أوضح لأنهم يعيشون في ظله، والذين يبثون وجهات النظر التي تجري مراقبتها في الصحف الإفريقية، وكذلك بصفة خاصة في الإذاعة والتلفزيون.
هذا هو سبب الاستدراك، أو واحدا من ذلك أسبابه. ومحاولات تحويل صحافة المواطن إلى ممارسة يومية، بدلاً من أن تكون مجرد رد فعل على أحداث معينة، لم تتقدم كثيراً حتى الآن. واستخدم جاي روزن، المدون العلاّمة، ومؤسس موقع Press Think الرائع، منحة من وكالة رويترز في محاولة لبدء عملية يستطيع من خلالها صحافيو صحافة المواطن تقديم القصص الإخبارية القائمة على ملاحظاتهم ومعرفتهم الخاصة، حيث يمكن للمحترفين تحريرها في صورة أخبار وتحاليل مقروءة . واضطر كذلك إلى الاعتراف بالفشل، للحظة الراهنة، على الأقل.
ومعظم الإضافات التي أمكن ملاحظتها على الصحافة السياسية التقليدية من خلال جو المدونات لم ترفع المستوى الأخلاقي. ولعل أشهر ما في ذلك هو مات دريدج Matt Drudge الذي أصبح الآن قوة إعلامية، وكشف سبقه الصحافي عن العلاقة بين مونيكا لونسكي وبيل كلينتون. وهو يواصل العمل الآن على خط الشائعات والنكد والغمز والهمز. وكانت المدونة الشخصية المشهورة قليلاً في المملكة المتحدة، التي تخص جوديو فاولتيس (بول ستينز)، قائمة على اعتقاده أن نظامنا السياسي متعفن، وأنه يسمح للسياسيين بالهروب من مواجهة العواقب من خلال الصحافيين المحشودين الفاسدين. وكان السبق الصحافي الذي حققه هو كشف العلاقة الغرامية بين جون برسكوت وسكرتيرته عام 2006.
وليس من الواضح ما يعنيه "التصرف بصورة أقرب إلى المواطنين " بالنسبة للصحافيين، أو حتى ما يعنيه تعبير "المواطنين الذين يتصرفون بصورة أقرب إلى الصحافيين". فالمواطنون لا يريدون، في الغالب، صحافة من أي نوع.
وتنظر مجموعة يو كيه كونفيدنشيال ـ وهي مجموعة رائعة من المقالات يبلغ حجمها حجم كتاب، ومستقاة من مجموعة التفكير، ديموس ـ إلى الصحافة من خلال عدسة التقنية. وما تظهره لنا هذه المجموعة من جانب أشخاص متنوعي الخبرات هو أن الرغبة الحميدة من جانب كل من الشركات والحكومة لتعجيل حصولنا على البضائع والخدمات كانت تعني تمريراً غير مبال من جانب الجمهور لكميات كبيرة من البيانات الشخصية للشركات وللدولة.
يشير توم إليوب، مؤسس جارلك (خبراء المعلومات الشخصية على الشبكة) الذي يقدم المشورة حول الأمان على الشبكة، إلى أن النتيجة هنا هي أن الشبكة إذا تم تمرير معلوماتها بمعرفة يمكنها أن تفشي ما يكفي من المعلومات عن شخص بما يسمح لشخص آخر بالحصول على بياناته الشخصية. وهكذا بينما ينظر العصر البطولي إلى الخصوصية كشاشة للتصرفات الخاطئة، فإن العصر الجديد يرى فيها ملجأ يتعرض للتهديد. وكلما زاد ما لدينا من صحافة المواطن، بما فيها من تخفيف ضرر الكودات (الرموز) الخصوصية، زاد المواطنون المرخصون من فعل ما كانوا يحبون فعله على الدوام، وهي زيادة المعرفة بأمور أقرانهم من المواطنين.
أليس هناك من مخرج من المصادر الحالية لأحزان الصحافة؟ لن يتم ذلك بحركة واحدة كما أعتقد، لكن على الرغم من كل واقعية مونك، وتحذيرات مفكري ديموس من أن الخصوصة بحاجة في الوقت الراهن إلى الدفاع عنها، وليس إلى اختبارها، فإن بيكيت يشير إلى أمر آخر يحدث بالفعل، وهو القدرة والرغبة من جانب الجمهور في المساهمة برواية الأمور الخاصة به.
وبإمكاننا أن نلمح عالماً يستطيع فيه الذين يتحرقون حرصاً على قول أي شيء، أن يقولوه في الوقت الراهن، حتى لو توجه ذلك في الغالب نحو مستمعين محدودين. أما أولئك الذين يرغبون في أن يكونوا شهوداً على الرعب، أو الأعاجيب، فإنهم يستطيعون أن يجعلوا كلماتهم وصورهم تُبث. والذين يغضبهم الجانب الشرير الباعث على الشك من جانب المسؤولين الرسميين، أو الشركات، فبإمكانهم إيجاد وسائل للتدقيق، ثم الكشف عن ذلك. ويعمل كل ذلك على إضافة شيء إلى التمكين. وإذا لم يكن قادراً على ذلك بعد، وآمل ألا يكون قادراً عليه أبداً، فعلينا الاستغناء عن الصحافة كما عرفناها.

